الإقناع في بطلان الصلاة خلف التلفاز والمذياع

عدنا إلى ما كان عليه العرب الأوائل من التأريخ بالوقائع والأحداث، حيث كانوا يقولون ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل، ونحن الآن نؤرخ لكل شيء بزمن كورونا !حيث ترك الفيروس الذي لا يُرى، بَصْمتَه على كل شيء يخص الحياة والأحياء، وغير نمط المعيشة وطرق التعامل بالكامل، بل غير في هيئات العبادات وعطل بعضا منها.

خلت المساجد من المصلين، والمنابر من الواعظين، وظهرت الكعبة مفردة بلا طائفين ولا عاكفين !

لكن لم يحتدم النقاش والجدل في أوساط المسلمين إلا مع دخول شهر رمضان الكريم وصلاة التراويح، بما يؤكد أن ظاهرة الاهتمام بالنافلة أكثر من الفريضة اشتركت فيه النخب مع العوام، وضربت بجذورها في نفوس سُراةُ الناس وهداتهم، كما فعلت بعامتهم وبسطائهم، الذين استقر في نفوسهم أن نافلة التراويح أهم من صلاة الوتر وهو أوجب منها وآكد، ولا يتخلفون عن سنة العيدين مع إهمال فريضة الصبح التي مرت قبل وقت قليل !

انبرى أفراد من الدعاة والأئمة فقالوا بجواز صلاة التراويح خلف المذياع والتلفاز والبث المباشر بكل أنواعه، مستدلين على ذلك بما جاء في مذهب المالكية في قضية الاقتداء:

“في الاقتداء يكفي أن يعلَم المأموم بانتقالات الإمام بسماع، أو رؤية، أو مبلِّغ، ولا يضر لو فَصل بينهم طريق أو نهر صغير، وتصح الصلاة مع تقدم المأموم مع الكراهة إن لم يكن عذر، فإن كان عذر كضيق مكان فيجوز ولا كراهة، جاء في الشرح الكبير للشيخ الدردير على خليل:(و) جاز (اقتداء ذوي سُفن) متقاربة ولو سائرة (بإمام) واحد يسمعون تكبيره أو يرون أفعاله، أو من يُسمع عنده، ويستحب أن يكون في التي تلي القبلة (و) جاز (فصل مأموم) عن إمامه (بنهر صغير) لا يمنع من سماع الإمام أو مأمومه أو رؤية فعل أحدهما (أو طريق).”

وهذا القول يتحدث عن إمام فعلي يرون حركته أو يسمعون صوته، أو صوت من يسمعه، فكيف ساغ قياس الإمام الافتراضي الذي يصلي عبر الأثير على إمام حقيقي حدث فاصل بينه وبين المأموم بشيء يسير، وفي شأن الفاصل يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – وإذَا امْتَلَأَ الْمَسْجِدُ بِالصُّفُوفِ صُفُّوا خَارِجَ الْمَسْجِدِ، فَإِذَا اتَّصَلَتْ الصُّفُوفُ حِينَئِذٍ فِي الطُّرُقَاتِ وَالْأَسْوَاقِ، صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ.

وَأَمَّا إذَا صُفُّوا وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الصَّفِّ الْآخَرِ طَرِيقٌ يَمْشِي النَّاسُ فِيهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُمْ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ. وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الصُّفُوفِ حَائِطٌ بِحَيْثُ لَا يَرَوْنَ الصُّفُوفَ، وَلَكِنْ يَسْمَعُونَ التَّكْبِيرَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، فَإِنَّهُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُمْ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ. الفتاوى الكبرى (2/ 334).

قول المالكية

ومن قال بقول المالكية هذا وقع في محاذير منها:

أولا: أن المالكية قالوا بذلك في الأحوال كلها، ولم يفرقوا بين الأيام العادية والحالات الاستثنائية فمن أين أتت التفرقة؟

ثانيا: أنهم قالوا بجواز ذلك في الفرض والنفل جميعا، فلماذا تابعتهم في النفل وجعلتهم حجتك، وخالفتهم في الفرض؟

ثالثا: الانتقاء والتلفيق بين آراء المذاهب ليس من مسلك المفتين، وهو واضح هنا في الأخذ برخصة المالكية في الاقتداء، وإهمال اشتراطهم المسجد الجامع لصحة صلاة الجمعة !

رابعا: العبادات ليست محلا للاجتهاد أو القياس، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم في شأنها واضح لا يحتاج إلى تفسير أو تأويل حيث قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) وقال: (لتأخذوا عني مناسككم) فكيف تُوَقِعْ في هذا عن رب العالمين، وتتحمل عبادة المصلين؟

وهذا رَدٌ من مالكية معاصرين على ما ذهب إليه المجيزون الذين قاسوا الصلاة خلف التلفاز وأشباهه على بعض ما ورد عن أئمتهم، بأنه قياس لا يتفق مع أصول مذهبهم، ومن هؤلاء عميد كلية الفقه المالكي أ.د. وليد مصطفى شاويش حيث قال:

“لا يجوز قياس التلفاز والمذياع على القول المطلق عند المالكية بجواز الاقتداء بالإمام بالشروط المذكورة في المذهب، لأنه قياس شبه ضعيف، يعارض الأدلة في الرتبة العليا من النص والحقيقة الشرعية، ويعتبر عرف المذياع والتلفاز عرفا حاضرا لا يجوز أن يلغي الحقيقة الشرعية كما وردت في صلاة أهل المدينة لأن الصلاة توقيف، ويعتبر العرف الحاضر صورة نادرة، أو معنى جديدا لا يدخل تحت أوامر الشريعة بالجماعة، ومخالفة التعبد إحداث في الدين، مبطل للصلاة في هذه الحالة، وقد سألت شيخي “بيه بن السالك” رحمه الله هذه المسألة فلم يجزها”.

فتوى مخلوف:

وقد سئل مفتي الديار المصرية فضيلة الشيخ حسنين مخلوف رحمه الله: هل يجوز سماع القرآن والخطبة من جهاز الراديو وتكون الصلاة بعد الخطبة؟

فقال: إنه ورد في الحديث كما رواه البخاري، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) ولم يصل عليه الصلاة والسلام الجمعة إلا فى جماعة، وكان يخطب خطبتين يجلس بينهما كما رواه البخاري ومسلم، ولذا انعقد الإجماع على أنها لا تصح إلا بجماعة يؤمهم أحدهم كما ذكره الإمام النووي فى المجموع، وقال ابن قدامة فى المغني: إن الخطبة شرط فى الجمعة لا تصح بدونها، وانعقد إجماع الأئمة الأربعة على ذلك، وعلى هذا لا تصح صلاة الجمعة فى هذه القرية المسئول عنها بدون إمام ولا خطبة، ولا يكفى فى ذلك سماع الخطبة وحركات الإمام من المذياع والله أعلم. حررت في ربيع الثانى 1369 هجرية – فبراير/شباط 1950م.

ولعل معترضا يقول: هذه فتوى مرّ عليها أكثر من خمسين سنة، ونحن في نازلة، والجواب: أن فقه النوازل مما لا يفتي فيه الواحد، ولا يستقل بالرأي فيها الآحاد مهما كان علمهم ومكانتهم، وأن الشأن في ذلك إحياء سنة الفتوى الجماعية الناتجة عن الشورى والأخذ والرد، وسماع الآراء المختلفة من أهل الشأن، وأصحاب الفقه والنظر، وهذا ما كان يفعله الخليفة الأول الصديق رضي الله عنه، واشتهر عن أمير المؤمنين عمر جمعه أهل بدر في كل ملمة أو نازلة، حتى صار في ذلك مضرب المثل.

بادرت المجامع الفقهية، والهيئات العلمائية، ببحث المسألة، وأجمعوا على بطلان الصلاة خلف المذياع والتلفاز وما في حكمهما،

إجماع المجامع الفقهية:

وهذه من الحالات النادرة التي تُجْمع فيها عامة المجامع الفقهية على قضية اجتهادية، ومن هذه المجامع مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، ومجمع الفقه الدولي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي، ومجمع فقهاء الشريعة بأمريكا، وهيئة كبار العلماء بالسعودية، والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بتركيا، والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والمجلس الأوربي للإفتاء والبحوث.

والمجلس الأوربي تحديدا معروف باعتماده منهج التيسير في الفتوى نظرا لاهتمامه أساسا بالمسلمين في الغرب، ومراعاة اختلاف طبيعة الحياة والبلاد التي يعيشون فيها، ومع ذلك كان أشد المحذرين من القول بالجواز، وتواصل معي منهم من أكد على أن هذا القول سيفتح عليهم باب شر وفتنة، وربما عمدت الحكومات الغربية في ظل تنامي تيار اليمين المتطرف إلى إلزام المسلمين بالصلاة خلف البث المباشر دائما، لا سيما وأن الجمعة يوم عمل، أو منع صلاة العشاء في المساجد صيفا حيث يدخل وقتها متأخرا، وتتكرر شكوى الجيران من حضور المصلين لأدائها في جماعة.

وبالفعل بدأت تتطاير شرارة هذا الشر حيث ظهر من يقول ما المانع في عدم وجود الإمام من فتح خطبة مسجلة؟ وآخر يرى أن الصلاة خلف شاشة الحرم المكي أولى من الصلاة خلف صفحة إمام مسجدنا على فيس بوك !

وهذا يؤكد أن من قال بجواز الصلاة خلف المذياع وشبهه غاب عنه أن مقصود الشارع من الجماعة غير متحقق خلف شيخ الشاشة، وأن البديل الشرعي موجود ومنصوص عليه ولا حاجة للاجتهاد مع النص،

حيث أسقط الشارع صلاة الجمعة في صور كثيرة كشدة المطر، وتمريض المريض، أو خوف سبع أو ظالم، وجعل بدلا منها أن تصلى ظهرا، أما نافلة التراويح فصلاة النوافل كلها تصلى في البيت،

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» وفي حديث ابن عمر: «اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا».

حتى في ظل فتح المساجد لا تثريب على من يصلي التراويح في بيته، ولا تشترط لها الجماعة، وكان مولى عائشة رضي الله عنها يؤمها من المصحف في غير الفريضة.

في الوقت الذي يُطَالب فيه بالفتوى الجماعية، واعتماد ما يصدر عن الهيئات العلمائية، لا سيما المستقلة عن الدول والحكومات، وجدنا من ينتسب إلى هذه الهيئات ويخالفها وينفرد برأيه عنها ! والسؤال: هل تشاور هؤلاء الأفاضل مع هيئاتهم في الأمر؟ إن كان الجواب بنعم، فما معنى الشورى إذن وأين فقهها، وهل يجوز للمشارك فيها مخالفة نتيجتها ؟

وإن لم يحدث التشاور فما قيمة الانتساب إليها إذن، وما الفائدة من إنشاء لجان الفتوى فيها، مادامت النزعة الفردية مقدمة على الشورى الجماعية؟

وأخيرا فإننا نردد في أدبياتنا كثيرا، استدارك الإمام المحقق ابن القيم على صاحب المنازل الإمام أبي إسماعيل الهروي، وتعليله ذلك بقوله: شيخ الإسلام حبيبنا، ولكن الحق أحب إلينا منه !

وحان الآن وقت تحقيقها وتطبيقها

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه