تقدير الذات.. الحياة الشخصية والعلاقات الدولية

 

(1) العنف الزوجي

استحوذت قصة تعرض زوجة مصرية شابة من محافظة الإسماعيلية  للضرب من جانب زوجها، على اهتمام الرأى العام المصري، هذه السيدة وتدعى “مها محمد” سبق لها التعرض للإهانة والضرب فى ليلة زفافها وتم تداول فيديو لهذه الواقعة، ورغم ذلك تم الزفاف، لكن فيما يبدو أن الزوجة الشابة لم تحتمل الأمر لأكثر من عدة شهور، وذهبت مؤخرا إلى الشرطة لتقديم بلاغ تتهم فيه زوجها بضربها على وجهها وأماكن متفرقة من جسدها مما ترك آثار كدمات وإصابات ظاهرة للعيان، والسؤال الذى يطرح دوما فى حالات العنف الزوجي لماذا يقبل طرف، وعادة ما تكون الزوجة، هذه الإهانة؟ وخاصة أن مثل هذه الشخصيات العنيفة لا تخفي عنفها من البداية. الإجابة تختلف من حالة لأخرى وهناك عشرات الأسباب لكن كلها يمكن جمعها تحت عنوان واحد عريض: عدم تقدير الذات.

وتقدير الذات هو تقييم الفرد لنفسه وشعوره بالاحترام والقيمة والكفاءة.

(2) التقدير السلبي للذات

العنف والتنمر والتحرش، كلها أشكال من أشكال الإيذاء النفسي يتعرض لها الطرف الأضعف ويسكت عنها حين يكون تقديره لنفسه سلبيا، على سبيل المثال: التلميذ الذى يتعرض للتنمر من زميل له في المدرسة ويصمت، غالبا يكون مقتنعا فى قرارة نفسه أنه ضعيف وغير قادر على ردع المتنمر وحماية نفسه، ما يحدث فى المدرسة يحدث فى العمل والمنزل والشارع.

الزوجة التى تسكت على العنف الزوجي تقديرها لنفسها متدنٍ، ولا تجد فى نفسها الكفاءة ولا القدرة على الاستقلال عن زوجها والخروج من دائرته حتى لو كانت جحيما، فالجحيم الذي تعرفه أفضل، من وجهة نظرها، من المجهول الذي ينتظرها فى حال خروجها من هذه الدائرة.

(3) الدولة حاصل جمع الأفراد

رحم الله امرءًا عرف قدر نفسه، وكذلك رحم الله شعبا ودولة عرفت قدر نفسها، فما يحدث مع الأفراد يحدث مع الشعوب والأمم والدول، ونشاهده كل يوم على الساحة الدولية، عنفا وتحرشا وتنمرا تمارسه الدول القوية ضد الدول الضعيفة. هناك معايير للتقييم الفردي يعرف بها الفرد قدره الحقيقى، دون غرور أو تهاون، وكم من شخص لامع وناجح جاء من بيئة متواضعة عقيمة، لكنه استطاع أن يشق طريقا للنجاح والمجد لأنه آمن بذاته وقدراته وتشبس بإرادة قوية جعلته يرفض الواقع المفروض عليه ويغيره لصالحه.

ما يحدث بين الأفراد يحدث للمجتمعات والدول، هناك دول تقبل أن تعيش تابعة لدول أخرى، لأنها فقدت تقديرها لذاتها وتشعر بعجزها عن إعالة نفسها أو حماية حدودها، تستجدى المعونات والحماية، وهذا الموقف يجعلها تقبل نقد وتعليمات المعيل والتنازل عن استقلال قرارها السياسي وكرامتها الوطنية، تماما مثل الزوجة التى تقبل إهانة وضرب زوجها لأنه تظن أنه معيلها وحاميها وأنها ستضيع دونه.

(4) حروب تقدير الذات

لا شىء يمكن أن يؤذى الإنسان قدر إذلاله وتحقيره ومحاولة النيل من تقديره لذاته، ويظل الشخص الطبيعي متذكرا ما ألمّ به من ظلم، منتظرا اللحظة المواتية لرفعه والثأر لكرامته.

عدد من المحللين السياسيين يرجحون أن الزعيم الروسي كان مدفوعا بالثأر من الغرب حين تدخل عسكريا فى أوكرانيا، “بوتين” الشاب عاش لحظة انهيار سور برلين والسقوط المخزي للاتحاد السوفيتى والمذلة التى عانتها روسيا الاتحادية بعد أن تقلصت حدود امبراطورية الاتحاد السوفيتي السابق، وخرج من تحت عباءته الدولة تلو الأخرى لترتمى سريعا فى أحضان الاتحاد الأوربى والمعسكرالغربي. سنوات طويلة من صمت العاجز مرت على “بوتين ” وأمثاله من القوميين الروس المقتنعين أن الغرب تعامل باستهانة مع دولتهم العظمى. استطاع “بوتين” أن يعيد بناء بلاده وفق رؤيته، وحين ابتلعت أوكرانيا الطعم الغربي وأفصحت عن رغبتها فى الانتماء إلى الاتحاد الأوربى والناتو، لم يبتلع “بوتين ” لسانه هذه المرة ولم يقف مكتوف الأيدى ليشاهد الغرب وهو يزحف نحو حدود روسيا ويعرض أمنها القومي للخطر، هذه المرة وجد أن بلاده تستطيع أن تكون ندا للغرب بعد أن استعادت تقدير الذات.

هناك فرق كبير بين تقدير الذات والغرور، الأخير معناه أن تقيم نفسك بأعلى من إمكانياتها القصوى.. إمكانيات كل فرد ودولة محصورة فى مساحة بين الحد الأدنى والأقصى، فيما بينهما يستطيع الفرد كما الدول أن تتحرك وتناور باستخدام المكر والذكاء ويتحكم في ذلك قوة الإرادة والصلابة والعزيمة.

محرك السيارة له سرعة قصوى لايمكن تجاوزها، وإن تجاوزها السائق لايمكن للمكابح حينذاك أن تكفل له السلامة ويمكن أن يحدث ما لايحمد عقباه. وهناك من يتحدث عن أن روسيا تجاوزت سرعتها القصوى، وأنها لاتستطيع بإمكانياتها الحالية أن تحارب لفترة طويلة أوربا وأمريكا وحلفاءهما مجتمعين، وأن بوتين قد أفقده غروره وديكتاتوريته حسن التقدير.

الدراسات الاجتماعية حول تقدير الذات توضح نقطة هامة، وهي أن وجود الفرد فى المكان المناسب والملائم له يساعده على إظهار إمكانياته القصوى، وهو ما يحاول “بوتين” فعله بعقد عدد من التحالفات مع دول كبرى تعاظم مع الوقت والخبرة والتجرية تقديرها لذاتها، وأصبحت ترفض الهيمنة الغربية الأمريكية مثل الصين وإيران والهند وغيرهم، هذه التحالفات تعطي بوتين دفعة إضافية تفوق إمكانياته القصوى.

الحرب الدائرة على أرض أوكرانيا حرب وجود وإرادات وتقدير ذات، ولو سقطت روسيا هذه المرة لن تكون وحدها ولكن ستسقط معها طموحات دول ترفض التبعية الغربية الأمريكية.

من ذاق تقدير الذات صعب أن يخسره بسهولة… ولاعزاء للأفراد والدول التى تعيش بقلب فأر.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان