سينما مصطفى العقاد.. غطرسة القوة وقوة الإيمان

عندما غادر الطالب مصطفى العقاد سوريا إلى الولايات المتحدة لدراسة الإخراج السينمائي، أعطاه والده 200 دولار ومصحفا. ورغم أن والده لم يكن يوافق على دراسته السينمائية فإنه -نتيجة رغبة الابن وإصراره- وافق الأب المربي المعلم على سفره إلى هوليود. ليصبح مصطفى العقاد بعد ذلك واحدا من أهم مخرجي السينما العربية وصاحب اثنين من أهم الأفلام المنتجة في أمريكا والغرب عن الأمة العربية والإسلامية، هما (الرسالة) إنتاج 1976 و(عمر المختار.. أسد الصحراء) إنتاج 1980.
وعندما استشهد المخرج السوري الأصل الأمريكي الجنسية بأحد فنادق العاصمة الأردنية عمّان في 11 نوفمبر/تشرين الثاني عام 2005، كان في جعبته فيلمان آخران ينوي إنتاجهما، أحدهما بعنوان (صلاح الدين الأيوبي) والآخر باسم (الأندلس).
إذا تتبعنا خطوات العقاد السينمائية التي بدأت منذ 1974 وانتهت باغتياله في ذلك اليوم، نجد أن مشروعه تمحور في فيلمي (الرسالة) و(أسد الصحراء). وقبلهما وبعدهما كانت أفلام ذات طابع تجاري أخرجها العقاد كمصدر للرزق والحياة، وهي تسعة تنتمي إلى أفلام الأكشن والحركة التي تعلّمها على يد معلّمه الذي عمل مساعدا له في بداية حياته (ألفريد هيتشكوك) مخرج أفلام الرعب والحركة الشهير، وهو ما ظهر في أفلام مصطفى العقاد التسعة التي أخرجها قبل فيلميه الشهيرين.
كانت قضية الإسلام والأمة العربية هي محور فكر العقاد، ورغم أضواء هوليود وشهرتها فإنه لم ينسَ المصحف المُهدى من والده عند سفره، كما أن المبلغ الذي كان يُعد قليلا لطالب يذهب إلى الولايات المتحدة، وإيمانه بقدرته على تخطي صعاب الغربة، أثّر لديه بقوة، فكان الإيمان بالحق أحد أهم القضايا التي عاش من أجلها السينمائي الذي ضحي بحياته في سبيل معاركه التي قادها بقوة الإسلام والانتماء للعروبة، وهو ما ظهر جليا في الفيلمين وحلمه بفيلمي صلاح الدين والأندلس.
الرسالة.. فيلم الإيمان بالحق
عندما تقف أمام فيلم الرسالة، الذي يحكي السنوات الأولى في عمر الإسلام منذ نزول الوحي على الرسول -صلى الله عليه وسلم- حتى وفاته في العام الحادي عشر من الهجرة، أنت هنا لا ترى فقط مراحل الدعوة الاسلامية، وهذه السنوات وعبورها أمامك تاريخا وأحداثا، لكنك ستقف كثيرا عند العبرة التي قدّمتها هذه السنوات للبشرية، بداية من نزول الوحي وإيمان أربعة أشخاص فقط بالرسالة، ثم هذا الصمود المستحيل للعشرات الذين أسلموا أمام طغيان القوة والبطش الذي لاقوه من قبائل قريش وأركانها بكل ما لديهم من سلطان.
أي إيمان هذا؟ وأي طاقة احتمال؟ وكيف صمدت القلوب المؤمنة في تلك المواجهة؟ إنه الإيمان بالحق وقوته عندما يُقتل أقرب الناس إليك وينكل بك وتترك وطنك وأهلك وديارك وتسير من مكة حيث ولدت إلى الحبشة (إثيوبيا) أو إلى مكة في ظلام الليل تجوب الصحراء حاملا إيمانك ورسالتك، فارّا إلى ساحة وقدرة على العيش. تلك القوة الروحية التي تواجه بها قوة السلاح والمال والبطش والطغيان، قوة تؤمن أنك تبني أمة على الحق والعدل والمساواة، أمة لا تحمل مجرد شعارات وتعاليم ومظاهر، إنما أمة تبني وتعمل وتعلم لتكون الأمة العادلة.
إن أخطر ما يمكن أن يقدمه الفن هو تلك القيمة التي أدركها العقاد في محتوى أفلامه أو فيلميه الخالدَيْن حينما يمتزج الفن بالرسالة، كانت تلك قضيته. إن المشاهد لفيلم الرسالة يجد أنه قد يغنيه عن الكثير من الكلام، بما يحتويه من قيم إنسانية وروحية وإيمانية، وبما يطرحه من أسئلة قد تساعدنا على فك رموز الواقع.
بينما يعاني أولئك إلا أنهم يصمدون وينشرون القيم النبيلة التي تقيم حياة أمة، ولطالما تساءلت في نفسي وأنا أشاهد هذا الفيلم: أي نوع من الرجال أولئك وأي قيمة يحملونها؟ كيف لخمسة أشخاص أصبحوا سبعين وبعد ذلك صاروا ألفا أن يبنوا هذه الأمة التي فتحت العالم وأضاءت بنورها أرجاء المعمورة؟
إن قوة الانسان المستمدة من قيمه الإيمانية والروحية، التي يستمدها من روح الله التي نفخها عند خلق آدم، تعطي هذا الصمود لبلال وعمار ومصعب و حذيفة وعبيدة وعمرو وخالد، وهذا الاستغناء الذي مثله مصعب بن عمير وخالد بن الوليد، لهو قوة روحية وإيمانية لا محالة، تلك القوى التي أظهرها التاريخ لكنها أعيدت حية على يد مخرج سينمائي، حوّل الأداة التي ننتقدها جميعًا إلى نموذج لكيف نصنع سينما، تعطي لنا المثل لكيف نقاوم ونبني، ونعيد مجد هذه الأمة. وما قصدته ليس صناعة السينما فحسب، بل كيف نعيد استخدامها في بناء الروح والوجدان، التي بها نعيد مجدنا الروحي والعلمي والقيمي.
عمر المختار.. الأرض لأصحابها
– هل اعترفت يوما بسيادة إيطاليا على ليبيا؟
– لا
هل أخذت معونة من السلطات الإيطالية في ليبيا أو راتبًا؟
– لا
– هل ترى حقًّا لإيطاليا في ليبيا؟
ـ لا
هكذا أجاب عمر المختار في المحكمة التي عُقدت لمحاكمته بعد عشرين عامًا من النضال ضد الاحتلال الإيطالي لليبيا، وهكذا ينهي قضيته، فلا اعتراف بمحتل حتى وإن اعتقله وأعدمه، فكما قال في الفيلم “إن عمري سيكون أطول من عمر شانقي”.
نعم سيبقى عمر المختار ورجاله أبد الدهر نموذجًا فريدًا في الدفاع عن الأرض التي يحتلها المستعمر “أي رجال هؤلاء؟ إنهم يربطون أرجلهم حتى لا يفروا أمام الموت” جملة قيلت في الفيلم، مهما أنشأ المحتل من مستعمرات ومهما أقام من أسوار حول مخيماته “ستأتي أجيال تحاربكم وتخرجكم من ديارنا” هكذا قال المختار.
لقد تم إعدام عمر المختار في سنة 1929، ولم يمرّ ثلاثون عامًا حتى كانت ليبيا محررة من الاستعمار الإيطالي، فقد حررها الجيل التي ولد مع إعدام المختار.
هل كانت مقاومة الليبيين تدرك قوتها في مقابل قوة إيطاليا؟ هل يمكن أن نعد موازين القوة متكافئة بين الطرفين؟ هل كانت قوة أصحاب الأرض العينية تساوي الطائرات والدبابات والأسلحة التي لدي مستعمريهم؟ الاجابة بالنفي لكل الأسئلة السابقة. إذن ما القوة التي يعتمد عليها هؤلاء الرجال؟ إنها قوة الحق في الأرض والوطن والصحاري والجبال، قوة الإيمان أنهم أصحاب الحق وأن الأرض لأصحابها مهما طال الزمن.
هكذا كان يعلّم المخرج السوري المسلم العروبي الأجيال القادمة، هكذا يزرع بكاميرا وتقتيات السينما الإيمان بالحق والعدل والعمل والعلم والمساواة.
إن قلة ما أنتجه مصطفي العقاد في تاريخه أكبر دليل على ما يمكن أن يقدمه الفن للأمة، حينما يصبح أداة للتنوير والثقافة والتطور والوعي، ويضعنا أمام مسؤولية الحذر الشديد حينما نقدم لأجيالنا الجديدة فنونا. ورغم غياب فيلمَيْ العقاد عن العرض التلفزيوني، فإننا حين نبحث عن قيمة حقيقية للفنون فسنجد أنفسنا أمام فيلمَي (الرسالة) و(عمر المختار) مَثلَيْن واضحين بجوار إبداع آخرين في الوطن العربي.
