عندما احتضنت أول مصاب بالكورونا في بلد يستهين بالوباء!

والمصابون في قريتي خليط من كل الأعمار، وبينهم طفل ونساء، 20 حالة حتى كتابة هذه السطور، خمسة منها تعافت، وعادت من العزل، وكان أسرعهم رجل كبير في السن، بينما الشبان بقوا فترة أطول.
الإثنين، الرابع من مايو الجاري، مساء ليلة رمضانية جميلة، احتضنت أول مصاب بفيروس كورونا في قريتي الكبيرة حجماً وسكاناً التي تقع في نطاق القاهرة الكبرى، كان الشاب المصاب قد عاد إلى بيته منذ ساعات من مستشفى العزل البعيد، المستشفى القريب كان ممتلئاً بالمصابين وقت احتجازه.
بعض الأقارب والمعارف والجيران كانوا يتوافدون لتهنئته بالشفاء والنجاة من الفيروس الذي يصيب كل من يصطدم به، شاباً، أو رجلاً ناضجاً أو عجوزاً، أو إمرأة، أو طفلاً، فليس هناك قاعدة يمكن ضبط كورونا عليها، فهو تقريباً يغير باستمرار كل الاستنتاجات بشأن طبيعته وحركته ومن يستهدفهم، أو أن الحيرة تجعل العلماء والباحثين يخرجون بنتائج متباينة، ثم يتجاوزونها إلى خلاصات جديدة وهكذا.
والمصابون في قريتي خليط من كل الأعمار، وبينهم طفل ونساء، 20 حالة حتى كتابة هذه السطور، خمسة منها تعافت، وعادت من العزل، وكان أسرعهم رجل كبير في السن، بينما الشبان بقوا فترة أطول منه، وهذا عكس ما يتم تداوله بأن كبار السن ضحايا جاهزون للفيروس.
وبقية المصابين في مستشفيات الحجر الصحي، ولم يتوف أحد بالكورونا في البلدة، لكن المتوفى من بلدة صغيرة قريبة، ولم تحدث جلبة في تشييع الجثمان، وقد تحسبت الشرطة لهذا الأمر فكانت حاضرة منعاً لحدوث احتجاجات على الدفن في مقابر القرية، ففي الذاكرة الطازجة السلوك اللإنساني لبعض أبناء قرية (شبرا البهو) بمحافظة الدقهلية الذين تجمهروا رافضين دفن طبيبة توفيت بالفيروس، وكانت تعالج المصابين بمستشفى العزل.
هذا التصرف من بعض الأهالي حاز استهجاناً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وكان لهذا الموقف الشعبي الجماعي، دون اتفاق مسبق بين رواد الفيسبوك خصوصاً، دور مهم في دفع السلطات للتحرك وفرض احترام القانون، وتكريم جثمان الطبيبة بدفنه في مقابر قرية عائلة زوجها، كما تم تكريم وتخليد اسمها باطلاقه على إحدى المدارس في البلدة.
وتقديري أنه ما لم يكن حدث هذا الرفض الجماعي للمواطنين من مختلف المحافظات والمشارب لتصرف الحمقى من أبناء القرية فربما لم تكن الأجهزة اهتمت أو تحركت، فدولة القانون تنشط عندما يتشكل رأي عام بشأن قضية ما، وبلورة المواقف الشعبية العفوية صار الفيسبوك مجاله شبه الوحيد اليوم، فهو منصة إعلان الرأي والموقف في ظل غياب مختلف أشكال المعارضة السياسية والأدوار النقابية وتلاشي دور مؤسسات المجتمع المدني وإغلاق نوافذ التعبير والتنفيس.
