فيلم العصابة.. الحرب التي لن تنتهي!

ما بين التاسع من نوفمبر 1977 -يوم إعلان الرئيس المصري الأسبق أنور السادات عزمه زيارة الكيان الصهيوني تحت شعار تحقيق السلام مع إسرائيل- والتاسع عشر من نفس الشهر -حيث هبطت طائرته في القدس المحتلة- تدور أحداث فيلم العصابة الذي أنتجه وأخرجه هشام أبو النصر عام 1987 في رابع أفلامه السينمائية، وكتب له القصة والسيناريو والحوار د. نبيل غلام.
يتخلل الفيلم مشاهد من حرب السادس من أكتوبر 1973 إذ إن بطل الفيلم هو أحد أبطال الصاعقة الذين شاركوا في الحرب، وطوال أحداث الفيلم تتقاطع بطولات محمود المصري بطل الصاعقة، والذي أُسر أثناء الحرب مع ما استجد على المجتمع المصري من تغييرات طالته ورفاقه في الحرب.
ما بين عام الانتصار وعام السلام المزعوم تغيرت الملامح من المدافع إلى الرقص في الملاهي الليلية، شرب الخمور والمرض النفسي للبطل نتيجة صدمته بعد العودة من الجبهة.
على الجانب الآخر من الفيلم، قصة هالة بطلة الفيلم إذ مات أبوها الذي كان يعمل عند أحد الأغنياء، وهي في الرابعة من عمرها، ويتبنى الرجل الابنة لتتخرج من الجامعة في نفس عام زيارة القدس، وتعاني لاحقا من أزمة نفسية نتيجة إحساسها الدائم بطفولتها الفقيرة، وتقترف جريمة السرقة في حالة أقرب للانفصال النفسي تحت تأثير الخمور، وعندما تعود إلى طبيعتها تندم وتحاول إعادة ما سرقته.
بالتوازي يُراقب محمود وهالة بصفة دائمة اثنان من أفراد عصابة بدت أنها عادية، ولكننا نكتشف مع مرور الأحداث أنها شبكة صهيونية تنشط مع دعوات السلام الذي يتجه إليه أنور السادات.
كسر الحاجز النفسي مع العدو
مع إعلان السادات زيارته للقدس يرصد الفيلم بعض مظاهر الاحتفال، ويقدم أغنية عن تأثير السلام على الرخاء والتنمية، فيقف شخص وحيد في زحام زفة الشارع ليعلن رفضه بالقول: “أنا بقول لا مين معي”، وفي تساءل ساخر يسأل محمود المصري ” هو الراجل ده زعلان ليه”، فيرد زملاؤه في فرقة الصاعقة المصرية أبطال الحرب ” زعلان علينا .. زعلان على مصر”.
أحد رفاق محمود ينصحه أن يذهب إلى طبيب نفسي للتخلص من آثار ما عاناه في الأسر، ومن أسرته بعد عودته إذ استولوا على ميراثه، في حين تزوجت خطيبته من غيره، وفي هذه اللحظة يتقدم إليه شخص يوجد بجواره دائما دون أن يلاحظه ليقدم له اسم وعنوان طبيب نفسي.
يُفاجأ محمود أن الطبيب النفسي صهيوني وله عيادة في قلب القاهرة، وبإشارة من المخرج توجد نجمة داود على ملابس الطبيب زكي داود سليمان الذي يقول لمحمود إن أزمته النفسية هي تمسكه بالحاجز النفسي مع العدو، وإن حلها هو إزالة هذا الحاجز عن طريق الإرادة والثقة بالطبيب الذي تتقاطع مشاهد توقيعه الكشف على محمود مع مشاهد تعذيبه في الأسر، ومحاولة الضابط الصهيوني نزع اعترافه بشأن حدود إسرائيل من الفرات إلى النيل.
تتوغل العصابة في محاولة السيطرة على محمود بما يمثله كأحد أبطال الحرب، وكذلك على هالة ابنة الطبقة الفقيرة المتبناة والتي تخرجت من الجامعة الأمريكية عليها. تذهب هالة إلى نفس الطبيب النفسي الذي يقرر أن المشكلة لديها نفس مشكلة محمود وهي الحاجز النفسي مع العدو. وهنا يشير أبو النصر إلى المستهدفين من التطبيع مع العدو وتقبله داخل مصر، ويشعر محمود وهالة بعدم الثقة في هذا الطبيب ويقاومان توغله عليهما وعلى الأرض.
هشام أبو النصر
هو خريج المعهد العالي للسينما، حاصل على الدكتوراه من الولايات المتحدة الأمريكية في الإخراج السينمائي بمنحة من وزارة الثقافة بعد تخرجه عام 1964 وعاد إلى مصر عام 1975 وقدم أبو النصر خلال مشواره السينمائي 8 أفلام بداها بفيلم الأقمر 1978 وآخر أفلامه كان فيلم الغيبوبة 1998.
أنتج أبو النصر 4 أفلام من خلال شركته، كان العصابة واحدا من هذه الأفلام، وهي مغامرة تحسب له خاصة أن الفيلم يقدم قضية صعبة جماهيريا بالإضافة إلى ما تكبده من هجوم على الفيلم الذي لم يستمر في دور العرض السينمائية إلا أسابيع قليلة.
حوصر الفيلم كثيرا ولم يتم عرضه على شاشات التليفزيون أو أي من القنوات الفضائية. الأفلام الثلاثة الآخرى التي أنتجها أبو النصر هي: الأقمر و قهوة المواردي والغيبوبة آخر أفلامه، وتوفي في 14 يوليو 2012. وأبو النصر كان معروفا بتوجهه القومي الناصري، وقد شارك في ثورة يناير.
الحرب لحماية مصر داخليا
يشير الفيلم الذي يتناول الأيام العشرة ما بين إعلان الذهاب للكنيست الإسرائيلي والذهاب إليه، توغل الأنشطة الصهيونية على الأرض المصرية، ويكشف بوضوح عن هذه العصابة التي تصل إلى كل الكبار في مصر حسب تعبير غريب الذي يحاول السيطرة على هالة ويخطفها من محمود الذي يحبها ويحاول أن يتزوجها، ويوصي بأن يكون الفرح ملائما لكل كبار البلد الذين هم تبعهم، وقبل ذلك يكشف الفيلم عن علاقة غريب بالطبيب النفسي الذي يحاول كسر الحاجز النفسي بين الشباب المصري والعدو الصهيوني.
يقرر محمود مع زملاء الصاعقة تخليص هالة من يد العصابة التي تختار لحظات هبوط طائرة السادات في الأرض المحتلة لتعقد قران غريب على هالة، في هذه اللحظات يتدخل أبطال أكتوبر لإنقاذ هالة من يد الغريب، يقول محمود لزملائه ” حاربنا علشان نحمي مصر من بره دلوقتي ها نحارب علشان نحمي مصر من جوه”.
يذهب محمود إلى المكان ذي الأسوار العالية والأسلاك الشائكة لتخليص هالة بأسلحة أكتوبر، ولا ينسى المخرج المزج بين المعركة على الحدود والمعركة على فيلا غريب على النيل. يُقتل غريب وتُصاب هالة ليحملها رباعي صاعقة أكتوبر المسلم والمسيحي في محاولة للإنقاذ.
وفي ختام الفيلم يعرض المخرج مزج بين مشهد إصابة هالة وجرائم العدو الصهيوني في مدرسة بحر البقر 1970، مذبحة صبرا وشاتيلا سبتمبر 1982. ويعرض مشاهد وثائقية لكلا المذبحتين، ثم اختطاف الأمريكي للطائرة المصرية المدنية عام 1985، ليؤكد أن هذا العدو بالدعم الأمريكي لن يكف عن عدائه ومذابحه ضد المصريين والعرب، ويجب علينا الآن ودائما أن ندافع عن الوطن ونحارب معاركه داخل الوطن أو على كل أرض عربية.
