هل يجنى المصريون بعض ثمار مؤتمر المناخ العالمي؟

أينما وجدت المستنقعات يتكاثر البعوض

 

في العمارة التي كنت أسكن فيها بمنطقة الحي السويسري بمدينة نصر ظهر البعوض بكثافة، فسارع الجميع لشراء المبيد الحشري الشهير الذي تنتجه إحدى الشركات التابعة للجيش، وكان أمراً محرجا أن تظهر آثار لدغات البعوض، والذي يسميه المصريون الناموس على الأيدي وسط الزملاء بمكان العمل، فما بالك بالآثار التي تظهر على الوجه وكاميرات الفضائيات تركز على وجه الضيف!

لكن جارنا بالعمارة الصحفي القدير خميس البكري لم يكتف بشراء المبيد الحشري، وإنما استقل سيارته متجولا بالمنطقة الصحراوية المجاورة للحى، حتى عثر على مستنقع تحوم عليه أسراب البعوض، واستفاد باتصالاته الرسمية حتى حضر متخصصون في رش المستنقعات بالمبيدات، ورافقهم إلى مكان المستنقع لأداء مهمتهم، لينقطع توالد البعوض وينام الأطفال في طمأنينة وتستغنى المنطقة بكاملها عن المبيد..

لكن تلك المستنقعات ما زالت منتشرة بكثرة بأنحاء البلاد، ولعل إمعان النظر الى آثار البعوض على أيدي ووجوه العاملين بالمجالس القروية والمحليات والعاملين والعاملات بالمحلات التجارية خير شاهد، رغم أن التخلص من البرك والمستنقعات المولدة للبعوض له قانون خاص بنفس الاسم، منذ عام 1946 بعهد الملك فاروق، وقانون آخر عام 1960 بعهد الرئيس عبد الناصر، وقانون آخر عام 1978 بعهد الرئيس السادات، وقانون آخر صدر عام 2019 بعهد النظام الحالي..

وكلها تعهد إلى وحدات الإدارة المحلية للتخلص من تلك البرك والمستنقعات، لكن بيانات الجهاز المركزي للإحصاء تشير لوجود 450 بركة ومستنقعًا بأنحاء البلاد عام 2021، كان أكثرها بمحافظة الدقهلية بنحو 206 برك، وبمحافظة الجيزة 53 مستنقعًا وبمحافظة الفيوم 45 بركة وبمحافظة الإسماعيلية 38 بركة وبمحافظة أسوان 22 بركة.

     ردم 3.5 % من المستنقعات خلال عام

وأتصور أن استخدام الطائرات الصغيرة التي كانت تقوم بتصوير المظاهرات وقامت الداخلية بمنعها، في تصوير أماكن المستنقعات حول القرى والمدن سيكشف عن عدد ومساحات أكبر، وبلغ إجمالي مساحة البرك حسب جهاز الإحصاء 15.3 مليون متر مربع ببداية عام 2021، تم ردم 529 ألف متر منها خلال العام بنسبة 3.5 % من الإجمالي.

وكانت أكبر المساحات للبرك بمحافظة الجيزة بمساحة 8.5 مليون متر، تليها محافظة الوادي الجديد 3.9 مليون متر، وبمحافظة الدقهلية 658 ألف متر وبمحافظة الإسماعيلية 645 ألف متر وبمحافظة القاهرة 525 ألف متر، والغريب أن نسب المساحات التي تم ردمها خلال العام بمحافظات القليوبية وكفر الشيخ والجيزة وبنى سويف والوادي الجديد ودمياط حسب جهاز الإحصاء كانت صفرا!

رغم ما يذكره الأطباء من أن البعوضة تصاب بالفيروس أو الطفيلي عند لدغها حيوانا أو شخصا مصابا، وبالتالي فإن لدغاتها التي تحمل فيروسات أو طفيليات معينة يمكن أن تسبب مرضا شديدا، كما أنها يمكن أن تنقل الحمى الصفراء أو الملاريا.

ومن حق سكان المناطق المجاورة للبرك والمستنقعات الذين ضجوا بالشكوى للمسؤولين من آثارها السلبية عليهم، وهم يشاهدون بالفضائيات الاستعدادات لمؤتمر المناخ بتشجير وأتوبيسات وسيارات أجرة كهربائية، وغيرها من صور الرعاية للضيوف حتى لا يشموا آية عوادم، أن يشعروا أن حكومتهم من باب المساواة في الحقوق الدستورية، ستقوم بالتصدي لتلك البرك والمستنقعات وأنهم أيضا لهم نصيب من اهتمام الحكومة.

    بنى سويف 7 مراكز و5 دورات مياه

وحبذا لو كانت الحكومة كريمة أيضا بالاهتمام بقضية نقص دورات المياه العمومية بالمحافظات بالتزامن مع مؤتمر المناخ، حيث أشار جهاز الإحصاء لوجود 1118 دورة مياه عمومية بالمحافظات ببلد يصل عدد سكانه 104 ملايين نسمه، منها 673 دورة مياه للرجال و445 دورة للسيدات.

وكان أعلى رقم بالقاهرة بنحو 114 دورة والبالغ سكانها 10 ملايين شخص بخلاف من يدخلونها يوميا من المحافظات المجاورة للعمل أو قضاء المصالح، تليها محافظة الدقهلية 107 دورات لنحو 7 ملايين نسمه، ومحافظة الإسكندرية 71 دورة لنحو 5.5 مليون نسمه..

بينما كان العدد أربعة فقط بمحافظة شمال سيناء التي تضم ستة مراكز إدارية، أي أن هناك مراكز ليس بها دورة مياه، ونفس الأمر بمحافظة بنى سويف التي بلغ العدد بها خمس دورات مياه فقط بينما تضم سبع مراكز إدارية.

وإذا كان المتوسط العام لنصيب الدورة الواحدة من السكان على مستوى الجمهورية 93 ألف شخص، فإن هذا المتوسط يرتفع إلى 710 آلاف شخص للدورة الواحدة بمحافظة بنى سويف، و429 ألف شخص بمحافظة الجيزة و217 ألف شخص بمحافظة أسيوط، و211 ألف شخص بمحافظة قنا و192 ألف بمحافظة الفيوم و189 ألف شخص بمحافظة المنيا.

ولعل الكرم الحكومي يمتد إلى حنفيات الشرب العمومية البالغ عددها 3827 حنفية بأنحاء البلاد حسب جهاز الإحصاء، في دلالة واضحة لعدم إدخال مياه الشرب بالبيوت المجاورة لتلك الحنفيات، والتي بلغ عددها 1379 حنفية عمومية بمحافظة المنيا و755 حنفية بمحافظة الغربية، و645 حنفية بمحافظة سوهاج و242 حنفية بمحافظة الدقهلية و210 حنفية بمحافظة البحيرة..

وذلك من خلال مبادرات حكومية وأهلية بتقسيط قيمة توصيل مياه الشرب لتلك البيوت على آجال مناسبة، أو جلب معونات أجنبية لهذا الغرض، تقليلا لمشاعر الحسرة التي تنتاب هؤلاء وهو يشاهدون النافورات بالميادين تنثر مياهها، بينما ما زالت نساؤهم وبناتهم تزاحمن الآخرين على الحنفيات صباحا ومساءً، للحصول على الاحتياجات من المياه للنظافة الشخصية وإعداد الطعام وغسل الملابس.

  غالب سكان الصعيد بدون صرف صحي

وحبذا لو اتسع الكرم الحكومي الذي لم يبخل على مؤتمر المناخ بشيء، أن ينظر لمشكلة نقص عربات كسح فضلات الصرف الصحي من خزانات البيوت بالصعيد، حيث تشير بيانات جهاز الإحصاء لوجود 836 سيارة لكسح فضلات الصرف الصحي بالمحافظات، منها 13 سيارة بمحافظة قنا التي ذكرت بيانات تعداد السكان والمنشآت الأخير لعام 2017، إلى أن نسبة 84 % من سكانها غير متصلين بشبكة الصرف الصحي.

كما توجد 58 سيارة بمحافظة أسيوط مع وجود 80% من السكان غير متصلين بشبكة الصرف الصحي، و24 سيارة بمحافظ المنيا رغم أن 80% من سكنها غير متصلين بشبكة الصرف الصحي، و12 سيارة كسح بمحافظة سوهاج رغم بلوغ نسبة غير المتصلين بشبكة الصرف الصحي من سكانها 78%، و28 سيارة بمحافظة الأقصر التي لا يتصل 76% من سكانها بشبكة الصرف الصحي. و40 سيارة كسح بمحافظة بنى سويف التي لا يتصل 58% من سكانها بشبكة الصرف الصحي.

وسنكون أكثر امتنانا للحكومة إذا حسنت معدلات كفاءة جمع القمامة بالمحافظات، والتي ذكرت بيانات جهاز الإحصاء الخاصة بعام 2021، إلى بلوغ نسبة تلك الكفاءة 38% بمحافظة قنا البالغ عدد سكانها 3.6 مليون شخص، و41% بمحافظة الغربية البالغ سكانها 5.4 مليون، و48% بمحافظة الدقهلية البالغ عدد سكانها 7 ملايين نسمه، و49% بمحافظة بنى سويف و54% بمحافظة المنيا و58% بمحافظة سوهاج.

فهل تستجيب الحكومة لهذه المطالب الدستورية للمواطنين، أم إن كل الاهتمام الرسمي حاليا مُوجه لراحة ضيوف المؤتمر وإسعادهم  وتأمينهم، والسماح لهم بالتظاهر والتعبير عن رأيهم حول قضايا البيئة والمناخ؟ ولا وقت لديها لمثل تلك المطالب من علاج لتلوث الهواء والمياه والضوضاء وسلامة الغذاء والتلوث بالمبيدات، والتى ربما يمكن النظر لها مستقبلا.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان