هل تنقذ طائرات إف-16 العلاقات التركية الأمريكية من التدهور؟

التوتر أعمق من مسألة التعاون العسكري مع موسكو

بايدن وأردوغان

حالة من الفتور الحذر أصبحت تغلف العلاقات التركية – الأمريكية منذ وصول إدارة الرئيس جون بايدن إلى السلطة، بسبب تزايد الخلافات في وجهات النظر بشأن الكثير من القضايا السياسية والعسكرية بين البلدين، وهو ما ظهر مؤخرا للعلن في تصريحات المسؤولين الأتراك الذين يستشعرون حجم الكراهية التي يكنها الفريق الرئاسي الأمريكي لتركيا، ووقوفهم ضد مصالحها في المنطقة، عبر انتهاجهم لسياسات تهدد أمنها القومي وتضر بمصالحها السياسية والعسكرية، ضاربين عرض الحائط بما قدمته أنقرة لبلادهم من مساعدات في الكثير من الملفات الإقليمية والدولية منذ الحرب الباردة.

صحة الاتهامات التركية

ورغم نفي المسؤولين الأمريكيين لتلك الاتهامات، التي يرونها غير صحيحة، إلا أن الممارسات والتحركات الفعلية على الأرض تؤكد صحة الاتهامات التركية، آخر تلك التصرفات العدائية الأمريكية ضد مصالح الدولة التركية كان إشكالية ملف طائرات إف-35 الذي سبب ولا يزال مشكلة عميقة بين الدولتين العضوتين في حلف الناتو، فقد سبق وأن شاركت أنقرة في برنامج تصنيع تلك الطائرات، ودفعت مليار و400 ألف دولار، للحصول على 100 طائرة من هذا النوع، إلا أن واشنطن قامت باستبعادها من البرامج في سنة 2019 عقابا لها على قيامها بشراء منظومة الصواريخ إس-400 من روسيا، إضافة إلى فرض عقوبات على قطاع الصناعات الدفاعية التركية منذ ديسمبر 2020، وعلى رئيسها إسماعيل دمير وثلاثة آخرين من موظفيها.

ويعلل الأمريكيون قيامهم باستبعاد تركيا بأن إمتلاك تلك الطائرات، ووجودها في القواعد العسكرية التركية يتعارض بصورة مباشرة مع وجود منظومة الصواريخ الروسية في نفس القواعد، وإلى خشيتهم من إمكانية نقل تكنولوجيتها كاملة إلى الروس، معتبرين إقبال أنقرة على شراء المنظومة الدفاعية الروسية انتصاراً لموسكو على حلف الناتو، وهو الرأي الذي يؤيده باقي أعضاء الحلف، ورغم ما عرضته تركيا من حلول لتبديد المخاوف الأمريكية، واقتراحها تشكيل مجموعة عمل مشتركة لمتابعة الأمر، إلا أن ذلك المقترح قوبل بالرفض.

وعلى نفس المنوال تواجه صفقة شراء 40 طائرة من طراز إف-16 التي تقدمت تركيا للحصول عليها من الولايات المتحدة الأمريكية عوضا عن إف-35 مصيرا ضبابياً هي الأخرى، فبينما أعلن الرئيس أردوغان أن الإدارة الأمريكية هي من اقترحت عليهم التقدم بهذا الطب على سبيل التعويض عن مبلغ المليار و400 مليون دولار الذي دفعته سابقا لشراء منظومة المقاتلات إف-35، نفت الخارجية الأمريكية قيامهم بتقديم أي اقتراحات لتركيا في هذا الإطار من أجل استعادة المبلغ المذكور، كما نفت قيامهم بإخطار الكونغرس بهذا الأمر.

انقسام في مواقف الكونغرس

رد الخارجية الأمريكية يؤكد أن هناك تباينا في وجهات نظر المسؤولين هناك حول التعاطي مع تركيا عموما، وحصولها على تلك الصفقة على وجه الخصوص، فبعضهم يدعم مسألة المبادلة، وتعويض تركيا عن إستبعادها من مشروع الطائرات إف-35 عبر منحها 40 طائرة من نوع إف-16، إلى جانب 80 نوع من قطع الغيار اللازمة لتحديث اسطول طائراتها من نفس النوع، والبالغ عدده 250 طائرة، حفاظا على العلاقات بين البلدين، وضمانا لاستمرار تعاون أنقرة مع الولايات المتحدة الأمريكية في الملفات الملتهبة بتلك المنطقة، بينما يرى البعض الآخر ولنفس الاسباب، الإكتفاء بتقديم قطع الغيار المطلوبة لتحديث الطائرات الموجودة بالفعل لدى سلاح الجو التركي، والإمتناع عن عقد أي صفقات جديدة من هذه الطائرات.

فيما يرفض عدد لا يستهان به من أعضاء الكونغرس إبرام تلك الصفقة، إذ دعت مجموعة من المشرعين من الحزبين الديمقراطي والجمهوري الخارجية الأمريكية لرفض عمليتي بيع وتحديث طائرات إف-16 اللتين تطالب بهما تركيا، مشترطين ضرورة تراجع تركيا عن منظومة الصواريخ الروسية أولاً، والامتناع عن شراء الأسلحة الروسية عموما قبل النظر في أي تعاون عسكري معها من جديد.

الرفض الأمريكي لطلب تركيا يرجع فيما يبدو إلى التصريحات التي صدرت عن الرئيس التركي مؤخراً حول استعداده لإيجاد بدائل أخرى لرفع قدرات قواته الجوية، وتلويحه بإمكانية شراء طائرات روسية من طرازي سو-35 وسو-57، إذا عرقلت واشنطن هذه الصفقة أيضا مثل سابقاتها، وهو ما اعتبره الأمريكان تهديداً مباشراً لهم، إلى جانب الإفصاح عن نيته القيام بعملية عسكرية جديدة ضد وحدات حماية الشعب الكردية المدعومة من الإدارة الأمريكية، واستعداده لتطهير شرق سوريا من عناصره المسلحة التي يمثل وجودها في تلك المنطقة تهديدا لأمن بلاده القومي.

التوتر أعمق من مسألة التعاون مع موسكو

ومن هذا المنطق يمكن القول إن التوتر الذي تشهده العلاقات التركية – الأمريكية أعمق بكثير من مسألة التعاون العسكري التركي مع روسيا، والذي تراه واشنطن تحديا لها، فوجود الكثير من المشاكل والملفات الخلافية العالقة بين البلدين، يرجح صعوبة التوصل إلى حل سريع والعودة بالعلاقات بين البلدين إلى سابق عهدها، حتى وإن تنازلت أنقرة وتراجعت عن استمرار تعاونها العسكري مع موسكو.

يأتي في مقدمة تلك الملفات، التي أججت روح التحدي لدى الأمريكيين وزادت من رغبتهم في كسر شوكة تركيا، تحركاتها العسكرية المنفردة في العديد من الصراعات الإقليمية دون الرجوع إلى الإدارة الأمريكية أو التنسيق معها، مثلما حدث في سوريا وليبيا والعراق وناغورني كاراباغ، وهي التحركات التي أزعجت واشنطن كثيرا، إلى جانب التوتر الذي أصبح يشكل جوهر علاقاتها مع إسرائيل، وموقفها الصلب في ملف شرق المتوسط، وسعيها الدائم للحصول على حصتها من ثروات المنطقة والحفاظ على حصة القبارصة الأتراك، وكذا احتضانها لكثير من قيادات جماعة الإخوان المسلمين خلافا للرغبة الأمريكية.

الرؤية التركية

أما على صعيد تركيا فأبرز ملفات الخلاف مع الإدارة الأمريكية هو ذلك الدعم المطلق الذي تقدمه واشنطن دون قيد أو شرط لوحدات حماية الشعب الكردية، الجناح السوري لمنظمة حزب العمال الكردستاني الذي تصنفه أنقرة وواشنطن منظمة إرهابية، ولم تستطع المبررات التي ساقتها الإدارة الأمريكية بخصوص ذلك الدعم، وأنه يأتي في إطار حربها الرامية إلى القضاء على تنظيم الدولة، في إنهاء حالة القلق والاستياء الذي يشعر به الأتراك.

إلى جانب قيام واشنطن بتجديد اتفاقية الدفاع المشترك مع اليونان، وهي الاتفاقية التي تمنح الولايات المتحدة الأمريكية الحق في زيادة عدد قواتها العسكرية باليونان، وإقامة قواعد عسكرية جديدة داخل الأراضي اليونانية، وهو ما اعتبرته تركيا تحركا أمريكيا هدف إلى استبدالها وإحلال اليونان عدوها التقليدي محلها.

ومع ذلك وحرصا على استمرار العلاقات الاستراتيجية بين البلدين تسعى أنقرة جاهدة إلى إعادة التوازن المفقود في علاقاتها مع الإدارة الأمريكية، ومحاولة إحياء التعاون المثمر بينهما بما يخدم المصالح الخاصة لكل منهما، فهل تتحرك واشنطن في المقابل لإقناع الكونغرس بإهمية الموافقة على صفقة الطائرات إف- 16، لما في ذلك من مصلحة للولايات المتحدة الأمريكية، ولإثبات رغبتها في إعادة بناء الثقة بينهما رغم الخلاف في عدد من القضايا، أم أنها ستترك الوضع على ما هو عليه ليستمر التدهور الحاصل في علاقات البلدين؟

المصدر : الجزيرة مباشر