الحركات الإسلامية بين التقييم والتجديد (خلاصات)

بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وظفت بعض الحركات الإسلامية السياسية ثنائية الاعتدال والتطرف لصالحها بتقديم نفسها كحركات ممثلة للاتجاه الإسلامي المعتدل في مقابل الاتجاهات الإسلامية المتشددة والمتطرفة. حيث كانت كبرى مراكز الدراسات والبحوث الغربية، ومنها مؤسسة (راند) الأمريكية توصي في ذلك الوقت بإدماج الحركات الإسلامية الموصوفة بالاعتدال في الأنظمة السياسية القائمة.
وكانت توصيات تلك المراكز تنطلق من التعاطي مع تلك الحركات بوصفها أحد المكونات السياسية، ذات الحضور والتأثير في الحياة العامة مع إمكانية استيعابها وإدماجها في الحياة السياسية، لكن زمن تلك التوصيات قد انتهى، إذ لم تعد الأنظمة السياسية وغالبية المواقف الرسمية الدولية بعد الربيع العربي تفرق بين حركات معتدلة وأخرى متشددة ومتطرفة، فكل حركة تنادي بالعودة إلى الإسلام، بمعنى تمكينه واعتباره مرجعية عليا ونهائية للسلطة والمجتمع على حد سواء، تعدها هذه الأنظمة حركة متشددة، وبات الكل في مرمى الاستهداف المباشر، وبالتالي السعي لإقصائها عن مسرح الحياة العامة.
لذا وجب التنويه والتأكيد على أن:-
- الحركات الإسلامية ليست إلا طليعة للأمة وليست بديلا لها أو نائبا عنها في الواجبات كافة.
- الحركات الإسلامية بكل أطيافها لا يكفيها معرفة الحق للحصول عليه أو الانتصار له، إذا لم تفهم النظام الدولي ومستوياته وقوانينه وقواعده وثغراته واللعب على التناقضات الدولية، فلن تستطيع إيجاد مساحة مناسبة لتتحرك فيها وتتمدد، والتعامل مع النظام الدولي واكتشاف المساحات المتاحة يتطلب من الحركة الإسلامية الاهتمام بـ”الفكر الاستراتيجي”، فاستمرار الحركة الإسلامية في التغافل عن إنتاج نخبة واعية سياسيًا واستراتيجيًا سيجعلها أداة في حسابات غيرها، موظفة من قِبَلهم حتى وإن كانت تقاتلهم بالسلاح والرجال. كما لا ينبغي على الحركة الإسلامية الانخراط في أي صراع محلي أو إقليمي قبل قراءته ومعرفة علاقته بالإرشادات الكبرى للصراع الكوني.
- هذه جملة من الاعتبارات ووجوب الدعاية لها والدعوة إليها كانت محل نقاش فى ندوة مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية فى 11 ديسمبر 2021 بمدينة إسطنبول التركية.
أولاً: على المستوى الداخلي للحركة الإسلامية والممارسات
(1) التأكيد على أن الحركات الإسلامية في زحمة صراعها العميق مع نظم الاستبداد قد تشربت بعض مساوئها، مثل غياب الحرية والتداول، واحتكار السلطة وإقصاء الشباب وهو ما يجب التخلي عنه في المراحل المقبلة.
(2) التأكيد على ضرورة وضوح الرؤية والأهداف، وحتمية تجديد الأفكار والتشكيلات والهياكل التي واجهنا به تحديات أخرى وواقعا مختلفا عن الواقع الراهن والذي يشهد تحولات هائلة على المستوى الإقليمي والدولي وهو ما أنتج تحديات من نوع جديد وأفرز ساحة مغايرة تماما.
(3) إعادة تعريف وظيفة التيار الإسلامي بوصفه طليعة للأمة وليس بديلا عنها، ورسم الحدود الفاصلة بين أهم أدواره وخاصة الدعوي والسياسي والاجتماعي واحتفاظ كل منها بشخصيته ومقوماته المحكومة بثوابت الإسلام وقواعده.
(4) إعادة بناء الخطاب السياسي الإسلامي وتنقيته من سلبياته بحيث يصبح أكثر تبشيراً بالمستقبل وأكثر التحاماً مع قضايا المجتمعات ومشكلاتها وأكثر حرصاً على توسيع دوائر الأصدقاء والحلفاء وأكثر ذكاء في تحييد الخصوم والأعداء.
(5) التأكيد على ضرورة أن يتسلم القيادة جيل جديد من القادة يعبر بشكل أفضل عن طموحات التيار الإسلامي ويكون أقدر على التفاعل مع التحديات والمستجدات، بالطبع بعد إعداده وتأهيله وتدريبه بشكل يمكِّنه من التعامل مع التحديات والمتغيرات السياسية التي تشهدها الأمة والعالم، وإدارة وقيادة مشروع التغيير وإدارة الصراع السياسي والثوري وإدارة الأزمات.
(6) ضرورة بناء نظرية عامة لحركة التيار الإسلامي من خلال دراسات مستفيضة للمراحل السابقة للوقوف على مقومات وجوده وعوامل نجاحه، في الوقت الذي نُحصي فيه أهم المعوقات والعقبات، ونضع أيدينا على نقاط الضعف، وكذلك أسباب التراجع السياسي على وجه الخصوص وأسباب الخلل الاستراتيجي على وجه العموم.
(7) إعادة الاعتبار لدور الشباب والمرأة وتأهيلهم وتمكينهم من مراكز القرار المهمة داخل التيار الإسلامي في ضوء فاعليتهم المشهودة وخاصة في الربيع العربي والتي تؤهلهم لتحمل المسؤولية واستكمال المسيرة.
ثانياً: على مستوى المبادرات
(1) الدعوة لمبادرة عامة تعمل على تفكيك الحملة المعادية للإسلام والعالم الإسلامي والحركات الاسلامية، بهدف إعادة الاعتبار والانتشار لقيم الإسلام وتعاليمه في التعايش مع المجتمعات الأخرى غير المسلمة، وذلك في سبيل الوصول لوضعية جديدة للحضارة الإسلامية بين الحضارات العالمية، توقف هذا الاستهداف المتواصل والحرب المفتوحة.
(2) الدعوة لمبادرة شاملة تعمل على إعادة ترتيب أوضاع التيار الإسلامي داخل مجتمعاته بما يخرجه من دائرة الاستهداف الحالى وذلك عن طريق إعادة تموضعه في قلب المجتمعات وفي داخل أنسجة وخلايا القضايا الإجتماعية والوطنية.
(3) الدعوة لمبادرة عامة تعمل على إعادة ترتيب أولويات التيار الإسلامي (من خلال إعادة صياغة المشروع الإسلامي) بما يقدم الحريات العامة والعدالة الاجتماعية على ما سواها، فهي الأولويات الملحة لمجتمعاتنا والتي يصعب تأخيرها أو تأجيلها.
ثالثاً: على مستوى المشروع الإسلامي
(1) التأكيد على أن مشروع التيار الإسلامي التغييري هو مشروع جماهيري واسع ووطني جامع.
(2) التأكيد على أن الوسائل والأدوات التي استخدمتها جميع الحركات الإصلاحية والتغييرية الكبرى حول العالم اتسمت بالتنوع غير المحدود، والتجدد والتطور وفق مقتضيات العمل وتأثيراته، وعدم الاقتصار على أداة واحدة مهما كانت فعاليتها.
كما أنها عندما انطلقت في الممارسة الإصلاحية والتغييرية انطلقت من معرفة وتوصيف دقيق للواقع الذي تعيشه وتريد إصلاحه أو تغييره، ومعرفة طبيعة وحجم التحديات الحقيقية الحالية العاجلة والآجلة التي تواجه عملها، ووضع أجندة أو ترتيبات لأولوياتها المختلفة، وكذلك لديها معرفة بالإمكانيات الحقيقية والطاقات الفعلية والموارد المختلفة التي تحوزها وتملكها، ومن ثم توجيه الموارد والإمكانيات المتاحة بما يحقق التغيير المطلوب إحداثه.
رابعاً: على المستوى المجتمعي
(1) التأكيد على إعادة الاعتبار للمفهوم الشامل للقوى المدنية من حيث الأساليب الحديثة في التغيير أو الاصلاح، واعتماد الكفاءة النوعية بديلاً عن القدرات الكمية، والعمل على الدخول على خطوط موجات التغيير والتطور، وهذا كله يتطلب في الأساس الانفتاح على محيطها المحلي ومد الجسور مع القوى السياسية الأخرى بدل الارتهان لمحور إقليمي أو آخر عالمي.
(2) التأكيد على أولوية المصالحة المجتمعية في إطار مكافحة الاستبداد الذي مزق مجتمعاتنا وزرع فيها كل أنواع وألوان الانقسام. والعمل على حرمان نظام الاستبداد والفساد والتبعية من أهم نقاط ومواضع تمركزه في المجتمع، والعمل وفق آليات وفعاليات تفكيك كل أشكال الاستبداد وأدواته ومخرجاته.
(3) إعادة النظر في الهياكل والمؤسسات وكل أشكال العمل التي كانت حاكمة طوال الخمسين عاما الماضية، واستحداث هياكل ومؤسسات وأشكال عمل جديدة تتيح قدرا أكبر من المرونة في مواجهة التحديات وتتمتع بكفاءة أعلى في إنجاز الواجبات. علما أن غالب الأشكال والهياكل التقليدية لم تعد تلبي متطلبات العصر بل ولم تعد قادرة على حماية نفسها أو الالتحام مع المشكلات المعاصرة.
(4) التأكيد على ضرورة نفي كل الأسباب والذرائع التي تربط بين حضور الإسلاميين المجتمعي أو السياسي وبين استدعاء مظاهر الطائفية وذلك باتخاذ مواقف استباقية واضحة مع مكونات المجتمع غير المسلمة ومحاصرة الشبهات التي تؤدي لذلك.
(5) ضرورة إعداد جيل جديد يحمل الأمانة ويواصل مسيرة نهضة الأمة وحماية القيم واسترداد الحقوق وفق قواعد تفكير منضبط، من خلال برامج خلاقة أصبح من الواضح أن الجيل القديم ليس قادراً على التعاطي معها.
(6) العمل على أن يكون مستقرا في وجدان هذا الجيل والأجيال التالية أن الربيع العربي هو مسار استراتيجي طويل المدى، وليس مجرد انتفاضة عابرة أو ثورة تم التآمر عليها، لأنه في الحقيقة قد عبر عن أهم أشواق شعوبنا للحرية في بلادنا، وركزت فيه شعوبنا إحساسها بمشكلاتها ومطالباتها بقوة بما لم يحدث من قبل خلال قرنين من الزمان، كما عكس بشكل واضح ديناميات الوعي المتدفق لشباب أمتنا والجينات الجديدة التي يصعب تجاهل نداءاتها.
خامساً: على المستوى الإقليمي والدولي
(1) العمل على التواصل مع التيارات السياسية والفكرية الصاعدة حول العالم للتشارك معها في بناء عالم أفضل، تسوده الحرية وحقوق الانسان وتنتفي فيه الديكتاتوريات وصراعات الهيمنة والحروب الباردة وإعادة إحياء القطبيات والتي يتعاظم نفوذها اليوم حول العالم.
(2) التأكيد على حتمية التصدي للمشروع الصهيوني والأمريكي والذي يستهدف تقسيم المنطقة وإعادة رسم خرائطها وإعداد إسرائيل لقيادة المنطقة، وهو تحدٍ جوهري يجب أن يكون من أهم أولويات الحضور الإسلامي الذي يستطيع أن يقود عمليات رأب الصدع المجتمعي وبناء التوافق السياسي واستنفار كل عوامل المقاومة المجتمعية للتصدي لهذه النكبة الجديدة.
(3) الحفاظ على الأولوية القصوى والدائمة للقضية الفلسطينية، فمن الطبيعي والجوهري لكل مشروع يهدف لنهضة الأمة أن تكون فلسطين نصب عينيه بل في قلب رؤيته لأنها قلب الأمة كما أن المشروع الذي اختطفها لن يقف عند حدودها بل يستهدف الأمة بأسرها كما يستهدف فاعليتها وحضورها.
(4) العمل على تحديد “مسار استراتيجي للأمة” في ظل حالة الارتباك والاضطراب الدولي التي تؤذن بتراجع الانفرادية الأمريكية وصعود قوى دولية أخرى وتغير العديد من القواعد الدولية، بل ولا بد من قراءة دقيقة لمكونات الأمة وعناصر فاعليتها وإمكانيات وحدتها وقدراتها الكامنة على مواجهة الصعاب وتحدي الأزمات التاريخية.
(5) التأكيد على ضرورة القراءة العميقة لمنجزات الثقافة الغربية والتحديد الدقيق لما يصلح للتعاطي وما يجب تجنبه لاصطدامه مع القيم والثوابت الإسلامية.
(6) التأكيد على ضرورة بناء نموذج الحكم الإسلامي القابل للحياة والقادر على الاستجابة لمشكلات مجتمعاتنا وطموحاتها وتلبية تحديات العصر وظروفه بالغة التعقيد.
(7) التشجيع على قيام تحالف إقليمي يشمل الدول والحكومات المتناقضة سياسيا مع محور الاستبداد والديكتاتورية والمتعاطفة تلقائيا مع حرية الشعوب وتطلعها لغد أفضل، وذلك في إطار قراءة واعية للمخطط التدميري وللمخاطر الكارثية التي أصبحت مقترنة باستمرار نهج محور الاستبداد.
