أرشيف الاهرام.. عندما يُباع التاريخ!

هل فوجئت حينما قرأت خبر بيع أرشيف الأهرام العريق إلى مؤسسة إسرائيلية؟ سؤال بسيط جداً قد تجد إجابة عليه في لحظة واحدة وتقول بلا تردد: لا لم يفاجئني البيع فقد صار البيع أسلوب حياة منذ زمن بعيد.
قد تصبح الإجابة على هذا السؤال مريرة جدا لدرجة تفقدك القدرة على التعايش بسهولة مع الخبر وتظل تطرح أسئلة ولا تجد لها إجابة مقنعة سوي جملة عادل إمام الشهيرة في فيلم (عمارة يعقوبيان): “نحن في زمن المسخ” لكن الحكاية تبدو لها جذور بعيدة.
البداية .. بيع المبادئ
بدأنا في سبعينات القرن الماضي ببيع القيم والمبادئ ونشرنا عبر أدوات الثقافة المصرية وأهمها السينما: قيم الفهلوة والتجارة الرخيصة، تجارة اللحوم الفاسدة والدواجن الفاسدة إلى تجارة الرقيق الأبيض، والإعلاء من قيم لعبة البيضة والحجر.
والسينما تعرضت لفكرة البحث عن “تاريخ” في فيلم قدمه أيضا نور الشريف (الهروب إلى القمة) إنتاج 1996 إخراج عادل الاعصر.. ببساطة بطل الفيلم سارق وله تاريخ أسود في الجريمة، لكن من يديرون الأمور يريدون له أن يكون واجهة لهم في عمليات إجرامية أكبر فيمزقون أوراقه القديمة، ويصنعون له تاريخا جديداً ناصع البياض ليصبح رجل الخير وصاحب الأيادي البيضاء على الفقراء.
الموضوع يختلف تماما حينما يتحول من الأفراد إلى الدول، فكل الدول التي بلا تاريخ خاصة الدول البعيدة عن أرض الحضارات تحاول أن تصنع لها تاريخ.
تدعي بعض الدول للبشرية أنها تمتلك تاريخا وحضارة وعمرها لا يزيد عن السبعين عاما أو المائتي عام، ومن هنا تأتي أهمية شراء التاريخ أو الادعاء أنهم كانوا هنا أو هناك وبنوا تاريخا، ولكنهم طردوا أو شردوا كما ادعى يوما مناحم بيجين (رئيس وزراء إسرائيل الأسبق) أنهم بناة الأهرامات.
كما تلجأ بعض الدول لصناعة تقدم علمي أو تكنولوجي لتعويض النقص في التاريخ وما صراع الولايات المتحدة الأمريكية حول التقدم والسيطرة على العالم سوى جزء من هذا الصراع، فدولة بلا تاريخ قديم ولا حضارة قامت على إبادة جنس بشري لابد لها من عوامل أخرى تساعدها على الثبات في عالم له تاريخه وحضارته.
أما في بلاد الشرق فنحن نتعامل بعكس العالم ومنذ زمن بعيد، لدينا علوم أهملناها، ونتحدث فقط بلفظ ” كنا” (تلك الكلمة المشؤومة في نظري).. “كنا” أصحاب علوم وعلمنا أوربا في عصور ظلامها ودرسنا الكيمياء والفيزياء والهندسة والطب، لكننا لم نتحرك بجدية ونأخذ بالأسباب الرامية إلى تصحيح مسيرتنا واستعادة نهضتنا.
أما في مصر المحروسة (كانت) فقد فقدنا الكثير منذ أن وضعنا أنفسنا في معية أمريكا وإسرائيل .. حاول الشعب في يناير أن يعود مجددا باستعادة كرامته وقرار اختيار حكامه لتحقيق التنمية الذاتية والاستقلال الوطني والاكتفاء الذاتي، لكننا انتكسنا مجددا!
نحن لا نجيد الاستمرار أو الصبر على الطريق .. تتساءل ألم يكن بناة الأهرامات أو المساجد العتيقة أو الكنائس يملكون هذا الصبر؟ فلماذا قصر نفس المصريين على السير وتحمل المسئولية والبناء مرة أخرى؟.
من فعل بنا هذا؟ من جعل لنا البيع أسهل طرق المعيشة؟ كثرت الأسئلة في هذا المقال، وكأنه مقال الأسئلة: أسئلة البيع الشائكة.
حدث في ماسبيرو
في منتصف التسعينات دخلت مكتبة ماسبيرو، لم أكن أعرفها جيدا (أرشيف الإذاعة والتليفزيون) .. فوجئت أنني لا أعرف شيئا عنها .. وجدت دفاتر قديمة مهملة جداً، وورق أصفر أطرافه وبعض صفحاته أصابها العطب، وتقطعت قلبت في الأوراق لأجدها تحتوي كنوزاً فكرية وثقافية ..لقاءات لا يمكن لشخص أن يتخيلها بدايات الدراما التلفزيونية المصرية.
سألت المسؤول عنها أين شرائط هذه المواد؟ أخذني إلى قبو تحت مبنى التليفزيون لأجد شرائط ضخمة جدا (اسمها 2 بوصة) تستطيع حمل شريطين أو ثلاثة على أكثر تقدير، ولكن تلك الشرائط تحتوي كنوزا تلفزيونية (مسرحيات مسرح التليفزيون).
بسذاجة شاب في العشرينات طلبت أن أتول نقلها وأن أفرغ نفسي لذلك. نظر إلى المسؤول وابتسم!
بعد سنوات قليلة كنت إذا ذهبت إلى مكتبة السينما لأستعير فيلما سينمائياً يقال لي إن حق الاستغلال لماسببرو انتهى. لماذا لا يجدد حق الاستغلال؟ جاءت الإجابة: لقد تم بيع أرشيف افلام السينما المصرية إذ اشترتها إحدى القنوات العربية.
هكذا كان بداية البيع لأرشيف السينما المصرية.. وتوالى البيع لأرشيف التلفزيون، فلا عجب أن تجد معظم محتوى تلك الشرائط القديمة (2 بوصة أو واحد بوصة في قناة تلفزيونية ولا تجدها في التليفزيون المصري) .. كنا نسمع شائعات عن تورط كبار في بيع بالقطاعي لبعض المحطات، لكن ما تم كان بيعا بالجملة وتحت رعاية مسؤولين كبار.
هل تبقى شيء بعد مرحلة التسعينات.. نعم تبقى الكثير في أرشيف ماسبيرو، وفي عام 2010 قرر أنس الفقي وزير الاعلام حينها الاحتفال بمرور خمسين عاما على بداية الإرسال التليفزيوني المصري فقرر إنشاء محطة تلفزيونية أطلق عليها اسم (التليفزيون العربي)، وفي تلك الأثناء تم نقل معظم المتبقي على شرائط ووسائط حديثة تتعامل مع الأجهزة الحديثة وطرق المونتاج على الكمبيوتر، وللأسف الشديد كانت وسيلة لخروج ما تبقى من تراث ماسبيرو عن طريق موظفين صغار او مسؤولين صغار أيضا.. فقد كانت شائعات بيع المبنى نفسه قد ملأت الأجواء فما المشكل في بيع شرائط قديمة قد تردم تحت التراب؟
إن نظريات بيع التاريخ تجري على خروج الأثار المصرية وبيعها سواء عبر مهربين صغار مختفين أو مسئولين صغار أو كبار تحوم حولهم شبهات البيع للأثار المصرية القديمة.
هل يمكننا الصمت تجاه كل مظاهر البيع التي تتم .. هل يصمت المصريون على بيع أرشيف صحيفة الأهرام العريقة كما صمتوا على بيع أرشيف السينما والتليفزيون؟ هل يمكن أن نتجاوز عن بيع تاريخنا بهذه السهولة؟ هل نذهب إلى دولة الاحتلال للأرض العربية للاطلاع على أرشيف الاهرام؟
أسئلة تبحث عن إجابات في دولة تبيع تاريخها ليصنع به العدو تاريخا قد يدعي بعد سنوات أنه صاحب التاريخ كما ادعي من قبل أنهم من بنوا الأهرامات، ولهم تراث بيننا في الأرض العربية في مصر وغيرها.
