الفضيحة على الملأ نصيحة

قد يتصور البعض أن العنوان كُتب خطأً باعتبار المقولة الشائعة ( النصيحة على الملأ فضيحة ) ولكنى أقصد ما كتبت ، ذلكم أن مقولة ( النصيحة على الملأ فضيحة ) من فرط انتشارها وترددها على الألسنة يحسبها البعض حديثاً شريفاً ويستخدمها كثيرون فيما يجب استخدامها فيه وفيما لا يجوز أبداً استخدامها ، ويستعملها البعض كأحد أساليب الإرهاب الفكري – ضمن أساليب أخرى – لإسكات أي صوت ناصح أو ناقد أو موضح أو مبين أو محاولٍ استعراض التجارب بما لها وما عليها لتجنب الأخطاء بعد بيانها فتخرج الألسنة الحداد مستدلة بتلك المقولة للتغطية على الأخطاء وإن كانت بحجم الجرائم الكبرى ، ولا يفرقون – إذ يستشهدون – بين العام والخاص ، وبين اللازم والمتعدي ، وبين المحلى والأممي
ولا أدرى كيف يفهم هؤلاء آداب النصيحة تلك، وأنٌى لهم مصدرها فيجعلون نصيحة شخص لا يتعدى ضرر فعله أو قوله للآخرين كنصيحة المتصدر للعمل العام الذي تزهق بسبب قوله أو فعله أرواح أو تخرب بيوت، ويجعلون نصيحة رجل نظر إلى امرأة أو آخر لا يحسن الوضوء كنصيحة من ينشر مقالاً ينقض فيه عرى الدين، ويجعلون نصيحة من يُظنُ في كلامه أذىً لآخر كنصيحة من يقضى على مستقبل أُمٌَة بغياب رؤية وانطماس بصيرة، كل أولئك عندهم سواء يطلبون النصيحة لهم سراً وفى آذانهم همساً.
والفرق عندي ليس كبيراً بين المدخلية الذين لا يجيزون النصح – إن فعلوا – إلا همساً في أذن الطاغية مهما بلغت جرائمه وبين مدخلية الحركة الإسلامية الذين يطلبون ذلك لقياداتهم ، ويحولون بهذه المقولة وأمثالها دون إظهار الأخطاء والوقوف عليها لتجنبها دعك عن عدم محاسبة المخطئ باعتباره عندهم اجتهد وله أجر المجتهد المخطئ حتى لو لم يملك أي أداة من أدوات الاجتهاد وحتى لو أظهرت التجربة عدم صلاحيته بل حتى لو جنى بفعله أو قوله على الصغير والكبير وهدم الحاضر وطمس معالم المستقبل ، وحتى إذا جربت معه النصح سراً أو أخفى من السر فلا ينبغي عليك إلا أن تعيد ذلك بطريقة أكثر همساً وأعظم لطفاً
ولنعد إلى تلك المقولة التي تستخدم بطريقة تثير الريبة وتدعو إلى الحيرة فأسأل مستخدميها عدة أسئلة
أولها: هل كان كلام الله عن أول خلقه وصنعة يده آدم عليه السلام وهو يقول (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزما)، وهو يخبر أنه خالف أمر ربه وتمت عقوبته بطرده وزوجه من الجنة (لا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين، فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه) وقوله (قلنا اهبطوا منها جميعاً….)
هل كان ذلك نوعا من الفضيحة على الملأ ولها طابع الديمومة، فقد أمرنا أن نقرأ هذا القرآن ونؤجر بكل حرف عشر حسنات
أَوَ نؤجر على ترتيل ما تسمونه فضيحة!!
ثانيها: هل إظهار الله لما فعله رسوله وكليمه موسى عليه السلام من قتل الرجل خطأً (فوكزه موسى فقضى عليه) وتصويره لحالة خوفه من آثار فعله (فخرج منها خائفاً يترقب)
هل كان ذلك فضيحة لموسى عليه السلام تسطر في كتاب مقدس يتلى إلى يوم القيامة!!
ثالثها: هل قول الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم
(يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين) نوع من توجيه الله لنبيه ونصحه له أم أن النصيحة على الملأ بل على العالمين تعدونها وفقاً لهذه المقولة نوعا من الفضيحة!!
رابعها: هل تصوير الله لرسوله ومصطفاه محمد صلوات ربى عليه وهو يقول (عبس وتولى أن جاءه الأعمى ….) وتتوالى الآيات حتى استعمال الله لأشد عبارات اللغة العربية زجراً 《 كلا 》 إنها تذكرة
هل هذه نصيحة أم فضيحة أم ماذا!!
لماذا لم يرسل الله جبريل موصياً إياه بالهمس في إذن حبيبه وتوجيهه بلطف دون معرفة أحد؟
لماذا يكون الأمر على هذا النحو من العلانية ونؤمر بتلاوته ونؤجر على ذلك!!
هل هذه نصيحة أم فضيحة؟
نبئونى بعلم إن كنتم تعلمون
خامسها: هل قرأتم قول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم
(وتخفى في نفسك ما الله مبديه، وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه)
فيتحدث عن طوايا النفس وخفايا الضمير وليس عن الفعل الظاهر فحسب
لماذا هذا التوصيف الدقيق فى معرض العتاب والتوجيه؟
لِمَ لم يلفت نظره سراً فالنصيحة على الملأ فضيحة!!
فما بالكم إذا كانت قرآناً يتلى إلى يوم القيامة!!
سادسها: هل قرأتم قول الله تعالى مصوراً أحداث غزوة أُحُد (حتى إذا 《فشلتم وتنازعتم في الأمر من بعد ما أراكم ما تحبون، منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة)
لماذا يتحدث ربنا عن الفشل هكذا على الملأ ويسميه فشلاً – وأنتم وربى تأنفون إطلاق هذه الكلمة عن فشلكم بل هو دائماً اجتهاد مأجور-
لماذا يفضح خفايا النفوس وطوايا القلوب بقوله (منكم من يريد الدنيا)
لماذا لم يوح الله لنبيه أن اجمع أصحابك وانصحهم سراً – لأن النصيحة على الملأ فضيحة – ولماذا يحضنا على تلاوة هذا ويعدنا بالثواب العظيم عليه!!!
واقرأوا – إن شئتم – في سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في واقعة بنى جذيمة الذين لم يحسنوا التعبير عن إسلامهم فقالوا لخالد بن الوليد {صبأنا } يقصدون {أسلمنا } فقتل خالد بعضهم وأسر البعض ولما بلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم قام مغضباً رافعاً يديه وصوته ( اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ) مرتين
أَوَ ليس خالد قد اجتهد فأخطأ؟ وله من تاريخ البطولات والانتصارات ما يشفع له ومازالت الحاجة إليه باقية؟؟
لماذا لم يجلسه بجواره ويهمس في أذنه قائلا ً لا تتعجل يا حبيبي بعد ذلك، ولا يُسمِع القوم هذه البراءة، ولايريهم هذا الغضب؟
لماذا ينصح بل يوبخ بل يتبرأ من فعل خالد على رؤوس الأشهاد!!
أم أن هذه النصيحة على الملأ فضيحة!!
لن أستطرد في ضرب الأمثلة فالأمر واضح جليّ وتلبيس الحق بالباطل هو مسلك من يبغونها عوجاً وأسألكم بالله إن زعمتم أنه لا يجوز النصح علناً في كل الأحوال فهاتوا لي حالة واحدة قلتم فيها إن النصيحة على الملأ فيها واجبة أو حتى جائزة؟!
ومن دأب القائلين بهذه المقولة (النصيحة على الملأ فضيحة) أنهم نظموا مجموعة من مثلها كلها تصب في خانةٍ واحدة وهي عدم جواز النصيحة للقيادات مهما فعلت
وبعضهم قد لا يعلن غضبه لرسول الله إذ يُشتم ولكنه يهيج ويثأر لوليه إذ يُنصح ،
وستجد المتفلسفين منهم يقولون بالفرق بين النصيحة والنقد والتجاوز والخروج وغيرها حتى يفسقوا من ينصح ويرهبوا من يفكر في النصح ويدلسوا على من يؤجر عقله مفروشاً،
وخذ من أقوالهم مثلاً تسير بها ركبانهم ويتغنى بها حاديهم (ليه ننشر غسيلنا الوسخ بَرَّه) فلتسألهم أنت بدلاً عني ولماذا يكون غسيلنا وسخاً؟؟ وهل الأفضل أن يتم نشره فيجففه الهواء وتطهره الشمس ويعاد استعماله أم يظل عطناً عفناً قذراً حتى يبلى!! وتسمع قولاً يُخيل للسامع أنه من أصول الفقه وأركان الدين وما هو إلا قول متهافت، يقولون عن كل صاحب رؤية بعيد النظر كثير النصح مستبق إلى آفاق المستقبل (المتقدم عن الصف كالمتأخر تبطل صلاته)
وهو إسقاط لا ريب باطل واستدلال لا شك فاسد وهو في غير موضعه إنما هو نوع من الدجل التربوي فالأصل في القيادة الراشدة أنها لا تربي قطعاناً يمشون خلفها على الدوام بل تربي قيادات المستقبل وكلما وَجَدَت شخصاً إيجابياً سبٌَاقاً وفرت له الإمكانات ودفعته أكثر إلى الأمام مهما وجه النصح سراً أو علناً ولم توقف سيره ولم تجره إلى الخلف، كل ذلك بالطبع وفق ضوابط الإسلام وليس وفقاً لقواعد الهوى وأسس الهيمنة.
إنه بقراءة بسيطة لحديث النبي صلى الله عليه وسلم “الدين النصيحة” مضيفاً إليه أحاديث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقبل ذلك آيات القرآن التي ذكرتُ بعضها في النصح والتوجيه على الملأ واستعراضاً لأحداث السيرة التي ذكرت مثالاً منها تستطيع أن تدرك أن النصيحة تكون واجبة في السر أحياناً جائزة أحياناً أخرى وفي العلن أكثر وجوباً في مواضع كثيرة، على سبيل القطع منها كل ما يتعلق بالعمل العام ويتصل بمصالح ومصائر الآخرين ، وكل إجراء في العلن ، وكل أمرٍ منشور على الملأ ، وكل قرار يتعلق بدولة أو جماعة أو حزب أو فصيل ويستفيد من الأخطاء ويحدد مواضع الفشل والإخفاق ليضع المنارات على طريق المستقبل.
أما رفض النصيحة بمراجعة الأخطاء واستخلاص الدروس وتصويب المسارات وإعلان الحرب على أصحابها بأساليب الإرهاب الفكري هذه وتلبيس الحق بالباطل يحتاج إلى بيان وجه الحق في النصيحة وكيفيتها ووسائلها إذ كيف تعالج أمراً تم إعلانه وترتبت آثاره ولم يُخفِهِ أصحابه بالنصيحة همساً في الآذان فلاريب عندي أن ذلكم اشتراك فيما وقع ويقع
فإن كانت النصيحة على الملأ فيما وقع على الملأ يعدها البعض فضيحة فقل مطمئناً نعمت الفضيحة هذه وساعتها
نقول
(الفضيحة على الملأ هي عين النصيحة)
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
