طارق عبد الجليل.. عندما تصبح نبوءة الفنان كابوساً واقعياً

كان طرحا ًغير تقليدي حينما ظهر على شاشات السينما المصرية في عام 2003 فيلما مصرياً بعنوان (عايز حقي) بطولة هاني رمزي وهند صبري، ومن إخراج على عبد الخالق، وعرض الفيلم لقضية “بيع القطاع العام”.
استقبل الجمهور في مصر الفيلم استقبالا كوميدياً، فهذا مواطن يريد أن يبيع كل ممتلكات الدولة المصرية في مزاد عام لكل الدول وبشفافية مطلقة، ويوزع حصيلة المزاد على الشعب الذي يعاني من مشاكل اقتصادية كبيرة أدت إلى مشاكل اجتماعية كثيرة.
لم يكن يتخيل الكاتب طارق عبد الجليل الذي قدم للسينما المصرية ستة أفلام فقط غلب عليها طابع السياسة الكوميدية أن الدولة ذاتها قد يأتي عليها اليوم التي تقوم فيه بطرح هذه الممتلكات للبيع فعلا في مزاد علني، وفي بورصة عالمية نتيجة تراكم ديونها وعجزها عن سداد التزاماتها المالية.
هل يمكن أن ندفع بمقولة شفافية الفنان الصادق ربما تصبح هذه المقولة صادقة لو تتبعنا خطى طارق عبد الجليل الذي رحل صغيراً في العمر ولم يستكمل مشواره السينمائي بعد أفلامه الستة وكتابة مسرحيتين.
إذا تناولنا فيلمه الأخير (صرخة نملة) إنتاج 2011 بطولة شقيقه الفنان عمرو عبد الجليل وفيلمه (ظاظا)إنتاج 2006 لهاني رمزي أيضا الذي قدم أربعة أفلام من الستة التي كتبها طارق عبد الجليل.
في فيلم عايز حقي مواطن يعجز عن الزواج لمدة تسع سنوات ويجد في الدستور (دستور 1971) مادة تذكر أن ملكية ثروات الدولة بما فيها قناة السويس والهرم والشركات الكبرى والمؤسسات والأراضي هي للشعب.
(صابر المصري) واحد منهم فهو يريد أن يبيع نصيبه لكي يعيش ويتزوج و يبني بيتا أو قصر ليعيش فيه ( عايز تبيع البلد عشان شقة يا صابر) هكذا صرخت في وجهه زوجته..
لم يجد صابر حلا سوى أن يبيع ولكي يبيع عليه أن يجمع توكيلات51% من الشعب المصري وفي ظل أزمات طاحنة حينها (تخيلوا كانت طاحنة فما بالنا اليوم).
يجمع صابر التوكيلات وبين شد وجذب واستمالات عاطفية وتاريخية (كانت الاستمالات بشأن الدم والشهداء والتراث ما تزال موجودة)، ويصمم صابر ولكنه يكتشف في المزاد وجود جنسيات لا يمكن البيع لها (أعداء البلد) وحاولوا رشوته لكنه رفض ..
يوقف صابر المزاد ولا يبيع رغم أنه في حاجة إلى المال لسداد عجزه وديونه ورغم موافقة الموكلين على البيع تحت ضغط الظروف، لكن صابر يطلب منهم أن يبحثوا عن بائع آخر يبيع ممتلكات الدولة في بورصة أخرى.
بيع المصانع والشركات العملاقة
هكذا رأي طارق عبد الجليل المستقبل في ظل دولة كانت تخصخص بعض الأشياء الصغيرة وتبيع مصنعا هنا أو شركة هناك لرجل أعمال يبدو صالحاً أو طالحا ًحيث كانت أخبار بيع المصانع والشركات العملاقة تملأ المنصات الإخبارية في ذلك الوقت لصالح رجال أعمال محسوبين على النظام وقريبين منه وبما أن الدولة تبيع ممتلكات الشعب فلماذا لا يأخذ الشعب نفسه نصيبه من المال العام؟
هل كان يتصور المؤلف الذي أراه نموذجاً للفنان صاحب الرؤية المستقبلية ما وصل إليه الحال الآن، فقد وافق مجلس نواب الشعب المصري، منذ يومين على رفع يد الدولة عن التعليم والصحة والثقافة والإعلام وترك هذه المجالات للقطاع الخاص؟
هل كان يتصور أن تُباع أراضي المؤسسات الكبرى والميادين الكبرى لأشخاص وكيانات لا نعرف عنها أي معلومات حقيقية؟ ثم هل يتصور أن ديون مصر ممكن أن تكون سببا في طرح ممتلكات الدولة في بورصة عالمية؟ أظنه لم يكن يتخيل ولكن بصيرته في (عايز حقي) صارت واقعا مؤلما.
أما فيلمه الأخير وهو فيلم (صرخة نملة)، فهو الفيلم الذي تنبأ فيه بخصخصة مياه الشرب، بعد النقص الحاد في مياه النيل، فيصبح عداد المياه بالكارت، وفي لحظة ممكن أن ينتهي كارت المياه فتنقطع المياه كما تنقطع الكهرباء بانتهاء شحن كارت الكهرباء.
ها هي الحكومة تفكر جديا في طرح كارت المياه بعد أزمة مياه النيل، وانخفاض نصيب مصر من المياه (22 مليار متر مكعب) من نصيب مصر من النيل البالغ 55 مليار متر مكعب منذ عام 1959 عندما كان عدد سكان مصر 30 مليون نسمه فقط.
هو والكرسي
الفيلم الثالث والمهم لطارق عبد الجليل هو فيلم (ظاظا) وفيه تعرض لقضية الانتخابات الرئاسية وترشح واحد من الشعب (سعيد ظاظا) وأدي الدور هاني رمزي في مواجهة رئيس الدولة المتمركز على كرسي الرئاسة سنوات طوال وشاب عليه حتى صار والكرسي كياناً واحداً.
مغامرة يدخلها مواطن مصري بسيط، كدمية من أنظمة دولية ومعادية يستطيعون التحكم فيها ويحركونها كما يريدون، (تلك هي النبوءة أو الاستنتاج الذي تنبأ به عبد الجليل في الفيلم) ولكن سعيد ظاظا يفاجئ الجميع ببساطة ولغة قريبة من الناس ويحوز ثقة الناخبين ويعمل بها فيحاول أن يحقق للشعب أحلامه التي حلم هو نفسه بها ذات يوم.
يتنبأ الفيلم بمقتل هذا الرئيس، أو محاولة اغتياله من جانب من تصوروا أنه سيكون دميه في أيديهم، مشيرا إلى دول وكيانات معينة، ويصبح الأمل إما في نجاة الرئيس الذي انتخبه الشعب أو الإتيان برئيس على مقاس الدول المعادية أو ولائه الكامل لهم يحقق لهم أحلامهم في السيطرة على مقدرات الدولة المصرية وثرواتها.
والأفلام الثلاثة الأخرى هي: (الزمن والكلاب) 1996 و ( السيد أبو العربي) 2005 و( نمس بوند) 2008) .. كما كتب مسرحيتين هما ( الكدابين أوي) و (دول عصابة يابا).
ولطارق عبدالجليل فيلمان لم يخرجا للنور هما ( الديب جي جي) و (أدي دقني أهي). ولا تخفي دلالة الأسماء من معانٍ، لكن طارق لم يستكمل المشوار ورحل في عام 2018.
