هل مات النبي صلى الله عليه وسلم مسموما؟

الحجرة النبوية
قبر الرسول صلى الله عليه وسلم (وكالة الأنباء السعودية)

السيرة النبوية لرسولنا صلى الله عليه وسلم مهمة، فهي تمثل التطبيق العملي للإسلام، حيث إن ما فعله صلى الله عليه وسلم فيها يعطي صورة واضحة للدين الإسلامي، فهو خير من يطبقه، لأنه المبعوث به، ولكن لأن السيرة النبوية لا يتسم كثير من نصوصها بأسانيد متصلة، فربما يرد فيها ما لا يصح.

وإذا كانت السنة النبوية التي فيها أسانيد واضحة يعتري نصوصا منها الضعف والوضع وغيره، فما بالنا بالسيرة النبوية وكثير من أحداثها اشتمل على روايات لا تصح، وأحيانا لا تعقل تاريخيا، مثل عدد يهود بني قريظة الذين قتلوا، وهناك من ناقشها من حيث صحة العدد، وهو ما جعل ابن خلدون في مقدمته يركز على بعض المعايير المهمة لنقد الأحداث التاريخية، وهذا ما يدعو إلى مراجعة بعض أحداث السيرة التي تنتشر دون وجه صحيح.

هل النبي صلى الله عليه توفي مسموما؟

ومن الأحداث التي تحتاج إلى مراجعة دقيقة في السيرة النبوية، ما ينتشر في بعض كتب السيرة وشروح السنة من أن النبي صلى الله عليه وسلم مات بأثر سم دسته له يهودية في خيبر، وأنه وجد أثره قبل وفاته، مما جعل بعض العلماء يذكر أنه صلى الله عليه وسلم مات شهيدا، فما خبر هذا السم؟ وهل فعلا مات الرسول مسموما؟ وبخاصة أنه مات بعد الحادثة بثلاث سنوات؟ وكيف مات الرسول؟

قصة حادثة وضع السم.. هل أكل الرسول من الشاة المسمومة؟

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “لما فتحت خيبر، أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اجمعوا لي من كان هاهنا من اليهود”، فجمعوا له، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إني سائلكم عن شيء، فهل أنتم صادقي عنه؟” قالوا: نعم، يا أبا القاسم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من أبوكم؟” قالوا: أبونا فلان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “بل كذبتم، أبوكم فلان”، قالوا: صدقت وبررت، قال لهم: “هل أنتم صادقي عن شيء سألتكم عنه؟” قالوا: نعم، يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من أهل النار؟” قالوا: نكون فيها يسيرا، ثم تخلفوننا فيها، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا نخلفكم فيها أبدا”، ثم قال لهم: “هل أنتم صادقي عن شيء سألتكم عنه؟” فقالوا: نعم، يا أبا القاسم، فقال لهم: “هل جعلتم في هذه الشاة سما؟” قالوا: نعم، قال: “ما حملكم على ذلك؟” قالوا: أردنا إن كنت كاذبا أن نستريح منك، وإن كنت نبيا لم تضرك.

وقد كانت امرأة يهودية هي التي وضعت له السم في الشاة، ولم يعاقبها النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لم يتأثر بالسم، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتلها بعد ما مات بشر بن البراء من أثر تلك الأكلة، قصاصا منها لقتله بالسم.

يقول ابن القيم: “وقد اختلف: هل أكل النبي صلى الله عليه وسلم منها أو لم يأكل؟ وأكثر الروايات أنه أكل منها، وبقي بعد ذلك ثلاث سنين، حتى قال في وجعه الذي مات فيه: “ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت من الشاة يوم خيبر، فهذا أوان انقطاع الأبهر مني”. قال الزهري: فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم شهيدا”. ولذا حكم عدد من العلماء بأنه مات شهيدا صلى الله عليه وسلم.

اقرأ أيضًا: عشرة أيام في حياة الرسول

ما معنى قطع أبهري؟

إن الكلمة التي استند إليها من حكموا بأن النبي صلى الله عليه وسلم عاش وبداخله أثر السم، ثم مات بأثره في آخر حياته، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: “هذا أوان قطع أبهري”، ليس معناها أن الوفاة ستكون بسبب السم، بل هي شكاية من الألم الذي يعانيه وقد كان من الحمى، كما يقول أحدنا عند التعب للطبيب: “أنا بموت يا دكتور”، وقد يكون ذلك لصداع شديد، أو لألم بالبطن، أو غيره، فهو قول مريض يصف متاعب مرضه، ومدى هذا الألم، وأن هذا المرض هو مرض الوفاة.

فما يفهم من الكلمة أن النبي النبي صلى الله عليه وسلم قصد بها الكناية عن الموت، أو الشعور به، كما يقال في لغة العرب: اقطعوا لسان هذا الشاعر عني، أي: أسكتوه بالعطاء المالي ليسكت. وبانقطاع الأبهر يموت أي حي، فهو كناية عن الموت، كما يقال: رفع عقيرته، وأصلها أن إنسانا قطعت رجله (عقيرته) فصرخ، ثم استخدمت لكل من رفع صوته.

هل يبقى أثر السم لهذه السنوات؟

من المعلومات الطبية التي لا تثبت حتى الآن، أن يظل السم في جسد إنسان، ويبطل فعله، ثم فجأة يعمل في أخريات حياته فيموت به، فطبيا حتى الآن لا يوجد في علم السموم سم يبقى بهذا الشكل. نعم تبقى آثاره في عظام الإنسان، وهو ما يعتمد عليه في الطب الشرعي في تحليل الأجسام، لكن الأثر الباقي هو من باب الدلالة على وجوده، وليس من باب الأثر والفعالية.

كما أن السم الذي وضع للنبي صلى الله عليه وسلم كان فتاكا، وسريع المفعول جدا، والمرأة التي وضعته ركزت السم في كتف الشاة، لأنها سألت: أي أعضاء الشاة أحب إليه؟ فقالوا لها: الكتف، فوضعت أكثر الكمية في الكتف، ونثرت بقيته في بقية الأعضاء، وقد أكل أحد الصحابة من مكان كان السم أقل أثرا فيه، فمات فورا، فما بالنا بالكتف المملوء بالسم بكثافة، حتى لو لاكه النبي صلى الله عليه وسلم ثم لفظه.

ولذا قلنا ببقاء الأثر الدال على تناول الإنسان سما، ولكن الفعالية قد زالت وانتهت، كما يبقى أثر الجراحة في جسد الإنسان، أو أثر (الحصبة)، أو (الجديري المائي) في الصغر تبقى بعض الحفر الصغيرة في جسد البعض، وهو ما قاله أنس بن مالك رضي الله عنه: إن يهودية أتت النبي صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها، فقيل: ألا نقتلها؟ قال: “لا”. فما زلت ‌أعرفها ‌في ‌لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهوات: جمع لهاة، وهي ما يبدو من الفم عند التبسم.

اقرأ أيضًا: الجانب الإنساني في خطبة الوداع

هل يحتاج النبي إلى درجة الشهادة؟

إن كثيرين ممن أيدوا الرأي القائل بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم من أثر السم، دفع معظمهم إلى ذلك أن يعطوا النبي صلى الله عليه وسلم درجة الشهادة، حتى قال السندي: “ذلك لما فيه من إظهار شرفه ومكانته عند الله بأنه نبي وشهيد، ولا شك أن غاية الاجتهاد في إظهار شرفه خير من قلة الاجتهاد”، وقاله كثيرون غيره.

إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحتاج إلى أن يموت شهيدا، حتى يكون ذلك درجة مهمة له، فما هي مكانة الشهيد في الآخرة، حتى نحرص على نيل درجتها للنبي؟ إنه يدخل الجنة بغير حساب، والنبي صلى الله عليه وسلم أول من يدخلها، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. الشهيد يشفع لسبعين من أهله، والنبي صلى الله عليه وسلم سيشفع للأمة كلها، أي أن البحث وراء إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم درجة الشهادة بوصفها مكانة مهمة لا داعي له، لأنه نال الدرجة العليا التي لا درجة فوقها.

علماء رفضوا القول بوفاته مسموما

وقد رفض علماء هذا القول، مستدلين بقوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} المائدة: 67. قال ابن مفلح: “والمراد من القتل فلا يرد كونه أوذي أو أن الأذى كان قبل نزول الآية. وذكر ابن الجوزي وغيره هذين الجوابين. وهذه الآية توافق قوله صلى الله عليه وسلم لليهودية: “ما كان الله ليسلطك على ذلك أو علي” كذا قالت اليهودية واليهود: إن كنت نبيا لم يضرك، وعلى هذا فيكون ما روي من وجود الألم وانقطاع الأبهر من السم مرسل أو منقطع، أو يقال: إنه خلاف الأشهر، فالقول بالأشهر المتفق على صحته أولى مع موافقته للكتاب العزيز”.

وهذا القول -فيما نرى- هو الأوفق وقد بنى الرافضون رأيهم أيضا على نصوص القرآن الكريم العامة القاضية بعصمته صلى الله عليه وسلم، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم عولج من السم بوسائل العلاج التي تنهيه وقتها، فقام باستفراغ ما أكله كاملا، ثم قام بالاحتجام في الكاهل، وهو الحارك ما بين الكتفين، وهو من أقرب المواضع إلى القلب، وذلك علاج زمانه للسم.

اقرأ أيضًا: سر صلاة نبي الإسلام بالأنبياء إماما في الأقصى

المصدر : الجزيرة مباشر