“رشيد”.. قصة معركة أسقطت هيبة بريطانيا العظمى

مئذنة مسجد زغلول التي انطلق منها نداء الهجوم على الانجليز

تتجدد هذه الأيام ذكرى انتصار مدينة “رشيد” المصرية الصغيرة، واستبسال أهلها، في المقاومة والدفاع عنها، وهزيمتهم للحملة العسكرية الإنجليزية، المعروفة باسم ” حملة فريزر”، وإرغامها على الانسحاب، يجللها عار الهزيمة.. ليرحل آخر جنودها من مصر يوم 19 سبتمبر/أيلول عام 1807م، وهو ما أسفر عن إعاقة وتأجيل الاحتلال الإنجليزي لـ “مصر”، 75 عاما كاملة، إذ عاد ثانية لاستعمارها عام 1882م.

جاء انتصار رشيد، في ظل اضطراب يُعم البلاد، فقد كان والي مصر محمد على، منهمكا في حربه مع المماليك في الصعيد، والدولة العثمانية صاحبة السيادة على البلاد، بدورها تعاني الهوان، ولا تملك أو لا تريد التصدي للإنجليز.

  الطوق البحري الإنجليزي وعصر نابليون

“معركة رشيد”، قصة تستحق أن تروى، فقد جاءت في سياق الصراع البريطاني الفرنسي لاستعمار العالم والسيطرة على طرق المواصلات بين الشرق والغرب قبل حفر وتشغيل قناة السويس.. إذ نجحت بريطانيا في احتلال جنوب أفريقيا عام 1806م، وظلت بها حتى عام 1961م، وسيطرت منها على طريق “رأس الرجاء الصالح” الجنوبي، ثم، جاءت حملة فريزر على رشيد (1807م)، للسيطرة على الطريق الشمالي البديل، بين أوربا والهند، عبر مصر، بغرض حرمان فرنسا من العبور منه، وخنقها بحريا وبالتالي حربيا وتجاريا.

وهنا أستعير وصف الدكتور السيد فليفل، المشرف على المراكز العلمية، بدار الكتب والوثائق القومية المصرية، لمعركة رشيد باعتبارها معركة دولية، بقوله: “كأنما المدينة الباسلة (رشيد) قاتلت معركة مزدوجة.. فداءً للوطن من ناحية، وفك الطوق البحري البريطاني عبر البحرين المتوسط والأحمر عن فرنسا، مدشنة عصر نابليون بونابرت، والتفوق الفرنسي في القارة لعقد من الزمان، ولعل هذا ما قد يفسر جانبا من ولع الفرنسيين بمصر وإيمانهم بمكانتها، ناهيكم عن قول نابليون، بأنها أهم موقع في العالم” (1).

 الحضارة الميكانيكية والوثائق البريطانية

وقد سارت حملة فريزر على شاكلة حروب الاستعمار في القرن التاسع عشر، وهي حروب يميزها عالم الجغرافيا الراحل الدكتور جمال حمدان (1928- 1993م)، عن صراع العصور القديمة والوسطى التي كانت بين زُراع ورُعاة، بأنها “صراع بين صُناع، وزُراع.. بين الحضارة الميكانيكية، والحضارة البدائية.. بين العصر الصناعي والحجري أحيانا.. المدفعية المدرعة مقابل القوس والسهم، ومن ثم فقد كان الفارق رهيبا، والنتيجة محسومة” (2).

وعلى غير توقع، فإن أهالي رشيد أهانوا كبرياء الإنجليز ملكا وبرلمانا وجيشا، حسبما رشح عن الوثائق البريطانية، ونُقل عن القنصل البريطاني العام في مصر (ميست)، حينذاك قوله: “إن العالم بأسره ستعتريه دهشة بالغة حين يسمع أن مدينة مثل رشيد قد استعصت على جيش أوري حديث” (3)، وهو عين المعنى الذي قصده جمال حمدان تقريبا، بعبارات مختلفة.

ولم يذهب الجنرال ماكنزي فريزر قائد الحملة الإنجليزية، عن هذا المعنى بعيدا، حين قال في تقريره إلى وزارة الحرب البريطانية: “إن الهزيمة أمام الأهالي في رشيد، كانت ضربة قاسية غير متوقعة أصابت الإنجليز” (4).

معبد آمون والصدام مع الملك نارمر والأصل القبطي

تتبع مدينة “رشيد”، محافظة البحيرة، التي تحتفل سنويا بهذه المناسبة، وتشغل المدينة مساحة كيلو مترين ونصف الكيلو متر المربع فقط، على مسافة 260 كيلو مترا، إلى الشمال الشرقي من العاصمة المصرية (القاهرة)، ونحو 60 كيلو مترا من الإسكندرية.

وتتمتع المدينة بموقع فريد، على الضفة الغربية لأحد فرعي نهر النيل الذي يحمل اسمها، وعلى مسافة 12 كيلو مترا، من رأس مصب النيل، حيث عناق النهر مع البحر الأبيض المتوسط الذي يحدها من الشمال، وهي أحد زوايا المثلث الذي تشغله الدلتا بين القاهرة ودمياط ورشيد ذاتها.

وبحسب إبراهيم إبراهيم عناني عضو اتحاد المؤرخين العرب (5): “تتمتع رشيد بأهمية استراتيجية كبرى منذ أقدم العصور الفرعونية، حيث شُيد بها معبد للإله آمون يرجع إلى عصر الدولة الحديثة، كما أن تاريخها يرجع إلى ما قبل الأسرة الأولى من العصر الفرعوني، وزحف عليها الملك نارمر من الصعيد في ثورته الأولى من أجل توحيد الوجهين البحري والقبلي، واصطدم بأهل المدينة، وكانوا طائفة تُسمى “ريختو”، أي عامة الناس، وهذه الكلمة قريبة الشبه من الأصل القبطي لكلمة رشيت التي آلت إلى رشيد”.

السلطان سليم، والسفن المسيحية والقناصل والأجانب

وكان “ميناء رشيد في العصر العثماني، أغنى من ميناء الإسكندرية، ومفتوح طوال العام وله مدخلان: الشمالي للسفن المسيحية، والغربي للسفن الإسلامية، وقام السلطان سليم الأول بزيارة رشيد (1520م)، وأشاد بها، حيث أصبحت مدينة مزدحمة مأهولة بالسكان، وفيها تسهيلات أكثر من الإسكندرية” (6).

وقد “اعتنى العثمانيون برشيد بعد دخولهم مصر، وكانت حرية التجارة مكفولة للجميع، ما داموا يؤدون ما عليهم من ضرائب جمركية، لذلك شهدت رشيد وكلاء وقناصل وتجار من مصريين وعثمانيين وشوام ومغاربة وأجانب على اختلاف جنسياتهم” (7).

 فريزر والمُهلة للإسكندرية، وخورشيد والمماليك ومحمد علي

ويُستفاد من ورقة بحثية للدكتور عبد الله محمد عزباوي أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر (8): “بأنه عند مجيء فريزر، إلى الإسكندرية، فإن محمد علي كان هو سيد البلاد المطلق، بعدما انقلب على المماليك، المتحالف معهم، واستمال الزعامة الشعبية من العلماء والشيوخ (قيادة عمر مكرم نقيب الأشراف)، التي نجحت في إسقاط الوالي العثماني (خورشيد)، وتنصيب محمد على واليا، في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ مصر.. في ظل هذه الأجواء المضطربة، وبينما محمد على في حملة عسكرية للقضاء على المماليك في الصعيد، وصلت حملة فريزر( 16مارس عام 1807م)، وأمهلت حاكم الإسكندرية أمين أغا 48 ساعة للتسليم”.

وتضاربت روايات المؤرخين حول حاكم الإسكندرية أمين أغا، وما إذا كان قد سلم المدينة بدون مقاومة وقتال، أم أن الحامية لم يكن بوسعها القتال، لضآلتها حجما وتسليحا، مع تعذر وصول إمدادات حربية، خلال المهلة القصيرة المحددة بيومين.

قلعة السلطان، و منفتاح، والحجر، ووثيقة زواج مينو

عودة إلى “رشيد”، ومعلوم تاريخيا، توالى الحكام والقادة منذ الفراعنة، وعصر محمد علي رشيد، لزيارتها وإقامة التحصينات والاستحكامات الحربية بها، لكونها طوال تاريخها مستهدفة من الغزاة، وهو مما يصعب حصره هنا.. على سبيل المثال، فقد أقام السلطان المملوكي الاشرف قايتباي، عام 1478م، قلعة تحمل اسمه في رشيد، وهي القلعة نفسها التي عثرت بها الحملة الفرنسية على “حجر رشيد”، وقد اقيمت على أنقاض تحصينات دفاعية كان قد أنشأها أول مرة الملك منفتاح، من ملوك الأسرة التاسعة عشر، والملقب بـ “سليل الإله رع”.

وحديثا زار الرئيس الراحل جمال عبد الناصر يوم 19 سبتمبر/ أيلول عام 1959، احتفالا بذكرى الانتصار، وافتتح متحف رشيد القومي، بدار أو منزل “عرب كلي”، والدار عبارة عن تحفة معمارية إسلامية، وفي المتحف تصوير للحياة الرشيدية، ومشهد لصب الزيت المغلي من النوافذ فوق رؤوس الجنود الإنجليز، محاكاة لما جرى واقعيا في المعركة، من اشتباك لأفراد من أهل المدينة بالبلطة والخنجر مع الجنود.. كما يضم المتحف نموذج لحجر رشيد، ووثيقة زواج القائد الفرنسي مينو من زبيدة البواب.

وفي الذكرى ذاتها عام م1985، قام الرئيس الراحل حسني مبارك بزيارة المدينة، وتفقدها والمتحف، وأعمال ترميم الآثار الإسلامية بالمدينة (ما زالت تعاني الإهمال).. إذ تأتي رشيد في المرتبة الثانية بعد القاهرة، من حيث كمية الأبنية ذات الطراز المعماري الإسلامي.

خطة السلانكلي والانتقام من مئذنة زغلول

عودة للمعركة ذاتها التي دارت في رشيد، بين أهلها والإنجليز، فقد كان محافظ رشيد وقتذاك، علي بك السلانكلي، من نوعية نادرة ويمتلك إرادة حديدية وتصميما على النصر، ولم يكن معه في الحامية سوى نحو 450 أو 550 جنديا.

وكما هو معروف قرر السلانكلي، نصب كمين للإنجليز، واتفق مع الشيخ كريت على إشارة تنطلق إيذانا بالقتال، من مئذنة مسجد زغلول، التي تهدم جزء منها تحت القصف الانتقامي المكثف من الحملة.. بخلاف ذلك، تم إبعاد المراكب والمعديات إلى البر الشرقي، حتى لا يجد رجال الحامية والأهالي مجالا للفرار، فلا يكون أمامهم إلا الدفاع عن مدينتهم، استدعاءً لفكرة “العدو من أمامكم والبحر من خلفكم”.

وارتكزت الخطة القتالية، على كمون الحامية والأهالي فوق الأسطح والبيوت والأزقة والحواري، حتى يجد جنود فريزر الطريق أمامهم مفتوحا، وتبدو المدينة كما لو كانت قد استسلمت، بدون مقاومة، فيتراخى الجنود الإنجليز، ويتخففون من استعداداتهم القتالية، فيتم الفتك بهم.

الخسائر ومقتل قائد القوة، وسقوط هيبة الإنجليز

وسارت المعركة، كما اراد لها محافظ رشيد، حيث دخل الجنود الإنجليز يوم 30 مارس، المدينة ووجدوا شوارعها خالية، وفجأة انقض عليهم رجال الحامية والأهالي، “وضربوا عليهم من كل ناحية، فألقوا ما بأيديهم من اسلحة، وطلبوا الأمان، فلم يُلتفت إليهم، وبلغت خسائر البريطانيين في هذا اليوم 170 قتيلا، بينهم قائد القوة (ويكوب)، و250 جريحا و120 أسيرا، بينما خسرت الحامية وأهل المدينة 40 قتيلا.” (9).

وبلغت أنباء الانتصار القاهرة، وراح نقيب الاشراف عمر مكرم، يدعو للدفاع عن القاهرة، ويحشد لإرسال متطوعين إلى رشيد، وتم تعطيل الدراسة بالأزهر حتى يتفرغ المشايخ للمساعدة، سقطت هيبة الإنجليز، وارتفعت معنويات المصريين، وكلما عاودت الحملة الهجوم، سواء على رشيد لمرة ثانية، أو على قرية الحماد، فإن الهزيمة كانت تلاحقها، وتتزايد خسائرها من القتلى والجرحى، والأسرى، بعد انكسار الروح المعنوية لرجال الحملة.

ظهور محمد علي، ورحيل فريزر، والنصر الكبير لفرنسا

ولم يجد الإنجليز بدا من التراجع والانسحاب إلى الإسكندرية، وهنا ظهر محمد علي وعقد معهم اتفاقا لرحيل فريزر وحملته، عن مصر، وعلى أن يرحل آخر جندي لهم من الإسكندرية يوم 19 سبتمبر/ أيلول 1807م.

وهكذا، فإن أهل رشيد وحدهم، تصدوا للإنجليز، فكان انتصارهم مُهينا، ومُذلا، لـ “لإمبراطورية البريطانية”، سيدة البحار حينذاك، والتي لا تغيب عنها الشمس، والمهيمنة على مناطق كثيرة من العالم على امتداد قاراته، نفوذا أو استعمارا، أو كليهما، ولم يكن يصارعها ويقاسمها النفوذ والاستعمار، سوى الخصم العنيد لها، “فرنسا”.

من المفارقات أن هذا الانتصار لرشيد على بريطانيا العظمى، جاء لصالح “فرنسا”، ونصرا كبيرا لم تسع إليه، ومن دون حرب، بأن أفلتت من الحصار البحري الذي خططت له بريطانيا، تأكيدا للقول المأثور، “مصائب قوم عند قوم فوائد”، ففي مصائب القوم الإنجليز فوائد الفرنسيين.

 

——-  ——————

(1): السيد فليفل، معركة رشيد عام 1807م، الإدارة المركزية للمراكز العلمية- مركز تاريخ مصر المعاصر، دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة 2009، ص 9 – 10.

(2): جمال حمدان، استراتيجية الاستعمار والتحرير، دار الشروق، القاهرة، 1983، ط1، ص 105

(3): عبد العزيز محمد الشناوي، عمر مكرم بطل المقاومة الشعبية، سلسلة أعلام العرب،  دار الكتاب العربي، القاهرة، 1967م، ص 188

(4): عبد العزيز محمد الشناوي، المرجع السابق

(5): إبراهيم إبراهيم عناني، رشيد في التاريخ- دراسة في التاريخ والآثار والسياحة، مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية، 1987م، ص 9.

(6): نيفين مصطفى، الأحوال الإقتصادية لمدينة رشيد من 1517 حتى مجيء حملة فريزر، معركة رشيد 1807، مرجع سابق، ص 45- 46

(7): نيفين مصطفى، المرجع السابق، ص 79.

(8): عبد الله محمد عزباوي، الحالة السياسية عند مجيء الحملة الإنجليزية 1807م، معركة رشيد مرجع سابق، ص 36

(9): عبد العزيز محمد الشناوي، مرجع سابق، ص 187- 188.

 

 

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان