لماذا قبل المتحاربون في ليبيا التفاوض؟

 

بشكل مفاجئ أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا يوم الإثنين موافقة طرفي القتال في ليبيا على بدء جولة جديدة من المفاوضات العسكرية ( 5+5) أي خمس ضباط كبار يمثلون قوات الوفاق، و5 يمثلون قوات حفتر، وهي آلية توصلت إليها الأمم المتحدة في جولاتها المكوكية السابقة (ضمن خطة ثلاثية المسارات العسكرية والاقتصادية والسياسية)، وانطلقت أولى جولاتها في الرابع من فبراير العام الماضي، كما عقدت آخر جولة في فبراير الماضي في جنيف، ولكنها لم تسفر عن نتائج فعلية على الأرض حيث خرقت قوات حفتر اتفاق وقف إطلاق النار، وهو ما منح فرصة لقوات الوفاق لتطلق عملية عسكرية كبرى (عاصفة السلام) في مارس حررت بها مدن الساحل الغربي وقاعدة الوطية الجوية وخففت الحصار على طرابلس.

بدت موافقة الطرفين على جولة المفاوضات العسكرية الجديدة أمرا مفاجئا من كليهما بعد أن كان الشعار المرفوع هو الحسم العسكري فقط، وقد رفع هذا الشعار حفتر أولا، ثم رفعته قوات الوفاق، وبدا أن المسافة تباعدت كثيرا بين الطرفين، وأن لا مجال للحوار مجددا، خاصة بعد نكوص حفتر عن تعهدات سابقة بوقف القتال، فما الذي دفع الطرفين للعودة إلى طاولة المفاوضات؟ ومتى ستبدأ هذه الجولة؟ وكيف ستتم؟ وما المتوقع لها؟

من الواضح أن العمليات على الأرض وصلت إلى نقطة من التوازن وإن كان هشا وقابلا للتغيير في أي وقت، ومن الواضح أن كل طرف أصبح يدرك جيدا مكامن قوة الطرف الآخر، ومن الواضح أن الجميع بحاجة إلى هدنة لالتقاط أنفاسه، وإعادة ترتيب صفوفه، وتبرز هنا بصورة أكبر رغبة الإمارات في هذه الهدنة لتتمكن من توفير دعم إضافي لحفتر، وإعادة تنظيم قواته، كما أن كلا الطرفين لا يريدان أن يظهرا بمظهر الرافض للمطالب الشعبية والمطالب الدولية الداعية لوقف القتال والعودة إلى طاولة المفاوضات.

الانقلاب في موازين الحرب:

قبل بدء عمليات عاصفة السلام التي انطلقت في 26 مارس الماضي كانت الكفة تميل لصالح حفتر المدعوم بقوة من الإمارات وروسيا وفرنسا ونظام السيسي، وكانت قواته تضع يدها على مساحات واسعة في الغرب والجنوب إضافة إلى الشرق بطبيعة الحال، لكن قوات الوفاق تمكنت من تحرير مدن الساحل الغربي وقاعدة الوطية، كما نجحت في إزاحة قوات حفتر من محيط العاصمة طرابلس، ولا تزال تحقق تقدما في هذا الاتجاه، بفضل الدعم العسكري التركي الكبير ..
وهذا الانقلاب في موازين الحرب، وضغوط كفلاء حفتر عليه هو الذي دفعه لقبول وساطة الأمم المتحدة لعودة مباحثات اللجنة العسكرية بهدف الوصول إلى وقف دائم للقتال، يعقبه الدخول في مسار سياسي، ومن المهم هنا الإشارة إلى التصريحات المسربة لرئيس برلمان طبرق عقيلة صالح والتي برر فيها طرحه لمبادرته السياسية يوم 24 أبريل الماضي بناء على توصيات ممن وصفهم بـ “الأصدقاء الروس” بسبب حرج الموقف العسكري لقوات حفتر.

وإذا كانت قوات حفتر قد اضطرت لقبول وساطة الأمم المتحدة بسبب خسائرها العسكرية، فما الذي يدفع حكومة الوفاق إلى القبول بالتفاوض رغم تحقيقها لانتصارات متتالية؟ وإمكانية تحقيق المزيد بما يرجح كفتها بصورة واضحة، ويسمح لها بفرض شروطها لاحقا؟

تتعامل حكومة الوفاق باعتبارها حكومة مسؤولة، ولا يمكنها الخروج على الإرادة الدولية التي هي وليدتها بالأساس ضمن اتفاق الصخيرات في ديسمبر 2015، ولذلك لا تريد أن ينسب إليها دوليا أنها السبب في استمرار الحرب، وأنها ترفض الهدنة أو وقف القتال، وهي تدرك جيدا ومن واقع خبرات سابقة أن حفتر ليس صادقا في قبوله للتفاوض أو الوصول إلى هدنة دائمة، وأنه يريد فقط كسب الوقت لالتقاط الأنفاس وإعادة تريب صفوفه وانتظار المزيد من الدعم استعدادا لجولة جديدة، فهو رجل عسكري لا يؤمن أساسا بالحلول السياسية، وهو مصاب بداء العظمة الذي يعميه عن رؤية الحقائق، ولذلك فإن حكومة الوفاق تريد إحراجه مجددا أمام المجتمع الدولي، في الوقت الذي تظهر هي بمظهر المتجاوب مع النداءات الدولية والوطنية، ويضاف إلى ذلك أن قبول السراج لهذا التفاوض جاء بعد تلقيه مكالمة من وزير الخارجية الفرنسي لودريان، وهو ما يؤشر لعلاقة جديدة مع فرنسا التي كانت داعما قويا لحفتر، لكنها تبدو الآن في حالة مراجعة لموقفها بعد انتصارات قوات الوفاق، وبعد تعاظم الدور الروسي في ليبيا الذي أزاحها نسبيا، ويبدو أن السراج أراد مغازلة فرنسا، وسحبها إلى جانبه من خلال هذه الموافقة الشكلية التي يعلم أنها لن تؤثر على العمليات العسكرية على الأرض التي ستستمر طيلة فترة التفاوض التي لا يعلم أحد كم ستستغرق، وما إذا كانت ستصل إلى اتفاق أم لا؟

اعلان منفرد:

ما حدث حتى الآن هو إعلان منفرد من جانب البعثة الأممية في ليبيا عن موافقة الطرفين على خوض جولة جديدة للمباحثات العسكرية، ولكن لم يتم تحديد موعد حتى الآن لهذه الجولة التي أكدت البعثة الأممية أنها ستكون عبر الاتصال المرئي بسبب أزمة الكورنا، وقبل تحديد الموعد فإن الطرفين يحتاجان لبعض الوقت لترتيب أوراقهما، وحين تبدأ المفاوضات فإنها ستستغرق وقتا في تحديد بعض المنطلقات والقواعد، وخلال هذه الفترة ستظهر مدى الجدية في التفاوض، ومدى جدية الأطراف الدولية في دعم الوصول إلى تهدئة وصفتها الأمم المتحدة بـ”الإنسانية” “لإتاحة الفرصة أمام التوصل لاتفاق نهائي لوقف إطلاق النار، ولتمكين السلطات المختصة من تركيز جهودها على مواجهة تداعيات وخطر جائحة كورونا (كوفيد-19)، علاوة على تسهيل الاستجابة للاحتياجات الإنسانية الملحة من قبل الجهات المحلية والدولية”.

تبقى النقطة المهمة وهي النتائج المتوقعة من هذه المفاوضات، والتي يمكن استخلاصها من خبرات السنوات الماضية، ومعرفة طريقة تفكير الأطراف المختلفة، وهنا لنا أن نتوقع أن هذه المفاوضات لن تكون سوى فرصة جديدة لكسب الوقت والتقاط الأنفاس، وقد فعل ذلك حفتر في كل المرات السابقة، وسيكون حريصا على تكرار الأمر ذاته هذه المرة، وإذا كانت حكومة الوفاق في موقع ضعيف نسبيا في الجولات السابقة فإنها ليست كذلك اليوم، وهذا ما سيمنحها قوة في وضع شروط جديدة لعل أهمها هي عودة قوات حفتر إلى حدود 4 أبريل 2019 (موعد انطلاق حملته لاقتحام طرابلس)، وهو ما يعني انسحابه مما تبقى من مواقع تابعة له في الغرب والجنوب الليبي وأهمها ترهونة التي لا تزال تحت حصار قوات الوفاق، ومن هذه الشروط أيضا السماح بإعادة ضخ النفط الليبي الذي أوقفه حفتر مؤخرا، حيث من المتوقع أن يرفض حفتر هذين الشرطين، وبالتالي تنتهي الجولة إلى فشل جديد، مالم تتدخل الإرادة الدولية لإنقاذ المفاوضات.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان