حمو بيكا وشاكوش: لا مفاجآت

 

هل صدمت حين شاهدت صور استاد القاهرة الدولي وهو يضم مئة ألف مصري يشاهدون حفلا لشخص، ادعوا أنه مطرب، يغني للمخدرات والبانجو؟

ما الذى أفزعك إذن؟ لماذا صُدمت؟
فحسن شاكوش وحمو بيكا ومحمد رمضان هم نتاج جهد كبير استمر أكثر من ثلاثين عاما لتدمير الثقافة والوجدان المصري.

هل يختلف ما يقوله محمد رمضان الممسوخ بزيه وكلماته وأفلامه عما نراه في مجالات عديدة في مصر؟ إنه تعبير عن نظام فقد بوصلته واتجاهه، ألم يكن لكل عصر نماذجه في الفن والثقافة والإعلام والسياسة والاقتصاد؟

إن حمو بيكا لا يختلف كثيرا عن وزيرة الصحة التي صرحت بأن كورونا لن يدخل مصر لأنها في رباط إلى يوم الدين!

ألا يشبه حسن شاكوش، صاحب الغناء لمخدر الحشيش والخمور، ما فعله السيسي حينما جعل من قسم رئيس الوزراء الإثيوبي دليلا على التزامه بحفظ تدفق نهر النيل لمصر، وليس الاتفاقيات المبرمة منذ عام ١٩٠٢ وما بعدها هي الحاكمة للعلاقة بين الدول؟

إن ما يردده حمو بيكا يشبه كل ما تمر به مصر من اختلالات في التوجه والأولويات؛ فمصر التي تبني قصورا للرئيس في كل مكان ولا تهتم ببناء المدراس والمستشفيات لا يمكن أن تهتم بتقديم فن يدعم الروح والوجدان؛ فكان لابد أن يختفي كل ما يدعم العقل والوجدان ليحل محله ما يدغدغ المشاعر والأحاسيس والرغبات. إذ كل فن هو تعبير عن واقعه.

كل عصر له تعبيره الفني العلمي

عصر الباز وزويل ومجدي يعقوب ونجيب محفوظ ويوسف إدريس وصلاح عبد الصبور وأحمد رامي لا يمكن أن يكون إلا عصر الكبار في كل المجالات. أما عصر الفن الرخيص الذي يتصدره محمد رمضان فهو تعبير عن اللواء عبد العاطي كفته وعبد الفتاح السيسي!

لقد كانت حربا شرسة استمرت أكثر من ثلاثين عاما لتنتقل مصر من قلب أمتها إلى الطرف الثاني لهذه الأمة: من دفاعها عن فلسطين إلى دعمها لصفقة القرن التي تنهي القضية الفلسطينية.
ألم تنتقل مصر من قلب أفريقيا ودعم شعوبها إلى عداء تلك الشعوب ففتحت المجال للعدو الصهيوني لكي يصول و يجول في القارة الأفريقية ويحاصر مصر من جنوبها إذ يضع قواته لحماية سد النهضة الذي يؤدي لعطش المصريين.

ألم يتجول الصهيوني نتنياهو في أفريقيا قبل أيام ويلتقي عبد الفتاح البرهان رئيس المجلس الرئاسي السوداني ويفتح المجال لعلاقات بين أعلى وادي النيل والكيان الصهيوني؟ ألم يذهب إلى أوغندا ويخرج بعدها ما يقال عن سد في أوغندا؟

ألم تفرط مصر في ريادتها العربية وتنكفئ على نفسها منذ عهد السادات وزادت نغمة “مصر الفرعونية” و”مصر للمصريين” مرورا بحيادها أثناء ضرب العراق حتى تفكيك وانهيار هذه الدولة العربية الكبيرة إلى أن وصل بنا الحال الآن إلى حصار القضية الفلسطينية وحصار أهلنا في غزة؟

إنه التعبير عن العصر، فلا تتعجب ولا تصدمك المشاهد التي تراها على ساحة مصر فكل عصر يفرز ما في جعبته!

من أم كلثوم وعبد الوهاب وحليم إلى عدوية مرحلة أولي

كان العصر كله جميلا واستعذبنا نحن فيما بعد كلمة زمن الفن الجميل، ورددناها كثيرا عشرات السنين تعبيرا عن عصر كان الجميع فيه كبارا، وكانت كلمات الأغنية يكتبها أحمد رامي ليناقشها كامل الشناوي وإحسان عبدالقدوس ومحمد التابعي وكامل زهيري وصلاح جاهين، ويقوم بتلحينها رياض السنباطي ليسمع اللحن عبدالوهاب ومحمد القصبجي وتغني أم كلثوم فيسمعها الملوك والرؤساء العرب، وينتظر عبدالناصر الأغنية ويشجعها ويمنح كلا من أم كلثوم وعبدالوهاب قلادة النيل ويكرمهما في عيد العلم مع طه حسين ومحمد حسين هيكل. ويرى الرئيس أن عبد الوهاب وأم كلثوم لا يلتقيان في عمل فني فيطلب هو ذلك بنفسه فتخرج رائعة “أنت عمري” تعبيرا عن دولة تهتم بالفن وقيمته وأثره في وجدان الشعوب العربية.

ألم يكن عبد الحليم حافظ تعبيرا موازيا عن هذا العصر؟ ألم تكن تلك الأغاني التي غناها حليم للوطن من كلمات صلاح جاهين وعبدالرحمن الأبنودي وعبد الرحيم منصور وأحمد شفيق كامل ولحنها كمال الطويل وبليغ حمدي (تختلف معها أو تتفق) تعبيرا عن وجدان وحلم عربي؟

الفن رسالة لابد من نهايتها

ألم تكن رحلة أم كلثوم وهي مريضة بعد هزيمة يونيو/حزيران ١٩٦٧ في كل محافظات مصر وكل العواصم العربية وحتى فرنسا تعبيرا عن فنان يدرك أهميته ودوره في التصدي للعدوان الصهيوني؟

ألم تكن ليالي عبد الحليم حافظ التي قضاها في استوديوهات الإذاعة المصرية بعد الهزيمة إيمانا بدور الفن في دعم قضايا الوطن كله؟

ابحث بين مطربي ذلك العصر، لن تجد منهم قامة فنية صغيرة، فقد كان عصر الكبار.

آفة حارتنا النسيان وميزة حارتهم التذكر

لكاتبنا الكبير نجيب محفوظ مقولة شهيرة عن آفة الحارة المصرية (تعبيرا عن كل الحارات العربية) تقول: آفة حارتنا النسيان. لذا فإننا ننسى دور الفن قديما ونتوه في فنون تهرب إلينا عبر الأنفاق أو عبر الحدود كما تهرب المخدرات.. ولأننا ننسى ولا نتذكر يحيط بنا عدو يتذكر دائما ولا ينسى؛ فكل فن حارب ضده لا ينساه؛ سواء الغناء الراقي أو الدراما أو السينما؛ فكان على العدو وبمساعدة رجاله أن يفسدوا الفن المصري.

ألا تتذكر مثلا مسلسل رأفت الهجان أو دموع في عيون وقحة أو الخيانة في بئر سبع أو غيرها من مسلسلات قطاع الإنتاج بالتلفزيون المصري، وتتساءل الآن: أين هذا القطاع؟

لقد أغلق القطاع الذي كان ينتج أبرز الأعمال الدرامية في الوطن العربي بفعل مندوبي العدو في مصر..

وتتساءل أيضا عن صناعة السينما المصرية وتحاول أن تعرف كم كانت تنتج السينما المصرية؟ وهل أصبحت تنتج أم توقفت؟
ابحث عن نجوم الدراما والسينما من أربعينيات وخمسينيات وحتي تسعينيات القرن العشرين، وقارن بين هذه الأجيال وأبطال سينما اليوم في مصر.
إنه الهدم لكل عناصر القوة الناعمة لتصبح قوة هدم للشعب المصري!

من عدوية إلى شعبان عبد الرحيم إلى حسن شاكوش!

إنه تاريخ الانهيار! لاحظ الظهور المتتالي لهذه الأسماء التي ذكرتها واربط بينها وبين عصرها السياسي والاقتصادي. لقد ظهر أحمد عدوية مع بوادر عصر الانفتاح الاقتصادي والتخلي عن دور مصر في محيطها العربي والإسلامي وانكفائها على ذاتها وظهور تجار الأغذية الفاسدة والمخدرات؛ فكان لابد من ظهور الأغنية الفاسدة أيضا.

إنه عصر تراجع البحث العلمي وصعود الطبقة الطفيلية التي ظهرت مع الانفتاح.

أما شعبان عبد الرحيم فهو تعبير عن عصر اللعب في عقل ووجدان المصريين وإهمال التعليم والصحة والثقافة.

عصر تدمير الشخصية المصرية التي تولاها ببراعة مبارك ورجالة عبر ٣٠ سنة من الحكم؛  فكان عصر اللعب في الدماغ  بالخفاء أو كما يقال دس السم في العسل؛ فكان الارتماء في أحضان الثقافة الوهابية وتدمير كل منافذ التنوير.
إنه عصر اعتكاف جمال حمدان وظهور شعبان عبدالرحيم ورفاقه. وها قد وصلنا إلى عصر عبد العاطي كفته قاهر الفيروس سي! وعبدالفتاح السيسي صانع إنجازات الفوتوشوب، ومعه كان لابد من محمد رمضان وحمو بيكا وحسن شاكوش ولا عزاء للذين يرون فيه عصر إنجازات لا توجد إلا في صفحات يكتبها مخبرون للرجل العسكري الذي يتولى تدمير الثقافة المصرية وسط صمت عام. فلا تنزعج كثيرا، بل قاوم هؤلاء جميع ولا تندد بحسن شاكوش فقط، بل قاوم الجميع فهم سلسال واحد بدايته في تل ابيب بيت العدو الذي لا يتوانى عن تدمير الأمة! 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان