تركيا واليونان وأزمة تمزيق العلم

استدعاء أحداث التاريخ للمرة الاولي سياسيا في الخلاف الراهن بين الجارتين يشير إلى أن صبر أنقرة أوشك على النفاد بسبب التصرفات المستفزة التي أصبحت تصدر دوما عن أثينا
جاءت واقعة قيام البرلماني اليوناني المستقل يوانيس لاجوس بتمزيق العلم التركي، على مرأى ومسمع من نواب البرلمان الأوربي وأمام عدسات الكاميرات، بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير في العلاقات اليونانية – التركية.
تلك العلاقات التي باتت قاب قوسين أو أدني للتحول من التوتر الخفي إلى الصراع العلني، بسبب زيادة حدة الازمات المتلاحقة التي تمر بها الجارتان منذ فترة ليست بالقليلة، فمن الأزمة القبرصية إلى الخلاف حول توزيع ثروات شرق المتوسط، وأزمة الاتفاق التركي – الليبي، مرورا بمشكلة الهجرة غير الشرعية، والتناحر حول الجزر المتنازع عليها بينهما في بحر ايجه، وقيام أثينا بوضع العديد من الأسلحة القتالية على ستة عشرة جزيرة منهم رغم مخالفة ذلك للقانون الدولي، وانتهاءً بأزمة تمزيق العلم.
الأزمة الجديدة المرتبطة باستهداف العلم التركي ليست الأولى في تاريخ العلاقات بين البلدين، فقد سبق وأن اندلعت أزمة حادة بين تركيا واليونان في تسعينيات القرن الماضي، وتحديدا في العام 1996، بسبب قيام عدد من البحارة الأتراك برفع العلم التركي على جزيرة قرداق، إحدى الجزر المتنازع عليها بين البلدين في بحر إيجة.
وعلى الفور قام خفر السواحل اليوناني بإنزال العلم وتمزيقه، الأمر الذي أثار موجة غضب تركية كادت أن تتطور إلى مواجهة مسلحة بين الجارتين لولا تدخل الرئيس الأمريكي بيل كلينتون ومعه الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك خافيير سولانا.
وفي العام الماضي حدث أن منع اليونانيون رفع العلم التركي أثناء إقامة مباراة لكرة اليد للسيدات بين فريق تركي وآخر يوناني، رغم رفع العلم اليوناني، الأمر الذي أثار أزمة دبلوماسية بين البلدين، بعد أن قامت تركيا برفع شكوى رسمية ضد ما تعرض له الفريق التركي من اعتداءات عنصرية من جانب الفريق اليوناني ومشجعيه، إلا أنه تم احتواء الموقف وإنهاء الازمة بين البلدين بعد جهود مضنية..
المسؤولون الأتراك اتفقوا في تصريحاتهم على أن ما حدثَ هو نوع من العنصرية البغيضة، التي تخالف القيم الأوربية، وتعيق تعزيز الديمقراطية، ودليل على مدى ما يكنُه البعض في أوربا لتركيا والإسلام من كراهية وعداء، رغم أن الخارجية اليونانية سارعت إلى ادانة الحادث، واصفة إياه بالغير مقبول من جانب من سمتهم بممثلي النازية الجدد، وقيام البرلمان الأوربي بفرض عقوبات تأديبية على النائب المذكور، وفق نص المادة 176 من قانون العقوبات في البرلمان الأوربي،
إلا أن تلك التحركات لم تطفئ حالة الغضب التي اندلعت داخل تركيا الرسمية والشعبية، فعلى الصعيد الشعبي، عبر عشرات الآلاف من الأتراك عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن غضبهم جراء تعرض علم بلادهم للإهانة.
وهي الاحتجاجات التي نقلتها الفضائيات، ونقلت معها مطالبهم لحكومة بلادهم برد حازم وسريع على ما وجهه النائب اليوناني من إهانة لتركيا حكومة وشعبا بكل السبل الكفيلة بردع مثل تلك التصرفات غير المسؤولة، وضمان عدم تكرارها مرة أخرى، فيما ذهب القوميون الأتراك إلى مطالبة الحكومة بالرد عسكريا على تلك الإهانة.
وبعيدا عن ردود الفعل التركية تجاه حادثة تمزيق العلم المؤسفة، فإن اتهامات النائب اليوناني لتركيا بالتسبب في أزمة اللاجئين التي تعاني منها اليونان، تستدعي ضرورة فتح هذا الملف ومناقشته بكل شفافية بين الاتحاد الأوربي وأنقرة وأثينا، لنزع فتيل الأزمة.
إذ تعد الهجرة غير الشرعية، وتدفق اللاجئين إلى الأراضي اليونانية من أبرز ملفات التوتر الحالية في علاقات الجارتين، فبينما تطالب أثينا تركيا بوقف ما سمته الابتزاز بملف اللاجئين، تنتقد أنقرة طريقة تعامل اليونان مع المهاجرين إليها، حيث تتركهم لأشهر في أماكن أقرب إلى الاحتجاز والعزل من دون غذاء ولا علاج أو دعم نفسي، مع عدم وجود مساحات كافية للعيش تمنحهم الشعور بالأمان، إلى جانب تعرضهم للطرد بالمخالفة للقانون الدولي الذي ينظم مسألة الهجرة.
ونظرا لتفاقم تلك المشكلة، أعد الاتحاد الأوربي مؤخرا تقريرا شاملا حول مشكلة تدفق اللاجئين على دول الاتحاد الأوربي، اعترف فيه أن تركيا تستضيف أكثر من 3.5 مليون لاجئ، انفقت عليهم حتى الآن 36.7 مليار يورو، أي ما يعادل 40 مليار دولار، بينما خصص الاتحاد الأوربي 6 مليارات يورو، بما يعادل 6.5 مليار دولار لمساعدة تركيا في هذا الملف، دفع منهم 3 مليارات يورو فقط، أي ما يوازي 3.25 مليار دولار.
وتتهم تركيا الاتحاد الأوربي بعدم الوفاء بالتزاماته نتيجة لذلك، بينما يتهمها الأخير بالقيام بتخفيف القيود الأمنية على طريق الهجرة، لوضعه أمام الأمر الواقع.
ورغم الاتهامات المتبادلة بين الجانبين، فإن الاتحاد الأوربي يدرك تماما صعوبة، إن لم يكن استحالة، قيام دولة بمفردها بالتغلب على تلك المشكلة، وبالتالي لا يمكن التنازل عن الدور التركي في أزمة اللاجئين، وهي الحقيقة التي دفعت القادة الأوربيين للحديث عن إمكانية استمرار المساعدات المالية لتركيا طالما بقيت أزمة اللاجئين.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
