داود عبد السيد.. سينما المؤلف: حالة خاصة جدا

تسعة أفلام هي حصيلة إنتاج المخرج السينمائي المصري داود عبد السيد، طوال مشوار امتد من عام تخرجه من المعهد العالي للسينما عام 1967 حتى الآن، وكان آخر الأفلام التسعة فيلم (قدرات غير عادية) إنتاج 2014، وتستطيع أن تقول بكل ثقة إن سينما عبد السيد تنتمي إلى نوع خاص، مزج بين الواقعية وسحر السينما الشخصية، أو كما يسميها هو السينما الذاتية الشخصية.
فيلمان فقط من مجموعة أفلام المخرج قدمهما عن قصص أدبية قصيرة الأول: (الكيت كات) عن قصة الكاتب المصري إبراهيم أصلان وإنتاج 1991، وهو الفيلم الذي أحدث ضجة كبرى على المستويين الفني والجماهيري، ونال أربع جوائز سينمائية: جائزتان في المهرجان القومي للسينما: جائزة التفوق في السيناريو (داود عبد السيد نفسه كاتب السيناريو والحوار). وجائزة الإنتاج. كما نال الفيلم الجائزة الذهبية في مهرجان دمشق الدولي، وجائزة السيناريو في مهرجان الإسكندرية والبحر المتوسط، أما الفيلم الثاني فهو فيلم (سارق الفرح) عن قصة للأديب خيري شلبي إنتاج 1995، وقد نال الفيلم أيضا ثلاث جوائز في ثلاثة مهرجانات سينمائية هي: المهرجان القومي، ومهرجان دمشق، وجائزة الجمهور في مهرجان سورونتو في إيطاليا عام 1995.
سينما المؤلف
يؤمن عبد السيد بسينما المؤلف وهو ما يظهر من تأليفه ستة أفلام من مجموع أفلامه فيقول: “أنا لا أستطع إخراج فيلم لمؤلف آخر فالفيلم حالة ذاتية جدا”، لذلك كتب السيناريو والحوار لهذين الفيلمين، وإذا تأملنا الفيلمين، سنجد خطوطا كثيرة بينها، فالفيلمان تقع أحداثهما في مناطق شعبية، الكيت كات والمقطم، وستجد ملامح الشخصيات قريبة جدا من بعضها البعض، وكذلك الواقع الاجتماعي والاقتصادي.
نقل داود عبد السيد أحلام الناس وشخصياتهم وديكورات حياتهم إلى الاستوديو، فهو من المخرجين الذين يفضلون بناء الديكور والتصوير داخل الاستوديو، ورغم خروج الكاميرا بين الاستوديو والتصوير الخارجي في هذين الفيلمين تحديدا، فإنك لا تستطيع أن تجد فروقا في التصوير بين الخارجي والداخلي، وبين البناء وبين الحقيقة.
وفي فيلم الكيت كانت، كان لي فرصة حضور أيام في التصوير داخل استوديو جلال بحدائق القبة وهو المكان الذي تم بناء ديكور “الكيت كات” فيه، وكنت صديقا لأحد أبطال الفيلم فشاهدت الديكور وعشت فيه فترة طويلة.
في المهرجان القومي للسينما كنت مساعدا في رسالة مهرجان السينما فكانت فرصة لمشاهدة الفيلم ولقاء مهندس الديكور أنسي أبو سيف، وصاحب الموسيقى التصويرية في الفيلم الموسيقار راجح داود، والمفاجأة أن بداية ارتباط داود عبد السيد بالسينما كانت في استوديو جلال حينما ذهب مع قريب له كان يعمل في السينما في فيلم من إخراج أحمد ضياء الدين، وعندها قرر عبد السيد أن ينسى حلمه بالصحافة ليصبح مخرجا سينمائيا.
سينما داود
عالم البسطاء، كان عالم فيلمي داود المأخوذين عن قصتي أصلان وشلبي، أما أول أفلامه فكان فيلم الصعاليك عام 1985، وهو بين ستة أفلام من تأليفه هي (الصعاليك)، (البحث عن سيد مرزوق) 1991، (أرض الخوف) 2000، (مواطن ومخبر وحرامي) 2001، (رسائل بحر ) 2010، (قدرات غير عادية) 2014، أما الفيلم الوحيد الذي أخرجه عبد السيد وليس من تأليفه فكان (أرض الأحلام ) من تأليف هاني فوزي، والمدهش فيما قدمه عبد السيد أن ثمانية أفلام من التسعة حصلت على جوائز سينمائية في مهرجانات مصرية وعربية ودولية، فكل ما أخرجه حصل على جوائز فيما عدا فيلمه الأخير (قدرات غير عادية) .
لدواد عبد السيد حالة خاصة إذ يقدم سينما واقعية، ولكن بإحساس سينمائي مختلف، وعندما تشاهد فيلما مثل أرض الأحلام، وهو فيلم يتناول أحداث رأس السنة الميلادية من خلال سيدة تنهي حياتها في مصر، وتستعد للهجرة إلى أمريكا حتى تحقق حلم أبنائها في هذه الهجرة بحسب رؤيتها..
يضيع جواز السفر منها ليلة الرحيل، وتبدأ رحلة البحث عنه ليلة الأول من يناير، فتكون رحلة الفيلم مع (نرجس بطلة الفيلم) في القاهرة.. ستلاحظ فرقا كبيرا بين تلك الليلة المليئة بالمشاعر الإنسانية الراقية حول المكان والشخصيات والأحداث وبين ما قدمه مخرج مثل عاطف الطيب، الذي تناول نفس الليلة في فيلمه (ليلة ساخنة). الفروق هنا في شخصية المخرج، فعاطف أحد أهم مخرجي السينما الواقعية المصرية، بينما واقعية عبد السيد ذات سحر خاص به فقط (الواقعية السحرية) وهذا لا يعني بكل تأكيد أن الطيب ليس صاحب مدرسة خاصة جدا.
الملاحظة الأخرى في سينما عبد السيد، هي اهتمامه بالشخصيات في أفلامه، فكل شخصية هي علامة، إذ يقول إنه يكتب شخصياته بكل مشاعره، فلا تستطيع أن تنسى شخصية (الشيخ حسني) في الكيت كات، ولا شخصية (يحيى أبو دبورة) في فيلم أرض الخوف، ولا (أبو ركبة)، وكذلك (الدكتور يحيي) في فيلم رسائل بحر، و (سيد مرزوق) في فيلمه البحث عن سيد مرزوق.
رغم هذه العلامات فاهتمام عبد السيد بتفاصيل كل شخصية من شخصيات أفلامه دقيق جدا مهما كان حجم دور هذه الشخصية، لذا لن تجد في أي فيلم شخصية لا تترك علامة متميزة على الشاشة.
ملمح أخير من ملامح سينما عبد السيد قليلة العدد كبيرة التأثير هو الموسيقى والغناء، فشريط الصوت الموسيقي والغناء في أفلام عبد السيد غني جدا، ولعلنا في الغناء لا ننسى سحر الغناء في فيلم مثل (سارق الفرح) الذي تشعر معه متعة السينما الغنائية مع جمال التصوير والإضاءة والديكور، أما الموسيقى التصويرية في كل أفلام داود عبد السيد فإنك أمام حالة سحرية أخرى.
