تاريخ الجبرتي.. كتاب مقدس أم حكاوي وروايات غير موثقة!

الجبرتي

الكثرة الغالبة من المؤرخين والأساتذة والدارسين لتاريخ مصر في نهاية القرن السابع عشر والفترة التالية لها يرفعون المؤرخ الأشهر عبد الرحمن الجبرتي (1756- 1825م)، إلى مكانة شاهقة العلو في “التأريخ”، وكأنهم مُريدين له.. يرون مؤلفه “عجائب الآثار في التراجم والأخبار” المعروف بـ(تاريخ الجبرتي)، كما لو كان “كتابا مقدسا”، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلا يقبلون فيه جدالا أو نقاشا.

وراء هذه المكانة التي يتربع عليها الجبرتي وكتابه استسهال الباحثين لـ”النقل”، فيستند الباحثون إليه متغاضين عما بين دفتيه مُنافيا للعقل والمنطق وللحيادية كون النقل أيسر كثيرا من إعمال العقل أو التعقل وما يتبعه من جُهد ذهني وبحثي، يلزمه عزم ومهارة وملكات عقلية سيما وأن القضية هنا تخُص أموراً دنيوية، لا علاقة لها بالعقائد والغيبيات.

 الأرشيفات البريطانية والوثائق الفرنسية والتركية

الباحثون في أحداث هذه الفترة الزمنية -التي عاصرها الجبرتي وأرخ لها- يعرفون جيدا أن القوى “الخارجية” الفاعلة واللاعبة على المسرح المصري في ذلك الوقت هي الإمبراطوريات الفرنسية والبريطانية والدولة العثمانية.. بما يعني بداهةً وعقلا ومنطقا أن صورة الحدث لا تكتمل للباحث أو المؤرخ دون الاطلاع على الوثائق الرسمية الإنجليزية والفرنسية والتركية عن هذه الفترة، والاستعانة بها في البحث والتوثيق من أجل فهم أوسع للحدث وتحليل سليم له.

على أن الدكتور محمود أحمد درويش أستاذ الآثار الإسلامية بجامعة المنيا المصرية قد سلك مسلكا مغايرا لزمرة مريدي الجبرتي، في كتابه الصادر مؤخرا، وهو دراسة فريدة ومتميزة، عن “حملة بريطانيا العظمى على مدينة رشيد عام 1807، في ضوء وثائق الأرشيفات البريطانية”.

تواطؤ العثمانيين مع الإنجليز وتخاذل الباشا محمد علي

أسقط “درويش” الكثير من المسلمات والمعلومات المترسخة في الوجدان نقلا عن الجبرتي والناقلين عنه على مدار السنين، إذ قدم الرواية الصحيحة الموثقة لـ”معركة رشيد”، وكشف كثيرا من خباياها بالوثائق البريطانية، مما صححه أنه أزال عن الإسكندرية ما علق بها من عار استسلام حاكمها أمين أغا، وتسليمها بلا قتال، وتواطؤ العثمانيين مع الإنجليز، وتخاذل الوالي العثماني محمد علي في الدفاع عن رشيد، رغم نسبة النصر إليه.

في مقدمة كتابه المذكور، انتقد الدكتور درويش بشدة “اعتماد الكتابات العربية على كثرتها، في التأريخ لأحداث هذه الحملة، على رواية الجبرتي فقط، واعتباره مرجعاً أساسياً، دون الاطلاع على جميع المصادر(1).

رواة الأخبار والإخلاص في خدمة التاريخ

والبادي أنه ليس هناك باحث في هذه الفترة التاريخية “قد أتعب نفسه وكلفها مئونة البحث الصحيح، الدال على إخلاص في خدمة التاريخ، فكلهم اعتمدوا على الشيخ الجبرتي، ونقلوا عنه حرفًا بحرف دون تقدير لظروفه وكفاءته، ولا مراعاة أنه كتب تاريخه، اعتمادا على ما يصل إليه من أفواه الناس ورواة الأخبار، وغَلطهم أكثر من صوابهم، وكان واجبا على المؤرخين، اللجوء إلى المصادر الفرنسية والإنجليزية لاستكمال ما نقص منها”(2).

عجائب الآثار للمدون الوحيد.. ليس من التاريخ

المؤكد، أن كتاب عجائب الآثار لا يعد كتابا تاريخيا، فهو مجرد روايات ضعيفة وهزيلة، و”لا مفر من الاعتراف بأنه ليس من التاريخ في شيء، إنما هو مذكرات وروايات قيَّد المؤلف شواردها، بغير ترتيب ولا تنسيق، تصلح أن تكون مادة للمؤرخ، مع شيء غير قليل من الصعوبة والعناء، فالجبرتي يعتبر ظاهرة من الظواهر التاريخية التي ليس لها تفسير واضح، لا سيما أن الكتابة التاريخية قد تدهورت في تلك الفترة” (3).

لا يمكن إنكار أن الجبرتي هو شاهد عيان على حقبة تاريخية مهمة من تاريخ مصر و”المدون الوحيد” لها، هذه الحقبة المعنية شهدت قدوم الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت (1798- 1801م)، وكتب عنها مؤلفه “مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس”، تسجيلا لسنوات الاحتلال الفرنسي لمصر وأحداثها.

 15 عاما لتدوين تاريخ الجبرتي

وعاصر “الجبرتي” فترة عصيبة أخرى عقب رحيل الحملة الفرنسية، شاعت فيها الاضطرابات الداخلية وصراعات المماليك للسيطرة، وتمردهم على “الدولة العثمانية” وولاتها وتفكك نفوذها، وثورة المصريين على الوالي العثماني خورشيد، وتنصيبهم لـ”محمد علي”، واليا للبلاد (1805م)، وبعدها حملة فريزر الإنجليزية (1807م)، التي نالت هزيمة قاسية في مدينة رشيد شمال البلاد.

“الجبرتي” دون شهادته كاملة، في كتابه “عجائب الآثار” (تاريخ الجبرتي)، في أربعة أجزاء.. يؤرخ فيه لهذه الفترة العصيبة، وجاء كتابه هذا مرجعا وحيدا وفريدا للفترة الممتدة من عام 1788 حتى عام 1821م، ويوصف بأنه أهم مؤلفاته، واستغرق تدوينه 15 عاما، وشرع في الكتابة عام 1811م، أي بعد نحو عشر سنوات من رحيل الحملة الفرنسية، وأربعة أعوام من انسحاب حملة فريزر.

  اللعين نابليون.. أم بونابرته ساري عسكر الفرنسيين

الجبرتي أعاد -في الجزء الثالث من “عجائب الآثار”- دمج نسخة مُعدلة من كتابه السابق (مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس).. لكن نغمة الجبرتي ورؤيته وروايته تبدلت إلى النقيض سواء للفرنسيين أو العثمانيين.

ففي “مظهر التقديس”، يبدأ بمدح ونفاق السلطان العثماني سليم الثالث، ويصب جام غضبه ولعناته على الفرنسيين، ويسبهم، فهم كفرة، ونابليون بونابرت هو اللعين كبير الفرنسيين.. يلقى بمسؤولية سقوط مصر غنيمة بيد الفرنسيين، على رأس المماليك، ولم يأت على ذكر عضويته بالديوان الفرنسي، وحضوره حفلات الفرنسيين وتعاونه معهم.. هذا كله قبل أن ينقلب حاله في عجائب الآثار، فيمحو جميع شتائمه لهم، ويصير نابليون هو بونابرته ساري عسكر الفرنسيين (أي قائدهم العام)، ويصف الدولة العثمانية بأنها العسكر والعثمنلية بعدما كان يذكرها بأنها الدولة العلية ودولة المسلمين.

الصدر الأعظم الباشا يوسف ضيا.. وزوال دولة الفرنسيس

هذه التناقضات استوقفت الأستاذ المتخصص بالتاريخ العثماني الدكتور عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم (1936- 2005م)، في تحقيقه لـ”مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس”.. إذ يرى أن “مظهر التقديس جاء كوثيقة رسمية مقدمة إلى شخصية عثمانية رسمية، وكان الجبرتي من أنصار الدولة العثمانية، حتى تقديمه هذا الكتاب إلى الصدر الأعظم الباشا يوسف ضيا، أثناء زيارته لمصر، لذا فقد حرص على عدم ذكر أي عمل محمود للفرنسيين.. ثم لما رأى بعد خروجهم الأسلوب الذي سار عليه العثمانيون في حكم مصر، استنكر منهم ذلك، فلما كتب الجزء الثالث من عجائب الآثار، طالت التعديلات كثيرا من آرائه” (4).

 المصريين الرعاع والأوباش.. وانصراف عن فكرة العدل

مع تبدل وتناقض آراء الجبرتي في روايتيه عن الحملة الفرنسية، فإن “الشيء الوحيد الملازم له، ولم يُبدله، واحتفظ به في كلا كتابيه (مظهر التقديس، وعجائب الآثار).. هو نظرة الاستعلاء الأرستقراطية، الفوقية التي يكتب بها عن عامة الشعب المصري، واحتقاره للجماهير، “فهو ينظر لهؤلاء العامة نظرة تدني، وينعتهم (يصفهم) دائما بـ (الرعاع والأوباش والحرافيش)، وغيرها من النعوت المتدنية، رغم تمسكه في كتاباته بفكرة العدل، لكنه يتخلى عن عدله هذا في نظرته لعامة الشعب المصري” (5).. مع ملاحظة أن الأوباش معناها سفلة الناس

مما يُحسب لمؤرخنا الجبرتي، أنه كان يطوف البلاد، يرصد ويسجل ويحلل ما يشاهده، وما يصل إلى علمه بعد التحقق منه بالوسائل المتاحة في عصره، فعلى حد وصف المؤرخ الدكتور عبد العظيم رمضان (1925- 2007م) لـ”عجائب الآثار”، فإنه “يُعد من أكبر أعمال الجبرتي وأعظمها شأنا، واستحق وصف الأستاذ مكدونالد له في دائرة المعارف الإسلامية، بأنه أعظم تواريخ مصر في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين، أي القرنين 18، و19” (6).

جده الأكبر.. وانتماء لمنطقة تابعة للنجاشي

أما عن الميلاد، فإن “الجبرتي ” هو عبد الرحمن بن حسن برهان الدين الجبرتي، مولود في حارة الصنادقية المُطلة على الجامع الأزهر، بالعاصمة المصرية (القاهرة) سنة 1756م، لأب كريم وثري من علماء الأزهر، وينتمي لعائلة حبشية الأصل من منطقة تابعة للنجاشي وقتذاك.. هاجر جده الأكبر إلى مصر في القرن السادس عشر، وصار شيخا لرواق باسم عائلته في الأزهر الشريف، وهو منصب يتم توريثه.

تزوج مؤرخنا، في الرابعة عشر من عمره، وهو وحيد والديه، لوفاة جميع إخوته، وترك له والده مكتبه عامرة بأمهات الكتب في العلوم المختلفة، وثروة كبيرة من الأموال والأراضي في ربوع مصر.

مقتل ولده بيد رجال الباشا الوالي ودفاعه عن حقوق الإنسان

أنجب المؤرخ الجبرتي، ثلاثة أكبرهم “خليل”، وغلام وفتاة آخرين، وقد قُتل ولده خليل عام 1822، على يد رجال الوالي محمد علي، انتقاما منه، لموقفه المعارض وانتقاداته للوالي، وجاء مقتل ابنه بمثابة المأساة الدامية التي كتبت النهاية لحضوره وتألقه، ومن ثم حياته نفسها، وكأنه مكتوب منذ القدم، على صاحب الرأي في بلداننا العربية أن يدفع أثمانا غالية، إذا لم توافق أراؤه هوى الحاكم.

ذلك أن، الجبرتي، وأيا كانت المآخذ على كتابه أو تاريخه، فإنه وبحسب هيئة الاستعلامات الحكومية المصرية، “كان شاهداً على عصور الظلم والاضطهاد التي مورست من المماليك والعثمانيين والقادة الفرنسيين، وكان مدافعاً عن حقوق الإنسان والحريات الجوهرية” (7).

ونتيجة لرفض الجبرتي للظلم، ودفاعه عن العدالة وحقوق الإنسان، “نشأت الخلافات بينه وبين الوالي محمد علي باشا، ففي الوقت الذي كان فيه محمد علي مهتماً بفكرة تأسيس دولة عصرية وقوية، ومشروعات عملاقة، فإنه لم يكن يبالى بـ(المصريين) الذين ينفذون هذه المشروعات كبشر، ويجبرهم على العمل تحت الظروف القاسية.. بينما الجبرتي يؤمن بأن المشروعات لا قيمة لها لو ضاعت إنسانية البشر” (8).

صفحة النهاية لكتاب حياة الجبرتي.. وحقد محمد علي

ومنسوب للجبرتي رفضه طلب محمد علي بالكتابة تأييدا له.. بل وذكر واصفا الوالي “أن من طبعه الحسد والشره والطمع والتطلع لما في أيدي الناس وأرزاقهم، ومن يتجاسر بنصح له، يحقد عليه ويعاديه، ولا يصفو أبدًا”.

لم يُنشر، كتاب (تاريخ الجبرتي) أو عجائب الأخبار في التراجم والأخبار، إلا عام 1879م في المطبعة الأميرية بعد موافقة الخديوي توفيق، وقد تم إحراق بيت الجبرتي بعد وفاته، بأمر الوالي محمد علي باشا، خشية أن تتسرب أوراقه أو كتابه للعامة.

مقتل خليل ابن المؤرخ الجبرتي، جاء ليكتب الصفحة الأخيرة لكتاب حياة مؤرخنا، فاعتزل في داره وانكسر قلمه، وانقطع عن الكتابة والقراءة، وظل حزينا على ابنه لثلاث سنوات، فقد خلالها بصره، إلى أن توفي عام 1825م، ودُفنَ بمقابر المجاورين (منزل رقم 3)، وللمصادفات على مسافة قريبة من قلعة صلاح الدين المدفون بها الوالي محمد علي، بالقاهرة.

يبقى أن كثيرا مما هو مستقر بأذهاننا عن وقائع تاريخية، يحتاج المراجعة وإعمال العقل فيما هو منقول، فالتاريخ غالبا يكتبه المسيطرون على الساحة حتى ولو كانوا مهزومين، على شاكلة الضابط الألباني محمد علي باشا، حاكم مصر من 1805حتى 1849م، والذي عُدّ منتصرا، وعقد اتفاقية الانسحاب مع حملة فريزر المهزومة بأيادي أهل رشيد.. بينما هو كان متخاذلا، خوفا على كرسي الولاية من المماليك الذين كانوا يتربصون له في هذا الوقت.

———————-
(1) محمود أحمد درويش، الرخيتو يكتبون التاريخ، كاسل الحضارة والتراث، مقال، 2020، موقع إليكتروني، ، على الرابط:

https://ccha.castle-journal.info/index.php/2019-04-15-15-35-00/item/1446-2020-12-03-16-55-12

(2): محمود أحمد درويش، المرجع السابق.

(3): محمود أحمد درويش، المرجع السابق.

(4): عبد الرحمن بن حسن الجبرتي، مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس، دار الكتب والوثائق القومية – مركز تاريخ مصر المعاصر، مطبعة دار الكتب المصرية، القاهرة، 1998م، صفحة رقم “ل”.

(5): عبد الرحمن حسن الجبرتي، مرجع سابق.

(6): عبد الرحمن بن حسن الجبرتي، عجائب الآثار في التراجم والأخبار، الجزء الأول، دار الكتب والوثائق القومية- مركز تاريخ مصر المعاصر، مطبعة دار الكتب المصرية، القاهرة، 1997، صفحة رقم “ز”.

(7): عبد الرحمن الجبرتي، أعلام وشخصيات مصرية، الأدب، شخصيات خالدة، الهيئة العامة للاستعلامات (حكومية مصرية)، موقع إليكتروني،  23 ديسمبر/كانون الأول/ 2013م.. على الرابط:  https://sis.gov.eg/Story/80845/%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%AD%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%B1%D8%AA%D9%8A?lang=

(8): عبد الرحمن الجبرتي، المرجع السابق.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان