ثروت عكاشة.. الثقافة كالماء والهواء

ثروت عكاشة

حينما تخرج الضابط ثروت عكاشة من الكلية الحربية عام 1939 بمصر -وهو ابن 18 عاما- لم يكن يعرف أنه سيقود الثقافة المصرية بعد ذلك. فعقب تخرجه اتجه إلى الدراسة في كلية أركان الحرب وهي عادة الضباط المتفوقين في المجال العسكري، لكن عام 1951 تغيرت حياته بدراسة دبلوم الصحافة بكلية الآداب جامعة القاهرة، لينفتح مجالا آخر أمام عيني الشاب.
وكان التحول الكبير خلال انضمامه إلى تنظيم الضباط الأحرار، ورغم كونه أحد الضباط الذين قادوا ثورة 23 يوليو إلا أن عكاشة كان أمام توجه آخر بحصوله على الدكتوراه في الآداب من جامعة السروبون  في باريس عام 1960، أثناء توليه وزارة  الثقافة المصرية للمرة الأولى في الفترة من 1958 حتى 1962 .

أربع سنوات من عمر الوزارة استطاع عكاشة أن يغير من وجه الثقافة المصرية، لأنه آمن أن الثقافة إحدى الدعائم التي يقوم عليها المجتمع فأعاد صياغة الحياة الثقافية بما يناسب بناء الإنسان المصري، ويعمل على بناء مؤسسات تظل قواعد راسخة في الثقافة حتى إن غامت سماؤها في بعض الأوقات.

آمن ثروت عكاشة بأهمية أن تكون الثقافة -بكافة أشكالها- متاحة للشعب، فجعل سنوات وزارته الأولي سنوات بناء.

كانت اللبنة الأولي هي الكتاب فكانت الهيئة المصرية للكتاب مشروعا ضمن مجموعة مشروعات عمل على إنشائها لإتاحة المعرفة بسعر يناسب الجميع، وهو استكمال لنظرية عميد الأدب العربي طه حسين في كون التعليم حق كالماء والهواء لكل إنسان يعيش على أرض الوطن.

استكمل عكاشة نظرية العميد فجعل الكتاب كالماء والهواء، وصارت كتب الهيئة المصرية للكتاب في يد الجميع، ورغم مرور السنين وتغير الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية تظل هذه الهيئة حتى اليوم منارة، ومكانا يجد فيه الباحث عن الثقافة تاريخا وحضارة متوفرا بأسعار مناسبة.

الأعلى للفنون

كان المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب (المجلس الأعلى للثقافة حاليا) مشروع عكاشة لاستكمال البناء الأول. وقد تولى عكاشة رئاسته عدة مرات في السنوات من 1962 حتى 1966 وهي السنة التي تولى فيها وزارة الثقافة للمرة الثانية، ولمدة أربع سنوات حتى وفاة الرئيس المصري جمال عبد الناصر في ١٩٧٠.

لا أنسى يوم التقيت بالمفكر المصري جابر عصفور عندما كان رئيسا للمجلس الأعلى للثقافة قبل ثورة يناير 2011، يومها أهداني نسخة من إنتاج المجلس الأعلى للثقافة، وحينما خطوت بقدمي داخل مخازن المجلس اكتشفت أني لو حصلت على نسخة من كل كتاب لهذا الصرح فلن يكفي منزلي ومثله معه، ويومها ترحمت مع الدكتور عصفور على الفارس ثروت عكاشة.

لم يجعل الوزير المثقف من الكتاب همه الوحيد، بل كان يرى للثقافة أجنحة متعددة، إذ آمن عكاشة أن الفنون أحد هذه الأجنحة فأنشأ في 1959 -عامه الثاني- في وزارته الأولى، كان إنشاء أكاديمية الفنون وهي التي صارت اليوم صرحا كبيرا بما تضمه من معاهد فنية، مثل: المعهد العالي للفنون المسرحية، والمعهد العالي للسينما، ومعهد النقد الفني، ومعهد الفنون الشعبية، كل تلك المعاهد التي ضمتها أكاديمية الفنون، كانت تعمل على أن يكون العلم بجوار الموهبة طريق الإبداع في كافة الفنون.

إن نظرة واحدة إلى أي كيان من هذه الكيانات وما قدمته من مبدعين وإنتاجهم الفني واستمراره حتى الآن يجعلنا ننظر بعيون التقدير والامتنان للمفكر الذي اتخذ قرار البناء.

بناء متكامل

إننا أمام بناء متكامل لا يهمل جانبا على آخر، ورغم أن الأوبرا المصرية لها تاريخها القديم منذ عرض أول أوبرا في حفل الخديوي إسماعيل بافتتاح قناة السويس، إلا أن معظم من تعاملوا مع دار الأوبرا من العازفين و المغنيين كانوا أجانب، ولهذا كان على الفارس المصري أن يشرع في إنشاء فرق دار الأوبرا، فأسس عكاشة فرقا مثل: أوركسترا القاهرة السيمفوني، وفرق الموسيقى العربية، حيث يختص الأول بدراسة وتقديم فنون الأوبرا، بينما تقدم فرق الموسيقى العربية التراث الغنائي العربي بموسيقاها، وكم نفتقد الآن الاهتمام بمثل هذه الفنون للأجيال الجديدة .

كان إنشاء السيرك القومي الأول من نوعه في الشرق الأوسط، وكذلك مسرح العرائس ليقدم إنتاجه لمتعة الأطفال، مشاريع يستكمل بها ثروت عكاشة مشروعه الثقافي المصري، في محاولته الجادة لتقديم الثقافة بكافة أشكالها، وكذلك أضاف إليهم قاعة سيد درويش بأكاديمية الفنون، لتكون ساحة عرض للإنتاج الفني لطلبة الأكاديمية.

لم يهمل عكاشة جانبا من الثقافة إلا اهتم بها فأنشأ المتاحف المصرية للآثار، وكذلك المحافظة على تلك الآثار، ولا يمكن لأي منصف أن ينسى الدور الذي قام به عكاشة لإنقاذ معبدي فيلة وأبو سمبل، إذ استطاع إقناع مؤسسات دولية بالعمل على إنقاذ المعبدين والآثار في النوبة حفاظا عليها من الضياع أو الإهمال أثناء بناء السد العالي.

لم يكن عكاشة ضابطا تولى الثقافة لتصادف وجوده في تنظيم عسكري قام بثورة فأصبح مسؤولا بحكم الظرف أو الصدفة، بل كان صاحب مشروع ثقافي نابع من إيمان بأهمية الثقافة متكاملة العناصر في بناء الإنسان المصري والعربي، ولم ينس عكاشة -رغم كل ما تولاه من مناصب- أن يقدم منتجه الخاص في مجموعة من المؤلفات الفكرية والثقافية، بلغت أكثر من خمسين كتابا وموسوعة فنية منها: (الفن المصري) وهي موسوعة متعددة تضمنت كتابا لكل من العمارة، النحت، التصوير، الفن السكندري والقبطي، الفن العراقي ، التصوير الإسلامي الفارسي والتركي،  فنون عصر النهضة، القيم الجمالية في الفن الإسلامي، وقد ترجمت من مؤلفاته عدة كتب إلى الفرنسية والإنجليزية، ويظل عكاشة النموذج لما يمكن أن نتطلع إليه في وزارة ثقافة لدولة تسعى لبناء ذاتها ومستقبلها.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان