المَلِك هو المَلِك .. السلطان هو القفطان!

الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم

وقف الملك في جانب قاعة الحكم يصرخ: أنا مجنون.. أم أصاب عقلي شيء، فالملك الذي اختار دمية من الشارع، يتسلى بها في لحظة ضجر وسأم، يقف الآن على جانب قاعة العرش لا يصدق عينيه ولا يستطيع عقله أن يستوعب أن كل أركان حكمه: القاضي وكبير (شاهبندر) التجار ومقدم الأمن، وحارسه الشخصي، والجميع لا يعرفون الملك القابع على العرش حاليا مزيف، بل يتعاملون على أنه الملك الحقيقي ولم يكتشف أحد اللعبة التي اخترعها إذ صار أبو عزة المغفل هو الملك!

تلك هي اللحظة الدرامية الكبرى في نص الكاتب السوري الكبير سعد الله ونوس (الملك هو الملك)، العرض الذي قُدّم على قاعة مسرح السلام بوسط القاهرة عام 1987، من إخراج مراد منير وبطولة صلاح السعدني والمطرب محمد منير.

عرض فؤاد نجم

استطاع أحمد فؤاد نجم الشاعر المصري، الذي رحل في مثل هذه الأيام قبل ثماني سنوات، أن يقدم عرضا غنائيا موازيا لنص ونوس المهم في تاريخ المسرح العربي، وقام بتلحين النص الشعري حمدي رؤوف، وأداه غنائيا محمد منير مع باقي أبطال العرض.
يبدأ العرض المسرحي بالملك يجلس على كرسي العرش وقد ملّ من طول سنوات حكمه، ولم يعد يهتم بشؤون الحكم ويقول:
لدي ضيق كلما فكرت أن هذه البلاد لا تستحقني.. أريد أن ألهو.. لدي ميل شديد للسخرية!
الملك يريد أن يخرج إلى المدينة متخفيا ليجد تسلية له، ويتذكر هذا الرجل الذي يحلم بالحكم لينتقم من القاضي وشاهبندر التجار اللذين ساهما في إفلاسه والحصول على ثروته، فصار غارقا في همه، لا يفكر إلا أن ينتقم منهما ويحلم أن يكون ملكًا. في نفس اللحظة التي كان الملك الأصلي يتململ فيها من الحكم، ويخلع رداء الحكم لهذا الصعلوك المغموس في الخمر طوال الوقت، وفي لحظة درامية تتبدل الأوضاع وتصبح اللعبة هي الحقيقة، وأبو عزة المغفل هو الملك ويتعامل الجميع معه على أنه الملك الحقيقي!
وبينما يخرج الملك من جلبابه وقصره، ينتقل الحدث إلى بيت أبو عزة الصعلوك: ها هو يحلم بتلك اللحظة التي يعتلي فيها العرش، ليبدأ رحلة الانتقام من الجميع.
واستطاع المخرج مراد منير أن يقدم عرضا من ثلاثة مستويات، بين ممثلي العرض، والرواة الذين يحكون الأحداث، ويشاركون أيضا بأدوار تمثيلية. أما المستوى الثالث فكان النص الغنائي الموازي، الذي أبدعه الشاعر المتمرد نجم.

موقع الشعب

على الجانب الآخر من الرواية، يبقى الشعب حيث الفقر والجوع وظلم قاضي القضاة، واستيلاء كبير التجار على معظم التجارة في البلاد بينما الناس في البلاد لا تستطيع أن تشتري طعامها اليومي، فتنتشر السرقات وأنواع الجرائم، ويحاول طرف آخر أن يجد طريقا للخلاص.
يبدأ ونوس في تفسير الوضع، وكيف تغيرت الحياة في المملكة من أناس بسطاء يحيون الحياة سهلة في بلدهم، إلى حالة الصراع على المُلك التي بدأها الأقوى والأكثر ذكاء؟ فتحكّم ثم أمعن في التنكر فصار ملكا.. وانطلق شعر نجم:
كان يا ما كان
كان دلوقت (الحين) وألا زمان
ما هو دلوقت زي زمان
كانوا جماعة في أرض وسيعة
فيها طبيعة
الأرض الصافية تبوح بساتين
ورد وياسمين
والناس عايشين بما يرضي الله
يصيح الناس كيف يمكننا التخلص من حالة التنكر؟ وكيف نُعيد للأرض الطيبة صفاءها ونعود إلى الطريق الصحيح؟
يا مصر وأنت الحقيقة
وأنت اغترابي وشقايا
وأنت الجراح الرهيبة
وأنت اللي عندك دوايا
علمني حبك عبارة
سهلة وبسيطة وعفية
شرط المحبة الجسارة
شرع القلوب الوفية.
يجلس الملك المزيف أبو عزة على كرسي الحكم ممسكا بالبلطة، رمز الحكم والقوة، بينما يسعى الملك الأصلي الذي أصابه مس من الجنون في استعادة زوجته، ولكن الملكة تخذله، إذ الملك هو من يرتدي ثوب السلطان حتى لو كان أبو عزة المغفل، فليس للملك سحنة، عندها يصرخ الملك: ماذا يدور؟
ينشد الراوي أحمد فؤاد نجم على لسان محمد منير:
الله يا دايم هو الدايم ولا دايم غير الله
آه يا زمان كداب يا زمان
في الحدوته وفي العنوان
دنيا مظاهر عايشه الظاهر
والسلطان هو القفطان.
يبدأ الملك الجديد عصره ممسكا بالبلطة فلا شيء يطهر الملوك سوى الدم، ولن يحمي الملك سوى الحديد، ثم يبدأ في إطلاق وعوده الجديدة حول المدينة الجديدة في الصحراء التي تضم كريمة المجتمع! (من لا يصدق يشاهد المسرحية!)، وإنشاء مناطق عشوائية للفقراء جديدة!
ويتنكر السلطان الجديد للجميع، ويُنكر ماضيه، ولا يتذكر ما فعله الشاهبندر ولا الشيخ ولا القاضي إذ هم أركان حكمه ولا يمكن التشكيك فيهم، بينما ينكر زوجته وابنته عزة ويهديها ببساطة شديده إلى وزيره. فقد تملك الخسيس! وينشد الرواي والمغني:
أمر من الصبر سألناك لغير مولاك
يصفر لونك وقليل إن سمح وعطاك
الندل صاحب قليل البخت واتوعدوا
يمشوا رفاقه بطول العمر ما يباعدوا
وفي الأصيل زي الغمامة بوعده
والندل غير طريقه.. والزمن أهو ساعده
ثم يصرخ الجميع:
يأ أما موويل الهوى يا أما مووليا
طعن الخناجر وإلا حكم الخسيس فيّ.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان