محمد منير سيظل منيرا بعطائه

ربطتني بالراحل الكبير الكاتب الصحفي محمد منير صداقة طويلة تمتد فوق ربع قرن من الزمان، ورغم أننا ننتمي سياسيا إلى مدرستين مختلفتين تماما إلا أن العلاقة الإنسانية بيننا تجاوزت كل خلاف، وكان رحمه الله واحدا من أقرب الأصدقاء اليساريين النبلاء، فهو رحمه الله كان ينتمي لنبلاء اليسار المصري الذين كان رائدهم الراحل أحمد نبيل الهلالي ومن بعده أحمد سيف الإسلام حمد ورجائي الميرغني.
ظلت صداقتنا والاتصالات بيننا قائمة حتى خلال محنته الأخيرة، وهي المِحنة التي بدأت بظهوره علي قناة الجزيرة مباشر متحدثا عن أزمة الكنيسة المصرية مع مجلة روز اليوسف بسبب نشر المجلة علي غلافها صورتين متجاورتين لأحد قساوسة الكنيسة والمرشد العام للإخوان الدكتور محمد بديع وهو ما اعتبرته الكنيسة مسيئا لها!!!، كنت أرافق منير خلال تلك الحلقة معلقا علي الأزمة ذاتها، ورغم أنه قدم خلال الحلقة طرحا وطنيا خالصا، وحذر من نار الفتنة إلا أن النظام الحاكم لم يعجبه هذا الكلام خاصة أن منير ألمح إلى دور هذا النظام في تأجيج الفتن في كثير من الأحيان ليقتات عليها، عقب انتهاء الحلقة اتصلت به لأحييه علي موقفه الوطني فكان رده أن هذا واجبه، وأن علينا جميعا أن نتصدى لأي بواعث للفتنة التي يمكن أن تحرق وطننا ولا تفرق بيننا.
تابعت بعد ذلك الملاحقات التي تعرض لها واقتحام بيته في غيابه بهدف القبض عليه، لم يكن الأمر يحتاج كل تلك الجحافل التي تمكنت إحدى الكاميرات المثبتة أمام بيته من تصويرها ومن ثم فضحها (صوتا وصورة)، لم يكن منير رحمه الله بلطجيا أو فتوة يخشى بأسه، فيلزم استحضار قوات كبيرة للقبض عليه، كان يكفي اتصال تليفوني من النيابة أو قسم الشرطة التابع له لاستدعائه والتحقيق معه فيما يعن لهم من اتهامات مهما كانت زائفة، لكنها الرغبة في الترهيب وإثارة الذعر في المكان كله، وتحريض الجيران أو تنبيههم أن بينهم (إرهابيا عدوا للوطن) وحاشا منير أن يكون كذلك.
لم تتوقف الملاحقة رغم ظهور منير، وإعلان استعداده للمثول للتحقيق في أي وقت أو أي مكان، فتمت مداهمة بيته في الشيخ زايد مجددا ليتم اقتياده إلى قسم الشرطة ومن ثم إلى النيابة التي أمرت بحبسه احتياطيا بتهمة نشر أخبار كاذبة والإخلال بالنظام العام، ومعاونة جماعة إرهابية وهي الاتهامات المعلبة التي توجه لأي معارض سياسي في مصر حاليا دون تقديم أدلة تسندها، وفِي أول ظهور له في النيابة أكد منير اعتزازه بنفسه وبمواقفه الوطنية وطمأن كل أصدقائه على صحته وثباته وصموده. لكن منير الذي كان يعاني من أمراض شيخوخة (٦٥عاما)لم يحتمل خلال أيام حبسه المزيد من الأمراض، فداهمته الكورونا وتمكنت منه، وهنا سارع النظام القاتل لغسل يده من الجريمة مسبقا حيث وافق على إخلاء سبيله ليموت خارج السجن، ويتخفف النظام بذلك من تهمة قتله، والحقيقة أنه (أي النظام ) هو المتهم الوحيد بذلك، فقد أصر علي ملاحقته واعتقاله، وكتابة شهادة طبية زائفة من مستشفى ٦ أكتوبر بعدم إصابته بالكورونا قبيل عرضه على النيابة لتتمكن من حبسه وحشره بين آلاف السجناء الآخرين الذين تفشى بينهم وباء الكورونا، ومنهم انتقلت العدوى إلى منير و بموجبها تم حجزه في مستشفى العجوزة.
كما أن هذا النظام لم يستجب لاستغاثات منير قبل القبض عليه أن ظروفه الصحية صعبة، وأنه قد يفارق الحياة بين لحظة وأخرى.
خرج منير من محبسه مشبعا بالكورونا، ولَم يجد إنقاذا سريعا، فاضطر إلى توجيه رسائل استغاثة مباشرة ( فيديو مسجل) ولكن الاستجابة جاءت متأخرة بعد أن تمكن الفيروس اللعين من جسده المنهك
لم يكن محمد منير هو أول ضحايا الإهمال وسوء الرعاية في السجون ولن يكون آخرهم، لكن حالته بالتأكيد لن تمر مرور الكرام ولا ينبغي لها أن تمر ليس فقط لوضوح الجرم فيها، ولكن أيضا وهو المهم حتى نوقف إزهاق المزيد من الضحايا في السجون المصرية.
ثقتي في الله كبيرة أن محمد منير أنهى حياته بعد أن أدى أمانته، وأنه سيلاقي ربه بصحيفة عطاء زاخرة لخدمة الجميع، دعك عن دفاعه عن الحق حتى آخر أنفاسه، ولن ننسى كلماته الأخيرة(أنه في هذا السن المتقدم سيفعل ما يرضي الله وليس ما يرضي غيره)، ومن خلال علاقتي الممتدة بالراحل لمدة تجاوزت ربع القرن، أشهد بارتياح أن الراحل كان حريصا علي توخي كل ما يرضي الله في عمله وقوله، ورغم انتمائه المبكر لليسار إلا أنني حين تعرفت عليه وجدته صواما قواما، ولن ينسى أصدقاؤه على الفيس بوك تنبيهه لهم يوميا قبيل صلاة الفجر ليقوموا إلى صلاتهم ويتركوا الفيس مؤقتا.
رحل المناضل خفيف الظل، الذي كان يشع في كل مكان يوجد فيه أجواء البهجة، والذي كان يشاركنا أجزاء كثيرة من حياته اليومية ومداعباته لبنتيه (سارة وسمر) وهذه الأخيرة الصغرى حرمت من والدها قبل أن يفرح بها وبتخرجها من الجامعة خلال فترة غيبوبته(ظهرت نتيجة نجاحها قبيل وفاته بيومين وقد كانت الاتصالات معه مقطوعة فلم يعرف هذه النتيجة).
لقد كتب منير على صفحته قبل عدة أيام (بعد ما أموت، عايز سيرتي الذاتية تتكون من معلومة واحدة ..محمد محمد منير يوسف شارك بصدق وبإخلاص في ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١) ونحن نشهد على ذلك، فقد كان محمد مشاركا من أول يوم، وقد تعاونت معه في تأسيس مركز صحفي للثورة منذ أيامها الأولى، وأشهد أنه كان صاحب المبادرة في فتح أحد مكاتب النقابة (لم يكن مستغلا) ليكون مقرا لهذا المركز الصحفي وتجهيزه بخطوط هاتف وانترنت للتواصل مع الاعلام المحلي والأجنبي، وكم أتمنى أن يطلق اسمه على ذلك المكتب علي الأقل تكريما له وتخليدا لدوره في الثورة التي ربط نفسه بها وحصر تعريفه فيها.
إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع ولا نقول إلا ما يرضي ربنا .. وإنا لفراقك يا منير لمحزونون.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
