“الروشتة” القاتلة لتحرير الاقتصاد السوداني!

تمضي الأوضاع الاقتصادية في السودان بوتيرة كارثية، لا يوجد وصف أقلّ من ذلك، حيث يعاني نصف السكان تقريبًا الفقر والبطالة والجوع ونقص الغذاء، بشكل أجبر آلاف الأسر على الهجرة، لعلهم يجدون في الأرض مُراغمًا وسَعة، بعد أن كفروا بوطنهم، الذي بات مثل كمبوديا في منتصف سبعينيات القرن الماضي، حين استولى عليها (بول بوت) ورفاقه، وأعلنوا تغيير عداد التاريخ، لعيش شعبها التعيس في ما عُرف بـ”السنة صفر”.
سنوات العزلة
لنحو ثلاثة عقود تقريبًا شكلت العقوبات الأمريكية أحد الأسباب الرئيسية لتدهور الأداء الاقتصادي السوداني، فعزلت البلاد عن النظام الاقتصادي العالمي ومؤسساته المالية، وبات من غير الممكن استخدام الشبكات المصرفية في التحويلات الخارجية، وحالت أيضًا دون الوصول إلى قطع الغيار اللازمة لخطوط السكك الحديدية والطائرات والمصانع، وأعاقت قدرة السودانيين على الاستفادة من التقنيات الحديثة. ومع ذلك لا يوجد سبب منطقى لهذا التدهور، في حال تجاهلنا معركتنا مع التخلف، لأن السودان لا يزال بالطبع بكرًا، تخترقه الأنهار الدائمة والموسمية، أرضه خصبه، يسبح في بركة من الثروات البترولية والمعدنية، حتى إنه كان ذات يوم مُرشحًا ليصبح سلة غذاء العالم، مما يعني وجود أصابع خفية تعمل بجد لتدمير هذا البلد، وعدم انتفاعه بموارده، وإفراغه من السكان، تمهيدًا لسيناريو آخر، قد يكون إعادة الاستعمار، وتوطين شعوب أخرى في هذه الأرض المأزومة بنخبها وساستها وجيوشها.
الروشتة القاتلة
بدأت المرحلة الأولى للتدمير بالحصار الاقتصادي ووضع السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب، ثم أُحكِم الرباط الخانق حوله بدعم حركات التمرد وتحفيز النزعة القبلية، وإشعال بؤر العنف في الهامش قبل الانقضاض على المركز، وتجريب كل أنواع الفوضى من انقلابات عسكرية وتدخلات دولية وديمومة الاضطرابات، ودفع الحكومة إلى رفع الدعم عن السلع الاستراتيجية كالقمح والوقود والدواء، دون حماية للشرائح الفقيرة، فقط الاكتفاء ببرنامج (ثمرات) الذي يموله صندوق النقد الدولي، ويوفر خمسة دولارات لكل شخص مؤهل في البداية لمدة ستة أشهر، رهنًا بتوافر التمويل، وهي بالكاد تغطي الفاتورة الشهرية لحليب الأطفال، وهذا -لعمري- من قواصم المروءة والكرامة، ومع ذلك توقفت ثمرات دون أن تُثمر، وتركت الحكومة الانتقالية في حيرة من أمرها، قبل أن تختار حكومتنا (الحيطة القصيرة) وهى التضحية بالمواطن والمواصلة في سياسة التحرير وإنفاذ روشتة البنك الدولي، لا تعبأ بشيء، بعد أن اتخذت إجراءات صادمة، وُصفِت بالحزمة الإصلاحية التي لا مفر منها.
من المعروف أن برامج صندوق النقد الدولي معنيّة في الغالب بمؤشرات متعلقة بالاقتصاد الكلي، لا تهتم بالتبعات الاجتماعية لتلك الوصفات، ويعمل الصندوق بمكر على خنق السودان، عبر وعود زائفة بإعفاء الديون ومنح القروض وتبادل الخبرات، مقابل بيع مؤسسات القطاع العام وخفض الإنفاق الحكومي، بينما لا تملك الحكومة السودانية خطة للسداد، وتقوم بتوفير الموارد المتاحة فقط من فرض الضرائب وزيادة التعرفة الجمركية ورهن كل شيء. والنتيجة مزيد من التدهور والتضخم، خدمات الصحة والتعليم لا تطاق، الوظائف ذهبت مع الريح، وبالتالي ستأتي لحظة الانقضاض دون أي مقاومة للعدو الغاصب وأحلامه التوسعية، لا سيما أن العالم يشهد زيادة مطردة في السكان، لدرجة أنه خلال عقود قليلة قد يصل إلى 11 مليار نسمة. وفي الوقت ذاته، ثمة نقص واضح جدًّا في الأراضي الزراعية، بعد أن شاخت أراضي أوروبا بالزراعة عبر قرون طويلة واستخدام المواد الكيميائية، لذلك ظهرت في العالم أزمة غذاء ونقص في الأراضي الزراعية، وشح في المياه، والبديل المحتمل لا شك أنه السودان، بعد تفتيته وإشاعة اليأس بين أهله.
من وراء الفشل؟
يطرح دارون أسيموجلو وجيمس روبنسون في كتابهما (أصول السلطة والازدهار والفقر) السؤال التاريخي: لماذا تفشل الأمم؟ ويشيران إلى فرضية المناخ والجهل، بمعنى أن خبراء الاقتصاد والحكام لا يدركون الطريقة التي نجعل بها دولتنا غنية، وقد استعانوا بالنصيحة والمشورة الخاطئة، بينما الدول الغنية تصبح غنية لأنها وضعت سياسات أفضل، واستطاعت أن تتخلص بنجاح من إخفاقات السوق، مؤكدًا أن الدول تنجو فقط من شبح الفقر عندما تمتلك مؤسسات اقتصادية فاعلة ويكون لديها نظام تعددي. وقد وصل الكتاب إلى خلاصة مهمة، وهى أن الأمم تفشل اقتصاديًّا بسبب المؤسسات الاستحواذية المستخلصة للثروات، ولعل أساس هذه المؤسسات يتمثل في نخبة تعمل لأجل إثراء نفسها واستدامة قوتها وسلطتها على حساب الغالبية العظمى من الشعب.
ظلت الرأسمالية المتوحشة المتحللة من أي قيود تتربص بهذا البلد لعقود، وظل عرّابوها في مدرسة شيكاغو بقيادة ميلتون فريدمان كما ذكرت (ناوومي كلين) يتصيدون الأزمات الكبرى، يبيعون حطام الدول المأزومة إلى لاعبي القطاع الخاص ذوي الحظوة، وفي حين يظل المواطنون يلعقون جراحهم جراء الصدمة، يمرر الفريدمانيون “إصلاحاتهم” بسرعة لتصبح واقعًا دائمًا.
الكتاب الذي طالعه البشير
قبل عزله من الحكم سُئل الرئيس السوداني عمر البشير في برنامج تلفزيوني عن الكتاب الذي احتفظ به لفترة طويلة، فأشار دون تردد إلى اعترافات القرصان الاقتصادي جون بيركنز في كتابه ذائع الصيت (الاغتيال الاقتصادي للأمم). استفاض البشير حينها شارحًا حجم المؤامرة والألاعيب الاقتصادية التي تُحاك ضد دول العالم الثالث كما حواها ذلك الكتاب، من بينها بالطبع السودان، حيث تجاوز الدين الخارجي 50 مليار دولار، أصل الدين أقل من ذلك بكثير والبقية فوائد، وتجسدت فعليًّا في بذل القروض التي يصعب سدادها، وخصخصة كل شيء، وترك الدول نهبًا للعائلات الثرية التي تسيطر على الموارد. لكن البشير رغم معرفته بحياكة المؤامرة فشل في منع سقوط السودان تحت يد القراصنة والشركات العابرة للقارات، وخلَف من بعده خلْف أضاعوا على السودانيين بلدهم، ولم يجاهدوا بأي وسيلة لمنع ذلك الانهيار، بل تورطوا فيه بصورة لا تغتفر، ولا يمكن بأي حال أن يكون بلد بكل هذه الموارد الوفيرة يعيش تحت خط الفقر، إن لم تكن ثمة مؤامرة أو عطب في مكان يستوجب الثورة والسخط العام.
