الأبواب المغلقة والباب المفتوح!

محمود سعد

باب الخلق

في باب الخلق وباب زويلة وباب النصر (أحياء قاهرية شعبية) توجد عوالم تحمل في طياتها ووجدانها معاني تستمدها من حضارة السنين وتجسد القدرة الشعبية على البقاء والبناء والحياة.

المحبة والتمسك بقيمة الحياة هي الضمير الذي يعيش في شخصيات تقابلها يوميا على بوابة مسجد أو تحت مظلة سبيل أو في دكان يبيع صحفا قديمة.

لا تتعجب عندما ترى رجلا في منتصف الستينات من عمره يصنع فخارا أو سجادا أو يرسم صورة بالأبيض والأسود على لوحة ليبيعها للمارة الذين لا يعرونه اهتماما.

إذا اقتربت منه وسألته: أنت لا تبيع؟

يجيبك الإجابة الخالدة، وهل ينسى الخالق مخلوقه؟

في روايته الجميلة ” زهرة أرمينيا الجميلة” يرسم الفنان المصري والكاتب عبد العزيز السماحي حكاية واحد من هؤلاء الذين يصنعون براويز للصور وينام في محله الصغيرة في باب اللوق في وسط مدينة القاهرة وفي لحظة ممطرة عنيفة في ليلة ينايرية قاهرية تأتيه سيدة أرمنية عجوز جاءت القاهرة منذ سنوات تطلب أن يصنع لها براويز لمجموعة صور لديها.

عندما يذهب إليها في منزلها يكتشف لماذا تحملت العجوز مصاعب تلك الليلة من أجل أن تصنع بروازا للصور. إذ يجد الشاب نفسه أمام عالم وتاريخ، تأخذه إليه العجوز لتغيير مسار حياته كاملة.

في حياة الأحياء الشعبية وبين شخصياتها تجد عوالم تعطي للحياة قيمة ومعنى تزرع في وجدان المتلقي أو المستمع أو المشاهد قدرات المقاومة والتمسك بالحياة والسعي.

شخصيات تمتد عبر قرون بعيدة وتستغرب كيف لهذا الشخص الذي قد يكون بلا تعليم كل هذه الحكمة والقدرة على الفهم، وكيف يصنع بملامحه التي أدماها الشقاء هذا الأمل والطموح والشجاعة في مواجهة الحياة.

لذا لم يفاجئني إيقاف برنامج” باب الخلق” للإعلامي المصري محمود سعد رغم أنه برنامج بسيط بعيدا عن السياسة وخلافاتها ومشاكلها، لكنه يحمل في طياته الكثير من القيم التي لا تتناسب مع قيم مجتمع جديد يبني ناطحات سحاب في قلب صحراء متباينة الأطراف شاسعة المساحات و تجعلك تتساءل: لماذا نناطح السماء وفي الأرض متسع لبناء أجمل و أكتر اتساعا و براحا؟!

باب الخلق برنامج يخلق عوالم إنسانية في عالم بدأ وكأنه يفقد إنسانيته وتشتد أزماته ويعاني حالات انتحار يومية نتيجة لغياب الترابط الإنساني.

ابتعد محمود سعد عن السياسة كما ابتعدت الإعلامية مني الشاذلي ببرنامج يغلب عليه الصفة الترفيهية، بينما غابت الإعلامية ريم ماجد والإعلامية دينا عبد الرحمن عن الشاشات المصرية بفعل فاعل لم يرق له برنامج “باب الخلق” أيضا فأغلقه.

حاول محمود سعد أن يجد عالماً آخر فذهب إلى العالم الذي لا ينضب معينه أبدا: عالم الناس البسطاء عالم “عم بطاطا ” الذي يقول عنه الشاعر المصري جمال بخيت

عم بطاطا يقول الراوي

خبي الحكمة في جيب الحاوي

غصب عنه يقف يتكتف

بس بكيفه يفك أحبابه.

باب طرة

ليلى سويف أستاذه بكلية العلوم جامعة القاهرة سيدة تجاوزت السبعين أم لشاب يعاقبه نظام على ثورته في يناير اسمه علاء عبد الفتاح.. شاب ناجح في مجاله كمهندس برمجيات كان يعيش حياته ناجحا لكن حلم ككل المصريين بالحرية والعدالة والديمقراطية.

ليلى سويف أم لفتاة تربت في منزل يحمل أحلام وطن، وأب عاش حياته مدافعا عن الإنسان وحقوقه (أحمد سيف الإسلام) ودفع أثمانا باهظة وأم تحمل احلام الوطن، وتُعاقب الابنة في سجن آخر في القناطر الخيرية غير سجن أخيها سجن طرة مشددة عقابا لها على مشاركتهم جميعا الحلم بالحرية..

وبين باب طرة وباب سجن القناطر تعيش ليلي سويف تحاول أن تطمئن على ابنها وابنتها

وبينما حملت الأخبار منذ أسبوعين أنباء عن حالة علاء السيئة وتهديده بالانتحار فكان لازما على السيدة ذات السبعين عاما أن تحاول الاطمئنان على ابنها.

ثلاث أيام وليال تنتظر الام على باب سجن طرة المغلق لتحصل على خطاب يطمئن قلبها على فتاها الذي لا تدري لماذا تعانده الدولة وتعاديه لهذه الدرجة؟!

ولا أحد يعطي لليلى سويف إجابة ولا رسالة ولا خطاب يطمئن قلبها المتعطش لكلمة واحدة ” أنا بخير”.. باب مغلق ولا مجيب!!

الباب المفتوح “باب الله”

قابلته في محل صغير في مدينة في إسطنبول رجل يقف بجوار مجموعة من الأجهزة الكهربائية ألقيت سلاما.. رد عليا بلهجة مصرية متميزة.

رجل تخطي الستين بثلاث سنوات اسمه (رضا) هذا اسمه الحقيقي.

رضا مهندس مصري تخصصه هندسة مدنية عمل في مصر والسعودية وقطر وليبيا والآن يعيش في إسطنبول يعمل بصيانة الأجهزة الكهربائية منذ سنتين جاء إلى المدينة الجديدة.

سألته: تغربت كثيرا وعشت في بلاد غنية ومؤكد أنك لا تحتاج العمل في هذا السن؟

-قال إن والده ظل يعمل حتى سن المئة وقد تعلم منه أنه لا عمر للعمل ولا عمر للتعليم.

-غيرت المهنة وانتقلت من خانة مهندس مدني يشار له بالبنان في دول عديدة وتعمل في مهنة جديدة عليك..

-تعلمتها عن طريق الإنترنت لأجل ألا أكون عاطلا، ومن أجل أولادي وتعليمهم أحاول الحصول على تعليم أفضل لهم، لا تسألني عن الرزق فنحن جميعا على باب لا يغلق أبدا.. على باب الله..

قلت له ألا تحلم بالرجوع لمصر؟

قال ” مصر بلدي لا أحد يستطيع أن يمنعني منها وحينما يشدني حنيني لها سأعود في تلك اللحظة ولا اتأخر عنها لكني هنا باحثا عن المستقبل!

وعندما رأي علامة التعجب قال دون أن أسأل: “سأظل أعمل حتى الوفاة .. أمنيتي أن ألقى ربي وأنا أقف أعمل”

وهنا تأكدت أن من أغلق باب الخلق يعرف مدى خطورة مثل هذا البرنامج عليه وتيقنت أن معاناة علاء عبد الفتاح وغيره الآلاف من الشباب في السجون ليست محض صدفة بل إغلاق لأبواب الحرية.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان