حماس وحزب الله.. النيران الصديقة

"مشعل" و"نصر الله" (صورة إرشيفية)

العلاقة بين حركة حماس وحزب الله اللبناني تصنف منذ وقت طويل باعتبارها علاقة إستراتيجية، حيث يتفق الطرفان على مركزية المعركة مع العدو الصهيوني، وقد أبلت الحركتان بلاء حسنا في هذه المعركة منذ اشتداد عودهما، وامتلاكهما الأسلحة التي مكنتهما من إيلام العدو، وهو ما لاقى ترحيبا كبيرا من الشعوب الإسلامية التي وجدت فيهما تعويضا عن تخاذل الحكام العرب، وانهزامهم أمام إسرائيل سواء في المعارك العسكرية أو السياسية.

وإذا كان التعاطف مع حركة حماس من الشعوب الإسلامية وغالبيتها سنية أمرا طبيعيا، فقد كان التعاطف مع حزب الله استثناء، تكريما لدوره في مواجهة العدو الإسرائيلي بجنوب لبنان، لكن الحزب انحرف عن وضعيته التي جذبت له التعاطف إلى وضعية جديدة سحبت كل رصيده السابق، وذلك حين انحاز وبشكل سافر لنظام بشار الأسد ضد ثورة الشعب السوري، وهو الانحياز الذي لم يقتصر على الدعم السياسي بل تجاوزه وهذا هو الأهم إلى المشاركة المباشرة في قتل السوريين المناهضين للنظام، وقد قتل الحزب عبر سنوات الثورة السورية آلاف السوريين، وهو رقم يزيد بآلاف المرات عمن قتلهم الحزب من العدو الصهيوني وبنى عليهم سمعته، وكسب بهم شعبيته.

دعم السفاح

الآن ينتقل الحزب إلى مستوى جديد في دعمه لسفاح سوريا، وذلك بمعاقبة الأطراف غير السورية التي دعمت الثورة أو حتى وقفت على الحياد، وهذا ما ظهر جليا في الموقف العدائي ضد رئيس مكتب حماس في الخارج خالد مشعل خلال زيارته الأخيرة إلى لبنان قبل أسبوع، وهو الذي يتهمه الحزب بقيادة حماس لدعم الثورة السورية والخروج بمكتبها السياسي من دمشق إلى الدوحة في العام 2011، وهو ما حرم النظام السوري من ثقل معنوي كبير، وأظهره حقيقته الطائفية هو ومن ناصروه، سواء كانت إيران أو حزب الله، بينما كان النظام السوري ومن قبله “الإيراني” ومعهما حزب الله يستخدمون حماس كديكور سني يخفي وجههم الطائفي.

منذ الإعلان عن زيارة مشعل إلى لبنان أعلن الحزب أنه غير معني بها، وفهمت حماس الرسالة فلم تطلب لقاء لمشعل مع نصر الله، لكن الحزب لم يكتف بهذا الإعلان بل تبعه بجملة من التحركات”النيران الصديقة المتعمدة” لإفشال الزيارة، وحصار مشعل في أضيق نطاق، حتى أن الحزب تدخل لدى حليفه رئيس الجمهورية ميشيل عون ولدى حليفه رئيس البرلمان نبيه بري أيضا لعدم استقبال مشعل رغم أن الأخير كان قد حدد موعدا لتلك الزيارة ثم اعتذر عنه قبل ساعات من الموعد، ورغم أن حماس حريصة دوما على تجنب التصنيف الطائفي إلا أن الحزب أراد حشرها في تلك الزاوية حتى لا يبقى فيها منفردا، فاقتصرت مقابلات مشعل على رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ورئيس دار الإفتاء الشيخ عبد اللطيف دريان ، ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، ومسؤولي الجماعة الإسلامية، بخلاف اللقاءات مع الفعاليات الفلسطينية في المخيمات اللبنانية.

فتنة داخل حماس

لم يستهدف الحزب حصار مشعل فقط في زيارته، وإفشالها عقابا له على موقفه من الثورة السورية، ولكنه استهدف أيضا إحداث فتنة داخلية في حماس، بعد أن ظن أنه نجح في استقطاب بعض قياداتها إلى المعسكر الإيراني، وبالتالي دفع هؤلاء لإزاحة مشعل من موقعه كرئيس للحركة في الخارج حتى يستمر الدعم الإيراني لها، وهذا يعني صناعة فتنة داخلية في حماس، ولكن من الواضح أن الحركة منتبهة لذلك وتحركت سريعا لوأدها حيث سارع صالح العاروري نائب الحركة وهو أبرز المتحمسين لإيران لزيارة لبنان أيضا لمزاملة مشعل في بعض لقاءاته، لكن ذلك لا يعني أن الحزب أو حتى إيران نفسها سيتوقفان عن بث الفتنة داخل حماس تغليبا لمن يعتبرانه أنصارهما داخل الحركة.

لم يحاصر حزب الله مشعل أو حركة حماس بل حاصر نفسه، وحاصر إيران معه، إذ ستسهم هذه الخطوة في دفع حماس لمراجعة مواقفها “المندفعة بشدة” تجاه طهران، والتي تسببت في إغضاب الكثيرين من ظهيرها الشعبي في العالمين العربي والإسلامي، صحيح أن لإيران أيادِ بيضاء على الحركة لجهة تسليحها وتطوير صناعاتها العسكرية في الوقت الذي وقفت غالبية الحكومات العربية والإسلامية الأخرى موقفا معاديا لها، لكن إيران كانت أيضا مستفيدة بالدرجة ذاتها وربما أكثر من هذا الموقف الذي مكنها من تجنب حصار شعبي واسع بسبب دعمها لإجرام نظام بشار الأسد، وعموما لو تمادت إيران مع موقف حزب الله، وسحبت دعمها لحماس فإنها ستكون هي الخاسرة أيضا، فحماس اعتادت العمل في ظروف صعبة، وستستطيع مواصلة مسيرتها النضالية محاطة بدعم أوسع من الشعوب العربية والإسلامية، فيما سيشتد الحصار على إيران وأذرعها.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان