2022.. التحديات مستمرة عالميًا

(1)
نهاية عام وبداية آخر، النهايات دائما ثقيلة كالموت، أما البدايات فهي مبشرة بالخير منعشة للأمنيات ومحفزة للأحلام. مع بداية عام جديد يغمر الناس إحساس بالتفاؤل مع رغبة دفينة أن يكون القادم أفضل مما فات، على المستوى الشخصي والعام، وكأن الزمن محطات منفصلة وليس خطاً طويلاً مستقيماً نخطو عليه بإرادتنا الحرة فيصبح ما تركناه ماضي وما نقف عنده حاضر وما نسير نحوه مستقبل، فعام 2022 هو في الحقيقة امتداد لعام 2021 في عمر الزمن، هذا العام الذي أوشك على أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، يتركنا ونحن أكثر اطمئنانا مع انتشار تعاطي لقاح كورونا وإنتاج عقاقير تخفف من أعراض المرض، ومن المنتظر أن يتعافى العالم من أثر الجائحة في النصف الثاني من العام المقبل.
(2)
هذا ما يخص حياة الناس العادية، أما على ساحة السياسة الدولية فمن المنتظر أن تستمر التحديات والصراعات على المسرح الدولي كما هي مع مطلع العام القادم، والتي لخصها مدير وكالة الاستخبارات المركزية وليام بيرنز في التحدي الذي يواجه بلاده من قبل ثلاث دول هي: روسيا والصين وإيران.
الملف النووي الإيراني، ومخاوف الغرب من تدخل روسي في أوكرانيا وسعى الصين لضم تايوان للوطن الأم ثلاثة ملفات اعتبرها مدير الـ(سي. آي. إيه) من مقتضيات الأمن القومي الأمريكي، ولكنها في واقع الأمر تؤثر في غيرها وعلينا مراقبة ما يجري والتحسب لآثارها على شعوب الشرق الأوسط والاتحاد الأوربي وآسيا.
(3)
إيران:
مفاوضات متعددة الأطراف والأهداف حول الملف النووي الإيراني تجري الآن في فيينا، يتابعها العالم باهتمام لما لها من أثار وتداعيات، وهي تتم تحت ضغوط وخطط متعددة الأوجه، فلقد فرضت أمريكا عقوبات جديدة على عدد من الشخصيات الإيرانية، وأعلنت بريطانيا أنها لن نسمح لإيران بامتلاك السلاح النووي، كما هددت إسرائيل بتدمير المنشآت النووية الإيرانية، وانضمت أمريكا لإسرائيل وأعلنت أنها ستلجأ لضربة عسكرية ضد إيران حال فشل المفاوضات.
“التهديد بالحرب لمنع الحرب ” سياسة تنتهجها إدارة بايدن، لكن الرئيس الأمريكي يدرك أنه في حالة استخدام القوة العسكرية ضد إيران فإن التداعيات غير مأمونة العواقب واحتمالات نشوب حرب إقليمية مرتفعة، فلن تقف إيران ووكلاؤها في دول الجوار العربية مكتوفي الأيدي وسيتسع الصراع ليضم دولا عربية أخرى، وإدارة بايدن لا تريد أن تفتح ساحة حرب جديدة لتركز على المنافسة الاقتصادية مع الصين والجيوسياسية مع روسيا.
الوضع العالمي يتغير، والبساط ينسحب من تحت قدم أمريكا تدريجيا، وقرارات الدول الحليفة لها لم يعد صناعة أمريكية، رغم تلويح أمريكا بعصا العقوبات الاقتصادية الرادعة والتدخل العسكري لتعديل سلوك الدول المارقة من وجهة نظرها. وهناك أمثلة حاضرة على هذا التغيير، إذ أعلن مدير عام شركة (روس أوبورون اكسبورت) الحكومية الروسية لتصدير السلاح والمعدات العسكرية عن تخلي روسيا والهند عن الدولار في حساباتهم المالية المتبادلة.
رغم أن الهند حليف لأمريكا، لكنها أعطت الأولوية لمصالحها الاقتصادية، زحزحة الدولار عن عرشه في التعاملات الدولية سيفقد أمريكا كثيرا من السيطرة.
وعلى صعيد آخر نشرت (وول ستريت جورنال) أن وفداً أمريكياً سيصل إلى الإمارات لتهديد شركاتها بعقوبات في حال واصلت تعاملها مع إيران. ويأتي ذلك عقب الزيارة التي قام بها مستشار الأمن القومي الإماراتي طحنون بن زايد إلى إيران وأعرب فيها عن أمله أن تكون الزيارة بداية لجولة جديدة من العلاقات بين إيران والإمارات.
والإمارات هي ثاني أكبر مصدر غير نفطي لإيران، وثالث أكبر مستورد غير نفطي للبضائع الإيرانية، والشركات الإماراتية مارست دوراً رئيساً كقناة للمعاملات المالية ومبيعات النفط وغيرها من التجارة التي تجريها إيران مع دول أخرى، بما في ذلك الصين، والسؤال: هل تتنازل الإمارات عن مصالحها الاقتصادية خوفا من العقوبات الاقتصادية الأمريكية أم رغبة في الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع أمريكا؟ بالتأكيد الأمر سيكون أكثر تعقيداً، فهناك الآن قوى أخرى على الساحة الدولية تسعى لكبح الهيمنة الأمريكية على الكرة الأرضية، ومن جانب آخر فإن هذا الأمر لن تتركه أمريكا يمر مرور الكرام، بل سيترتب عليه ردود فعل من جانبها وقد يكون أعلى من الفعل نفسه ويتجاوز الخطوط الحمراء، من الممكن أن تقدم -مدفوعة بالخوف من فقدانها المكانة والهيمنة- على أفعال ليست في الحسبان ومفاجأة للجميع.
(4)
أوكرانيا:
الأزمة الأوكرانية تطفو على السطح من جديد وبقوة، هذه الدولة بحكم موقعها تعد الحد الفاصل بين أوربا الغربية وروسيا، وهو ما يجذب حلف الناتو ويهدد روسيا. بعد لقاء الرئيسين الأمريكي والروسي، صرح بايدن بأن روسيا ستدفع “ثمناً باهظاً” وستواجه عواقب اقتصاديةً مدمرة إذا غزت أوكرانيا.
ورد بوتين أن روسيا لديها الحقّ في الدفاع عن أمنها، واتهم “كييف” بخرق اتفاقيات مينسك. الصراع الجيوسياسى بين حلف الناتو وروسيا يتخذ من أوكرانيا مسرحا للعمليات، ولكن مآلات الأمور لا أحد يعرفها على وجه الدقة. روسيا “بوتين”، تريد أن تثبت للغرب أنها ليست دولة آيلة للسقوط كما حدث مع الاتحاد السوفيتي السابق، بل هي دولة قادرة على حماية أراضيها ومصالحها، كما يثير التطوير الذي تقوم به في الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية قلق أمريكا وحلفائها في الاتحاد الأوربي.
(5)
الصين:
صعود الصين لا يقلق أمريكا وحدها، لكن يقلق حلفاءها في أوربا وآسيا، الاتحاد الأوربي وضع خطة استثمارية ضخمة لمواجهة النفوذ الصيني في أفريقيا ومناطق أخرى من العالم، كما أن اليابان رفعت ميزانية التسليح العسكري. محاولة الصين لضم جزيرة تايوان ذات الموقع الاستراتيجي المميز، تنظر له أمريكا على أنه تهديد لنفوذها في آسيا كما وصفه وليم بيزنز مدير الـ(سي. آي. إيه): “محاولة من الصين لبلوغ مرحلة القوة المسيطرة في آسيا والوصول إلى قوة مماثلة لأمريكا تواجهها بها وتعيد رسم معالم القوانين الدولية بما يخدم أولويات القيادة الصينية”، وهذه المكانة المساوية لن تسمح بها أمريكا وتسعى بكل قوة لعرقلتها والتصدي لها. هذه الحرب الباردة بين أمريكا والصين لا يقتصر تأثيرها على البلدين، بل يؤثر في العالم أجمع فأمريكا الأولى اقتصاديا تتبعها الصين، وكل دول العالم لها علاقات اقتصادية وتحالفات مع كلتاهما. حاولت أمريكا تأسيس تحالف عالمي مناهض للصين وروسيا، من خلال قمة الديمقراطية التي عقدت في وقت قريب، باعتبار أن كل منهما دولة استبدادية غير ديمقراطية ولا تحترم حقوق الإنسان، في محاولة لإخفاء أن الصراع الحقيقي حول المصالح والنفوذ وليس حول القيم والمبادئ.
(6)
العالم يواجه صراعات ومنافسات حادة بين الدول الكبرى تدفع شعوب العالم ثمنها ألما وندما، في حين تحرص أمريكا أن تبقى الصراعات بعيدة جغرافيا عن الأراضي الأمريكية حتى لا يذوق الشعب الأمريكي مراراتها. عام 2022 يأتينا محملا بأيام وشهور لا نملك منها الآن سوى أنصاف الحقائق حول التحديات التي ينطوي عليها، وبالنسبة للعالم العربي، فإن عام 2022 يحمل الكثير من التساؤلات حول المستقبل، وهذا موضوع المقال القادم بإذن الله.