أول المصابين لم يكن أول المتعافين بين المرضى، تعافى أربعة قبله، وهو يعمل في شركة لتوزيع الأدوية، وجاءت إصابته مع ثلاثة من زملائه ومن نفس البلدة، خلال توزيع الأدوية على مستشفيات العزل، ونقلوا الفيروس إلى أهاليهم عبر المخالطة، باستثناء المصاب الأول، فقد كان واعياً باعراض كورونا، وأحسن التصرف عندما شعر بالأعراض، فعزل نفسه في غرفة خاصة في بيت العائلة، ولهذا جنب أهل البيت كلهم الإصابة، وعندما اشتد الألم عليه اتصل بمستشفى الحميات، وتم نقله للعزل، أما المصابون الآخرون فلم يعزلوا أنفسهم داخل بيوتهم لهذا انتقل الفيروس لمخالطيهم.
من هنا تظهر ضرورة العزل وتدابير الاحتراز لمجابهة الفيروس، فالجائحة العالمية بدأت بمصاب واحد في الصين، ومع المخالطة انتقلت العدوى منه إلى شخص ثان وثالث وهكذا في (ووهان) حتى تفشى المرض في المدينة كلها، ومنها انتقل إلى دولة ثانية وثالثة وهكذا، ثم عم مختلف دول العالم.
والمصاب الصيني الأول تسبب في بلوغ الضحايا في العالم حتى صباح الجمعة 8 الجاري كالتالي: الإصابات (3,916,257)، الوفيات (270,709)، المتعافون (1,343,054)، وضمن هؤلاء الـ 20 شخصاً في بلدتي، وهم جزء من مجموع الضحايا في مصر، وعددهم (7,981) مصاباً، (482) متوفياً، والمتعافون (1,887).
وتتحمل الصين مسؤولية تفشي الفيروس في العالم، وإذا استبعدنا مؤقتاً التهمة الأمريكية بأن (كوفيد 19) على علاقة بمختبر في (ووهان) حيث لا تتوفر أدلة تؤكد تخليق أو تطوير الفيروس في هذا المختبر، فإن التهمة الأقرب للمنطق والواقع أن الصين تكتمت على أمر الفيروس حتى خرج عن السيطرة، أو لأهداف خاصة مثل تخزين المستلزمات الطبية ووسائل الوقاية كما زعم الأمريكان مؤخراً.
الإصابة الأولى مسجلة في الصين بتاريخ 8 ديسمبر الماضي، وبكين أعلنت أنها أبلغت منظمة الصحة العالمية وأمريكا بالفيروس يومي 3 و 4 يناير الماضي، وبالتالي تكون الفترة الفاصلة بين تاريخ تسجيل أول إصابة، وتاريخ إبلاغ المنظمة وواشنطن، وهى 25 يوماً، كافية تماماً لحركة انتقال واسعة للفيروس من الصين إلى دول كثيرة عبر مختلف أشكال التعامل معها، وكذلك تنقل صينيين حول العالم، وسفر مواطنين من بلدان مختلفة إلى هذا البلد الموبوء.
ومن أسف أنه بعد الإعلان عن الفيروس، فإن دولاً عديدة لم تلجأ لإجراءات الإغلاق والتوقف عن التعامل مع الصين، فقد ظلت المعاملات قائمة فاتسع انتشار الوباء حتى أصبحت السيطرة عليه صعبه، ومصر واصلت التعامل مع الصين سياحة وتجارة بعد انتشار المرض، وبقيت تستقبل الأفواج السياحية من بلدان ضربها الفيروس الذي كان ينتشر بسرعة ويتحول إلى جائحة.
اليوم، بعد أن يئس العالم من القضاء على الفيروس سريعاً، فإنه يدعو للتعايش معه، مع اتخاذ الإجراءات الاحترازية، وهى معادلة شبه معقدة، ويصعب تنفيذها بجدية، وفي مصر، ورغم تزايد عدد الإصابات والوفيات إلا أن النسبة مقارنة بعدد السكان لا تزال معقولة، والكارثة الفعلية إذا حدث انفجار في الإصابات، ساعتها ستكون السيطرة على الوباء شديدة الإجهاد، فالمصريون وتحت ضغوط الحياة ومطالبها وقسوة العيش لا يعبأون كثيراً بكورونا، وهم في بلدتي يستهينون بالفيروس، فالمصافحات والقبلات والأحضان تراجعت قليلاً، لكنها لم تتوقف، وحركة الناس كثيفة، والاحتكاك يتواصل طوال ساعات النهار والليل وفي رمضان خصوصاً، والحظر كأنه غير موجود، والمحلات لا تلتزم بالإغلاق في التاسعة مساءً، فهى تمدد لنفسها إلى الثانية عشرة ليلاً بدعوى إقبال الناس على التسوق، ومن المدهش أن تخرج مجموعات من الشباب لتقيم ما يُشبه الوقفات الاحتفالية إمعاناً في الاستهانة بالمرض، ومرور سيارة الشرطة ساهم في تحجيم هذا السلوك المنفلت.
عندما زرت الشاب المتعافي صافحته، واحتضنته، رغم نقدي لهذا السلوك، فكلنا في النهاية أبناء نفس البيئة، ونخضع أحياناً لأعرافها، وقد سبقني كثيرين لفعل ذلك، والتبرير عندي، رغم ضعفه، ألاّ يظن أنه لا يزال معزولاً، وأن هناك خوف في الاقتراب منه، وقد رأيت أن التعامل عن قرب هو دعم معنوي يزيد مناعة المتعافي، وجزء من بروتوكول علاج المصابين في مستشفيات العزل تعزيز الحالة النفسية لهم لتقوية جهاز المناعة فهذا يساعدهم على المقاومة والشفاء.
ذكرت هنا الأسبوع الماضي، أن لطف الله يحفظ الناس في مصر رغم عشوائية التعامل مع مخاطر الوباء، كما يجعل الإصابات لا تزال في خانة الاحتمال، إنما المزعج هى الأصوات التي تمارس الاستعلاء عند تقدم التعليمات والتحذيرات حيث تتهم الناس بالجهل والاستهتار إذا خرج الفيروس عن السيطرة بسبب عدم تقيدهم بتعليمات الحظر، ومع تفهمي لهذا النقد وضرورة الالتزام بالإجراءات والوعي بالمخاطر، لكني عجزت عن تفهم محاولة منع الناس من الحياة والعمل واكتساب الرزق خاصة مع وجود شرائح اجتماعية واسعة فقيرة وضعيفة وهامشية، ولكون الحكومة لا تقوم بدعم هؤلاء، سوى إعانة مالية قدرها500 جنيه لا تسمن ولا تغني من جوع، وتم صرفها لعدد محدود من العمالة المتضررة وهى بالملايين. الحكومة تلح في البقاء بالبيت، ولا تقدم شيئاً ملموساً للبطون التي ستبقى في البيت.
أرزاق غالبية الناس في بلدي، وفي مختلف البلدان والمناطق بمصر، تعتمد على البيع والشراء في الأسواق والشوارع والميادين والمحلات والمتاجر، والعمل في مهن وحرف ووسائل إنتاج كثيرة، وفي أنشطة هامشية وبسيطة، وأسر وأفراد بعشرات الملايين يعيشون من هذه الأعمال، ويتحصلون على رزقهم يوماً بيوم، فكيف يتم دعوتهم للبقاء في البيت دون حافز مشجع؟
هى معادلة صعبة لا يمكن مواصلة إدارتها بالخطب، والبيانات الرسمية، والنصائح الفوقية ممن لا مشكلة معيشية لديهم، هذا الخطب الجلل بحاجة لإدارة مختلفة وضمن المقترحات المتكررة دعم المواطن المتضرر، وتعزيز مناعته لمواجهة أعباء المعيشة، وتقوية صموده ليبقى في بيته، أو يمارس عمله ساعات قليلة وهو في غاية الحذر ويتوقف متى شعر بالخطر، وساعتها سيكون الالتزام بالنصائح والتوجيهات والتدابير مرغوباً ونافذاً.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
