القرضاوي ومبارك.. علاقة بدأت بلقاء عابر وانتهت بتأييد إسقاطه

في حياة العلامة القرضاوي حوارات ونقاشات مختلفة مع حكام بلدان عربية كثر، اتسم معظمها بمواقف كانت للقرضاوي مع هؤلاء الحكام، والملاحظ أن معظمهم ليسوا من حكام مصر البلد الذي يعد مسقط رأس القرضاوي، ولم يكن بينه وحكام مصر لقاءات سوى لقاء عابر بالسادات في لقاء مع العلماء، أما الرئيس الراحل محمد حسني مبارك، فقد كانت هناك مواقف بينه والقرضاوي.
جاء مبارك بعد انتشار ومد للتيار الإسلامي، تمثل في عدد من ساحات العمل العام، كان آخرها قبل مجيء مبارك للحكم، هو خطبة العيد التي يخطبها القرضاوي في ميدان عابدين القريب من قصر عابدين، وكان الإعلام الغربي يصور ويرصد ويحلل، ولما جاء مبارك قام بحجب كل هذه الأنشطة.
لم يكن بين القرضاوي ومبارك لقاءات مباشرة، بل كانت بينه وبين مقربين منه، وبخاصة السياسيين من حوله، وعلى رأس هؤلاء: الدكتور أسامة الباز، مستشار مبارك، وقد التقاه أكثر من مرة وكان الحديث بينهما في أول مرة حول الأزهر وعلمائه، وكيفية الاستفادة منهم بدل الصدام مع الدولة، وبخاصة الشيوخ الذين لهم شهرة واسعة، وحضور قوي كالقرضاوي وغيره. ولم يكتمل الحديث بينهما، وكانا على وعد بتكملة الحوار، كما حرص على ذلك الباز.
التقى القرضاوي مبارك في لقاء للعلماء، في مؤتمر علمي، وقد أجلسه وزير الأوقاف السابق الدكتور محمد علي محجوب قريبا منه، كان بينه وبين مبارك دكتور عبد الله التركي وزير الأوقاف السعودي آنذاك، ثم سلم عليه مبارك، وربت على كتفه، مما جعل محجوب يحاول تقريب القرضاوي من السلطة المصرية آنذاك، ولكن دون جدوى من القرضاوي.
وكانت صلة القرضاوي بوزارة داخلية مبارك، على غير ما يرام، وبخاصة في عهد زكي بدر، والذي دار بينهما حوار في قطر بناء على دعوة من السفير المصري في قطر، ورحب بدر بالقرضاوي، واحتفى به، وعرفه على زوجه وأنها محجبة، واستشهد ببضع آيات في كلمته، ثم قال بدر للقرضاوي: أرأيت زوجتي محجبة، وأنا أحتفي بالقرآن والسنة، وسأله زكي بدر: هل لك طلب؟ فاعتذر القرضاوي، فألح بدر، فأخبره الشيخ أنه عندما ينزل للمطار يؤخذ جواز سفره، ويظل لفترة بلا سبب منطقي، فسأله بدر: هل أساء إليك أحد؟ فقال القرضاوي: لا، بل يعاملونني معاملة حسنة، لكن لا يليق بي الانتظار بلا سبب طبيعي، فوعده بدر، بحل تلك المشكلة.
وقد سعى زكي بدر لدى بعض المصارف والبنوك القطرية لمعرفة رصيد القرضاوي، وكم يتقاضى راتبا من الجامعة آنذاك، ولم يجبه أحد لطلبه، فقد ظن أنه وزير داخلية مصر، وإذا طلب طلبا أجيب في التو واللحظة، وكانت نية بدر التشويه والتحريض ضده، وهو ما قام به بدر بالفعل.
فقد نزل بدر لمصر وسرب له تسجيل صوتي، يقول غير الحقيقة فيما دار بينه والقرضاوي، وقد فصل القرضاوي تفاصيل ذلك في كتابه: (ابن القرية والكتاب) الجزء الرابع، ص: 430-433.
وردا على تطاول وزير الداخلية في حقه، كتب رسالة مفتوحة لمبارك، يكشف له ما يقوم به بدر من إساءة للعلماء، وإساءة لمصر بما يفعل، وافتراء على الشرع على لسان الإمام الشافعي أنه يجيز قتل ثلث الشعب ليعيش الثلثان، وكانت هذه الرسالة من القرضاوي تعد أول رسالة منه لمبارك، وخاصة أنه قام بنشرها، ولم يجعلها خاصة، لأنه استشار بعض المقربين منه من العلماء فأشاروا عليه بنشرها، لأنه لو أرسلها خاصة، ربما حجبها من حوله، أو لم تصل إليه.
وقد كانت رسالة القرضاوي المنشورة بعنوان: (رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية الرئيس مبارك)، ويقول فيها:
(وإني من موقع مسؤوليتي باعتباري أحد علماء المسلمين الذين أخذ الله عليهم الميثاق أن يُبَيِّنوا ولا يكتموا، ولا يشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا – والدنيا كلها ثمن قليل – وأن يقولوا الحق لا تأخذهم في الله لومة لائم.
من هذا الموقع أنصح لكم: أن تتدارك الخطر قبل أن يستفحل، وتطفئ الشرارة قبل أن تتحوَّل نارًا، حفاظًا على قيم مصر الدينية والخُلُقية، ومواريثها الثقافية، وحماية لشعبنا ووطننا من طوفان يخشى العقلاء انفجاره في أي لحظة، ولن تستطيع قوة منعه من الاندلاع ولا الانتشار، ومعظم النار من مُستَصْغَر الشَّرر.
ويحضرني هنا ما قاله ذلك المشير الناصح لحكام بني أمية:
أرى خلل الرماد وميض نار ويوشك أن يكون لها ضرام!
إنها نصيحة خالصة لا أرجو بها إلا الله والدار الآخرة، ومصلحة الأمة، ولا أريد من أحد جزاء أو شكورًا، فقد أغناني الله عن دنياكم، ومناصبكم التي يتهافت عليها كثيرون.
السيد الرئيس، إن أمَّتنا أحوجُ ما تكون إلى أمرين:
الأول: إيمان صادق بالله ورسالته، ولقائه وحسابه، تزكو به الأنفس، وتحيا الضمائر وتستقيم الأخلاق، إيمان يحفِّز على الخير، ويزع عن الشر، ويوقف المرء عند حدود الله في أمره ونهيه وحلاله وحرامه، ولا بدَّ أن تتعاون كل الأجهزة والمؤسسات على غرس هذا الإيمان.
الثاني: مناخ حر، تتفتح فيه النوافذ، وتزول أحكام الطوارئ، ويُعبِّر فيه الناس عن أنفسهم وآرائهم، في ظل القانون وحكم القضاء، دون خوف من اعتقال بلا محاكمة، أو تهديد بجلد الظهور أو قطع الرقاب!
إن أمتنا ليست قطيعًا يساق بالعصا، أو مجموعة من العبيد تقاد بالقهر، إنما هي أمة عريقة تقاد بالعدل والتسامح والحب. وسياسة العنف والبطش لا تحل مشكلة، بل تنشئ التطرف على كل صعيد، وتنمِّيه، وتزرع الأحقاد والكراهية، وتنتهي بدمار الأمان والاستقرار.
إن العصا الغليظة قد تخيف العبيد، ولكنها تثير الأحرار.
إن العالَم من حولنا يتغيَّر، والشعوب المقهورة تنتصر على الجلَّادين، وعتاة الفراعنة يتساقطون، ولا مكان اليوم لطاغية كبير، فكيف بطاغية صغير؟ والسعيد من اتَّعظ بغيره.
حفظ الله وطننا، وحمى شعبنا، ووفَّق قيادته إلى الخير والسداد).
وكان آخر مواقف القرضاوي مع مبارك، هي وقوف القرضاوي مع ثورة 25 يناير، وتأييده لها، وذلك قبل اندلاعها، حين أعلنت القوى السياسية عن وقفتها يوم 25 يناير، وقد أجرت إحدى الصحف المصرية حوارا مع القرضاوي، فطالب الشرطة المصرية بعدم استعمال القوة مع المتظاهرين، والإفساح للحرية، ثم أعلن موقفه الكامل مع الثورة، وكان موقفه يوم موقعة الجمل موقفا مشهودا، لا ينكره أحد، ثم خطبته في ميدان التحرير في جمعة النصر.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
