في الصين … كنت صديقا لـ “الذئاب المحاربة”

الرئيس الصيني

كلما اقترب موعد دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في بيجين، زادت سخونة المعارك المستعرة بين الصين ودول وناشطي حقوق الإنسان في العالم. فقد استغل الناشطون احتفال الأمم المتحدة باليوم العالمي لحقوق الإنسان ونظموا في 10 من ديسمبر/كانون الأول الجاري تظاهرة واسعة طافت بمدينة السينما العالمية هوليود، تحت شعار” لا حقوق، فلا ألعاب”، لدعوة الدول واللاعبين والجمهور إلى مقاطعة الدورة الأولمبية.

احتج المتظاهرون على عمليات التطهير العرقي التي تشنها الصين ضد قبائل الإيغور المسلمين والقضاء على الحياة الديمقراطية في هونغ كونغ، وانتهاكات حرية التعبير وحقوق الانسان داخل الصين. بعد انتشار الأخبار على وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، اتفقت القنصلية الصينية في نيويورك مع شركة VIPPI للعلاقات العامة بمقرها في نيوجرسي يوم 14 من ديسمبر/كانون الأول، على تنظيم حملات إعلامية واسعة، للرد على تلك الحملات، عبر توظيف منصات المشاهير في الولايات المتحدة وحساباتهم الخاصة على TikTok   وInstagram   وTwitch. ستتولى الشركة الأمريكية نشر 24 منشورا إعلاميا يركز 70٪ منها على مواجهة المؤثرين على مقاطعة أولمبياد بيجين، بعد إعلان بايدن مقاطعة الأولمبياد رسميا، و20٪ تعمل على دعم العلاقات الصينية الأمريكية، و10٪ لنشر معلومات عن القنصلية الصينية ذاتها.

يبدو الأمر طبيعيا حتى هذه النقطة، حيث تسمح القوانين الأمريكية بأن توظف أية دولة أو شركة أجنبية شركات العلاقات العامة التي تضم في الغالب شخصيات سياسية وإعلامية وأمنية بارزة، لتحسين صورتها أو القيام بضغوط سياسية من خلال مجلسي الشيوخ والنواب والصحف ومراكز البحوث، لصالح هذه الدول، طالما هناك إفصاح عن هذه الأعمال، ومعرفة الدولة لكل الحسابات المالية والأهداف السياسية من ورائها. ورغم غياب تلك القوانين في مصر والدول العربية، أعترف بأنني شخصيا من خلال شركتي الإعلامية التي أغلقتها، مارست تلك الأعمال للترويج لكثير من السياسات والمشروعات الصينية الشهيرة في مصر وبخاصة زيارة الرئيس الصيني شي جينبنغ للقاهرة يناير 2016، ومؤتمر قمة دول العشرين بمدينة هانغتشو في العام نفسه٫ وأنتجنا العديد من الأفلام الوثائقية والمنشورات الإعلامية، لصالح السفارة الصينية بالقاهرة ووسائل إعلام وشركات صينية مملوكة للدولة. حققت هذه الأعمال، مكاسب مالية ضخمة، على مدار 6 سنوات، تخطت ما حصلت عليه هذه الشركة الأمريكية بمراحل.

رغم غياب القوانين المنظمة لتلك الأعمال في مصر، جرى التنسيق الكامل مع الأجهزة السيادية بالدولة، لتراقب مراحل الإنتاج والمصروفات، حرصا على عدم ارتكاب أية مخالفة تضر بالأمن القومي المصري. فلم نجد غضاضة في هذه الأمور، أسوة بما تفعله الشركات الأمريكية وغيرنا من المؤسسات الإعلامية بالقاهرة ولاسيما المملوكة للدولة، إلى أن ظهرت في الأفق أمور جعلتنا نتوقف عن ذلك تماما، بعد أن أسندت الصين الإشراف على هذه المهام لمجموعات الدبلوماسيين وأعضاء الحزب الشيوعي، الذين كنا نطلق عليهم لقب” صقور الدولة”، فإذا بهم ينتهجون ما أصبح مشهور دوليا بـ ” دبلوماسية الذئب المحارب” الذي أشرنا إلى أحد رموزه في المقال السابق وهو السفير زهاو لي جيان المتحدث باسم الحكومة الصينية.

 

مكانة الصين

 

لقد وضع الرئيس الصيني شي جينبنغ، رؤية لصين المستقبل تستهدف “استعادة مكانة الصين المفقودة كواحدة من أعظم القوى في العالم”. وتري الصين من خلال هذه الرؤية أن “وقتها قد حان لقيادة العالم، بحلول عام 2049، بعد أن أيقنت أنها ستكون أكبر اقتصاد كوني بحلول عام 2030. تعلم الصين أن كثيراً من الأمور مازالت تنقصها لقيادة هذا العالم. ناقشنا ذلك مع العديد من الخبراء والمسؤولين هناك، ورغم أنهم على يقين بهذا النقص، فإن التعليمات تأمرهم بعدم التحاور حول هذه “الأفكار المحبطة”. فالذئاب المحاربة، التي تولت الإدارات السيادية في الدولة، تستعين بغلاة القوميين والشركات العسكرية للسيطرة على الاقتصاد وإحكام قبضتها على الإنترنت، وملاحقة الحريات، مع دعم برامج سباق التسلح والسيطرة على مناطق حيوية في العالم. بدأت هذه المجموعة حربها ضد كل الرافضين في الداخل والخارج تنفيذ خطة الرئيس عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي. وجدنا أننا سنصبح جزءًا من أسلحة إدارة الصراع فيما يسمى بـ “مرحلة ما بعد الحرب الباردة” وما علينا إلا الانصياع للتعليمات، التي تأتي من بيجين حيث خصصت الدولة مليارات الدولارات للإنفاق على الإعلام الدولي. أصبحنا أمام أمرين إما الاستمرار في العمل وفقا لإرادتهم أو التوقف، مع توقع كارثة مالية، بعدما تعارض ما سنكلف به مع ضمائرنا وما اتفقنا عليه في بداية تعاوننا، بأنه لا مساس بالمسلمين وأن تعمل الصين على تقديم نموذج ديمقراطي إنساني، يصلح للافتخار به والترويج له، للحد من قيام أنظمة فاشية أو انقلابات عسكرية تهدر موارد الشعوب.

 الدعاية للصين

 

انسحبنا من المشروع الإعلامي الصيني العام الماضي، بعد أن خرج عن مساره “حلم دولة اشتراكية قوية ديمقراطية متحضرة ومتناغمة وحديثة” الذي ضاع كل أثر له مع كارثة الوباء كوفيد 19. أفصحت الصين تحت سطوة “ذئاب الحرب” عن أنيابها في مواجهة من هاجموها بسبب عدم إبلاغها عن الحالات الأولى لانتشار الوباء، بما نشر العدوى في أنحاء العالم. بدأت الدولة توظيف الدبلوماسيين والإعلاميين بإنشاء حسابات لهم على ” تويتر وفيس بوك”. وتشير دراسة لجامعة أكسفورد إلى انشاء 84 دبلوماسيا ومسؤولا صينيا حسابات على تويتر وفيسبوك بالإضافة إلى 95 حساباً إعلاميا عام 2020 فقط.

استخدمت هذه الحسابات لنشر روايات الصين حول العالم. وتولت حسابات الدولة وفقا للدراسة التي نشرها معهد CSIS للدراسات السياسة والاستراتيجية الأمريكي، كتابة 29 ألف و400 تغريدة، في أبريل 2020. ظلت هذه الحسابات تغير نهجها من نشر الإيجابيات التي تنفذها الحكومة إلى أن تحولت إلى رأس حربة ضد الدول والأفراد الذين ينتقدون الصين. تخطت ” الذئاب المحاربة ” الأمر بأن نشرت معلومات تظهر أن مرض “سارس” نشأ في إيطاليا وأن كوفيد 19 جاء من مختبر بيولوجي عسكري أمريكي، ولاحقت المسؤولين في منظمة الصحة العالمية بأخبار كاذبة بعد إعلانهم أن الصين لم تكن متعاونة مع خبرائها في التعرف على الأسباب الحقيقة لوجود الوباء في منطقة “ووهان” حيث ظهر هناك لأول مرة. الدعاية المزيفة دفعت شركة ” غوغل” إلى وقف 2500 قناة يوم 6 من أغسطس/آب 2020، لنشرها معلومات مضللة على منصة الفيديو خاصتها، خلال الفترة من أبريل إلى يونيو/حزيران 2020، ثبت أن مصدرها قنوات حكومية ونصوص للدعاية السياسية سبق أن نشرتها الدولة عبر الإنترنت.

بدأ العالم ينتبه لتوظيف الصين لوسائل الإعلام ومواقع التواصل الأجنبية من أجل السيطرة على الجمهور في أنحائه، ونشر أخبار مضللة عما تفعله ضد الناشطين وتكميم الأفواه في هونغ كونغ، وفيديوهات مصنوعة” مفبركة” عن المسلمين الإيغور انطلاقا من داخل الصين التي تحرم استخدام هذه الوسائل داخل أراضيها. وفي نفس الوقت تشن الصين حملات إلكترونية من بيجين وعبر الشركات الوسيطة في الخارج، ضد الشركات والشخصيات التي لا تنصاع للأوامر الرسمية أو تهدد بمقاطعة الأولمبياد أو البضائع التي تنتج في معسكرات التعذيب والعمل القسري في مناطق الإيغور.

جيوش مواقع التواصل

وقعت مفاجأة كبرى في20 من ديسمبر/كانون الأول الحالي، حيث حصلت جريدة “نيويورك تايمز” على مستندات تظهر إسناد الحكومة لمقاول خاص، فاز بمناقصة للعمل مع فرع مكتب الأمن العام بقسم شرطة شانغهاي. يستهدف الاتفاق على إغراق وسائل التواصل الاجتماعي العالمية بحسابات مزيفة تستخدم روبوتات وشخصيات يصعب تتبعها عبر الإنترنت تصنع محتوى تلقائيا، حسب الطلب على “توتير وفيس بوك، لدعم الأجندة السياسية للحكومة، بشرط أن يبدو ذلك صادرا من أشخاص حقيقيين، يزيد عدد متابعيهم دوريا”. وتهدف الحملة إلى ” تلميع صورة الحكومة ودحض الاتهامات التي تطالها، حول انتهاكات حقوق الإنسان. حددت الحكومة الأسعار التي ستدفعها لتسجيل الحساب على منصات التواصل الاجتماعي الأجنبية بمبلغ 5000 يوان للحساب الواحد شهريا للرسائل، وفي حال إنشاء مقاطع فيديو يحصل على 40 ألف يوان شهريا.

لم تكتف الصين بالجيوش الجرارة من كتائب الحرب الإلكترونية، أعضاء الحزب وداخل الجهات العسكرية التي صدرت أفكارها للأنظمة الديكتاتورية العربية، بل وظفت قدراتها التكنولوجية والمالية الهائلة في إجبار الشركات الأجنبية وبخاصة عمالقة الإنترنت الأمريكية على الخضوع لتعليماتها. فقد أمرت فيس بوك يوم 17 من ديسمبر/كانون الأول الجاري، بملاحقة الدكتور لي منغ يان، الذي فر إلى الولايات المتحدة بعد نشره عن كيف نشأ وباء كوفيد في ووهان، بكتابة تحذير على ما ينشره يدمغه بأنه “زائف جزئيا”. وطلبت من فيسبوك مساعدة النظام الشيوعي على فرض رقابة عن المبلغين عن مخالفات الوباء، رغم حظرها التطبيق داخلها إلا على النخبة التي تحددها أجهزة الأمن.

وشهد موظفون، من موقع ” تيك توك” في حديث مع جريدة الغارديان البريطانية مؤخرا، أنهم تلقوا تعليمات من إدارة شركتهم الأم في بيجين “بايت دايتس” لتمكين السلطات من متابعة حسابات العملاء، وتوظيفهم في عرض محتويات مضللة، وأخرى لمنع أية معلومات عن مذابح ” تيانمين” أو استقلال التبت.

وأمرت الصين “أمازون” الشهر الحالي بحذف التقييمات التي يضعها العملاء على مشترياتهم وبخاصة الكتب، بعد أن ظهرت تعليقات على كتاب “حوكمة الصين” الذي ألفه الرئيس شي، منحته أقل من 5 نجوم، لأن الرئيس في نظرهم، لا يخضع للتقييم ولا يجب أن يمنح أقل من درجة “ممتاز”، وبالتالي أزيلت التعليقات من محتويات أمازون بقرار من الدولة. وسبق للصين أن أجبرت ياهو وغوغل ولينكد إن على الخروج من أراضيها بعد رفضهم منح أجهزة الأمن بيانات العملاء.

في الوقت نفسه لاحظنا انتشار مقاطع فيديو لأهم ” اليوتيوبرز” ولباحثين عرب يروجون للصين هذه الأيام، ولهذا الحديث بقية.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان