لماذا لم تقم ثورة ؟.. سؤال كل عام!

هذا السؤال تردد قبل أيام مع الذكرى التاسعة لثورة 25 يناير 2011 في مصر. والسؤال يتكرر كل عام في نفس موعد انفجار الثورة، منذ عزل مرسي، والإطاحة بجماعة الإخوان من الحكم، في 3 يوليو 2013.
وهذا السؤال صار روتينياً، فقد طُرح ست مرات بمناسبة ذكرى يناير، وسيُقال العام القادم، ويعلم الله كم عاماً آخر سنظل نقرأه، رغم أنه يعكس لدى من يصر عليه – دون وجود مؤشرات على إمكانية ترجمته إلى واقع – نوعاً من البلادة السياسية، وفقداناً للإدراك بشأن طبيعة الأوضاع على الأرض، ونمط تفكير سلطة الحكم، واستعداد الأمن، وحالة السياسة والساسة التي دخلت الغيبوبة أو التيه.
مشكلة السؤال؛ هل يجري على لسان النخب كلها، مهما كان الرأي فيها سلباً أو إيجاباً؟، وهل ينشغل به المصريون بمختلف فئاتهم وطبقاتهم ودرجاتهم وثقافاتهم؟، أم هو سؤال شريحة بعينها من النخبة والشعب؟. والفارق هائل بين أن يكون سؤال المجتمع، أو سؤال شريحة منه؟.
وماذا تقول الأرض في مصر حيث حركة الناس اليومية عليها؟، وكم واحد منهم مهتم بالسؤال؟، وهل يؤرقه في نومه ويقظته، ويعمل على ترجمته إلى حقيقة في الشوارع والميادين، أم هو خارج الاهتمام العام؟.
هل هو سؤال يفور داخل الناس، ويخشون الإفصاح عنه خشية الملاحقات؟، أم هو سؤال مجموعة منهم خسرت السلطة، وتسعى لاستردادها، ولا يجدون حلاً غير انتفاضة شعبية على غرار يناير؟، ثم بافتراض قيام حراك من الشريحة المطالبة بذلك، فهل هناك ضمان أن تصبح ثورة يشارك فيها الشعب في غالبيته العظمى؟، وهل هذه الشريحة تطمئن إلى بروز قيادة للتغيير المثالي، أم يدخلهم ذلك في زوايا ومنعرجات مدمرة مرة أخرى؟
أسئلة كثيرة بلا إجابات واضحة محددة، بسبب ضبابية الأوضاع، ونتائج التجربة الثورية التي أعقبت يناير، والتي اتسمت بالعشوائية والألاعيب ونسج مختلف فنون التآمر من شركاء الثورة ضد بعضهم بعضاً، ومن غرمائها ضدهم جميعاً، وكلهم ساهموا بقصد، أو بحسن نية، في إيصالها لحائط مسدود.
وتجربة الربيع العربي في موجته الأولى تؤسس لقاعدة مهمة، وهي أن النجاح ليس في خطوة التغيير الأولى بإزالة رأس النظام وحواشيه، إنما في كيفية إزالة وتفكيك النظام كله بذكاء وحكمة ومسؤولية، وبناء نظام جديد عادل وديمقراطي ونزيه وشفاف دون صراعات عدمية، أو الذهاب لاحترابات أهلية، أو تهديد كيان الدول.
ست تجارب، فشلت في إنجاز التغيير الديمقراطي، باستثناء تونس، ومصر تجاوزت مخاطر فوضى أهلية وأمنية كان يتم النفخ فيها وتضخيمها، وكان للصف الثوري، ومدعي الثورية، دور في تعظيم هذه الحالة لضرب الثورة فكرة وهدفاً وأملاً ومستقبلاً بعيداً، ولم يكن مستبعدا أن تصل إلى ما لا تحمد عقباه، وبالفعل ترسخت صورة سلبية في أذهان العامة ربطت بين الثورة والفوضى، ولا ذنب للثورة في ذلك، بل الذنب يتحمله من خطط لهذا الوضع المؤسف، وثمن الاستقرار في مصر جاء غالياً، والضحية الثمينة هى إرجاء الديمقراطية الناشئة.
وقد جرى في ليبيا واليمن الأسوأ حيث تحولت الأزمة إلى انقسام واقتتال أهلي ودولي، وفي سوريا جرى إفقاد الثورة صورتها الديمقراطية البراقة، وتم إدخالها في آتون الحرب الكونية الشرسة.
خلال تفاعلات ثورة يناير، وعندما كان لفرقاء الثورة كلمة مؤثرة في مسار الأحداث والقرارات الصادرة من المجلس العسكري، وخلال العام الوحيد للرئيس الراحل محمد مرسي، كانت الصراعات العبثية تأكل الفرقاء، وكان الاضطراب في أجندة الانتقال واضحاً، وكان فقدان القيادة غائباً، وكانت حالة السيولة السياسية والثورية أعظم هدية لضرب يناير، وإيقاف مسارها.
لا يكفي اليوم أن تيار الإخوان وحده في الخارج، ومعه أفراد من تيارات أخرى مدنية، يدعون كل عام لثورة، وينتظرون من الناس الخروج، فلا الإخوان وحدهم، ومهما كان العدد الذي معهم، يوفرون غطاءً سياسياً كافياً لحراك جماهيري، ولا عناصر الإخوان، ومهما كان العدد الذي معهم من الأنصار والرافضين للوضع الراهن، بقادرين على القيام بتحرك فعال ومؤثر في إنجاز تغيير.
الثورة في أي بلد بحاجة لغطاء سياسي عام وشامل من مختلف التيارات السياسية والفكرية والعقائدية والثقافية الحاضرة في المشهد من اليمين إلى اليسار، مهما كانت هامشية بعضها، فالأسماء واللافتات الحزبية والمدنية والمجتمعية ضرورية لأنها تعطي زخماً للفصائل المشاركة، وتمنحها وحدة وقوة ومصداقية داخلية وخارجية، كما حدث في يناير، وهذا شبه مستحيل حالياً.
والثورة بحاجة لتعاضد شعبي واسع من مختلف الفئات، وهذا غير متوفر، ويصعب توفيره حالياً، لأسباب تتعلق بالإخوان أنفسهم، فهم لا يريدون الاقتناع بأنهم في وضع شعبي صعب، والقبول بهم بات أصعب، وهناك أسباب أخرى تتعلق بالقوى المدنية الهشة والممزقة، ومنها كيانات منضوية مع السلطة، وتدافع عنها، بل هي أشد سلطوية من السلطة، بعكس ما حصل مع مبارك، وهناك أسباب إضافية مهمة تتعلق بأن درس الوصول إلى يناير تم استيعابه، ويتم معالجة كل المنافذ التي تقود إليه تدريجياً.
هذا ليس تثبيطاً لأحد، إنما محاولة قراءة الواقع بنظرة طائر، وهو شديد التعقيد، فالناس في مصر ليسوا مشغولين بثورة، ولا بمظاهرة فئوية، ولا بالسياسة نفسها، ولا بأي شيء عام، غير الانشغال بلقمة العيش، وبكسب المال بكل الوسائل الممكنة، والتراجع الواسع في مشاهدة البرامج الحوارية المسائية، وتوزيع الصحف، يؤكد أن هناك مللا عاما من هذه المضامين، وإذا كانت هناك مشاهدة مرتفعة لبرامج في قنوات خارجية، فهذا قد لا يعني التفاعل والاستعداد للحركة على الأرض، إنما البحث عن رؤية أخرى في تفسير الأحداث اليومية تخفيفاً للاحتقان وضغوط الحياة.
وبين الناس من يرفض تماماً فكرة الثورة، وهذا كلام مؤكد، ولا أبالغ إذا قلت إنهم الطبقة الغالبة في الشعب، وهي الطبقة التي تشمل الفقراء، ودون خط الفقر، والمهمشين، والضعفاء، ومحدودي الدخل، وما تبقى من الطبقة الوسطى، هم كل الفئات الاجتماعية التي يجري الحديث باسمها، والدفاع عنها، والدعوة لحمايتها، وقيام ثورة من أجل إنصافها، وهم أصلاً غير ثوريين، ولا مسيسين، ولا راغبين في التحرك من فوق (الكنبة)، وبالمناسبة هم يعيشون ويتّحصلون على رزقهم، ويكافحون بشتى السبل للعيش، وهم يشتكون، لكنهم راغبين في البقاء بوضعيتهم التي هم عليها، المهم أن الأرض مستقرة تحت أقدامهم حتى تستمر الحياة في سلام.
هؤلاء لم يكونوا ضمن جمهور يناير، انضموا إليها لحظة نجاحها والاحتفال بها، وانتظروا ثمرتها، ولم يدافعوا عنها خلال عثراتها، ثم صاروا ناقمين عليها.
وبالمناسبة، مرت خلال السنوات الست الأخيرة مصاعب معيشية واجتماعية لم تشهدها مصر خلال عهد مبارك، ولا السادات، حتى في ذروة الاحتجاج على سياساته الاجتماعية والاقتصادية في مظاهرات 18و19 يناير 1977، ومع هذا يتحمل الناس حالياً في صبر وامتعاض، أما التفكير في الاحتجاج فهو مستبعد أملاً في تحقيق الوعود، ورضاً بالمصاعب بديلاً عن المخاطر من وجهة نظرهم، ولأنهم يقومون بحل معادلة الحياة القاسية بينهم وبين بعضهم عبر رفع الجميع تكلفة كل الأشياء على الجميع، بجانب قبضة الحكم القوية, والاقتصاد الموازي ودوره الأساسي في تخفيف مشاكل الملايين من المواطنين.
لا تتوقع اندلاع ثورة، وأنت تعلن عن زمانها ومكانها، وتهلل لذلك، وتنتظر صباحاً خروج الجمهور إلى الشوارع والميادين للاحتشاد والاعتصام وإعلان المطالب. الثورة عمل عفوي، لا زمان محدد له، ولا مكان معين لانطلاق شرارته الأولى، وتراكم أزمات، وانسداد تام.
والثورة ليست الطريق الوحيد للتغيير، هناك طرق أخرى للإصلاح التشاركي بين قوى المجتمع والسياسة والإدارة الحاكمة، قد يكون فيها الأمن والأمان والحكمة والمسؤولية والتوافق الوطني والرضا العام وحماية مصالح الناس وعدم تعريض الدول ومؤسساتها للاهتزاز المفاجئ.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
