ولا يزال البحث جاريا عن رئيس للجمهورية التركية

أردوغان مع رئيس كازاخستان في أكتوبر الماضي

ستة أشهر فقط تفصل تركيا عن سباق الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي توصف بأنها أكثر الاستحقاقات الانتخابية أهمية وخطورة في تاريخ تركيا، لكونها تتزامن مع مرور مائة عام كاملة من عمر الجمهورية. ورغم هذه الأهمية واشتعال المنافسة بين جميع الأحزاب التركية من أجل ضمان الفوز بها أو على الأقل الحضور في المرحلة التي تليها بصورة أكثر فاعلية، فإن أحزاب المعارضة الكبرى التي يطلق عليها الإعلام التركي اسم “أحزاب الطاولة الستة”، لم تحسم موقفها بعد من مرشحها التوافقي لخوض الانتخابات الرئاسية منافسًا للرئيس أردوغان، رغم اللقاءات المتكررة والاجتماعات المستمرة. وعوضا عن ذلك قامت هذه الأحزاب بتقديم مسودة لدستور تركي جديد تعتزم التصويت عليه في البرلمان المقبل بعد الفوز بالانتخابات سواء الرئاسية أو البرلمانية.

موقف الأحزاب الستة أثار دهشة الشارع التركي واستغرابه، فكيف لأحزاب لم تستطع حتى الآن الاتفاق على تحديد شخص ترشحه لخوض السباق، أن تكون متأكدة من الفوز بالانتخابات الرئاسية، وتحقيق الفوز على شخصية مثل أردوغان، بل وتقوم بوضع مسودة لدستور جديد للبلاد! ومن أين أتت بكل هذه الثقة في تحقيق الأغلبية المطلوبة لتمريرهذا الدستور من البرلمان!

تصرفات أكدت بوضوح أن أحزاب المعارضة الستة تعاني من اختلافات عميقة فيما بينها، تعود في الغالب إلى طبيعة كل حزب منها، والأيديولوجية التي يتبناها ويستمد منها قاعدته الانتخابية، وتؤثر في وجوده في الشارع، ومن ثم يصعب عليه التنازل عنها أو التفريط فيها.

مواصفات المرشح التوافقي الذي تبحث عنه المعارضة

وهي اختلافات تقف حجر عثرة، وتعيق مسألة التوافق على مرشح واحد لخوض الانتخابات الرئاسية، ذلك المرشح الذي يجب أن يمتلك شخصية قوية، وأن يكون لديه قبول جماهيري عامّ، ومصداقية، ويحظى بتقدير جميع التيارات السياسية بمختلف توجهاتها، بما يؤمن له القدرة على منافسة أردوغان وتحقيق الفوز عليه، وأن يكون لديه القدرة الفعلية على قيادة البلاد في المرحلة المقبلة، التي توصف بأنها من أكثر مراحل عمر الجمهورية التركية حساسية وخطورة، لتزامنها -كما سبق القول- مع مرور مئة عام على تأسيس الجمهورية.

الأمر الذي يعني أن تركيا مقبلة على الكثير من التغييرات السياسية، وإعادة النظر في العديد من الأمور الداخلية المرتبطة بملفات سياسية وقانونية واجتماعية واقتصادية، إلى جانب مراجعة التحالفات الخارجية، والمعاهدات الدولية، خصوصا تلك المرتبطة بترسيم الحدود بينها وبين جيرانها، وتنظيم عملية المرور من مضايقها.

إمام أوغلو ومنصور يافاش أيهما أقدر على منافسة أردوغان؟

مواصفات زادت من عمق هوة الخلاف بين الأحزاب الستة حول هوية هذه الشخصية، وإلى أي تيار تنتمي، فميرال أكشنار رئيسة حزب الجيد سبق أن أعربت عن رغبتها في أن يكون الاختيار بين أكرم إمام أوغلو رئيس بلدية إسطنبول، ومنصور يافاش رئيس بلدية أنقرة، وهما من أعضاء حزب الشعب الجمهوري، إلا أن ممارسات إمام أوغلو، وطريقة إدارته لبلدية إسطنبول، والانتقادات التي يوجهها إليه دوما سكانها لعدم قدرته على حل مشاكل المدينة التي تعدّ أكبر مدن تركيا حجما وأكثرها ازدحاما، ولغيابه الدائم وقت الأزمات، كل ذلك قلل كثيرا من حظوظ التوافق على أن يكون مرشحا توافقيا للأحزاب الستة.

أما منصور يافاش فقد رفض بشكل مطلق أن يكون مرشحا توافقيا للمعارضة لخوض السباق الرئاسي أمام أردوغان، وأعلن ذلك مرارا وتكرارا، مفضلا الاستمرار في عمله الميداني رئيسًا لبلدية العاصمة، ليقدم خدماته لمواطنيها عبر التعامل المباشر معهم.

وهو موقف يمكن أن يكون ردًّا على عدم التوافق عليه داخل حزبه نفسه حزب الشعب الجمهوري، أو لرغبته في عدم خسارة زعيم الحزب كمال كيليشدار أوغلو الذي يرغب في أن يكون هو المرشح التوافقي لخوض هذه الانتخابات، التي يراها فرصته الأخيرة لتحقيق إنجاز يختم به حياته السياسية.

المرشح التوافقي بين أكشينار وكيليشدار أوغلو

ضعف حظوط إمام أغلو، ورفض يافاش، جعلا أكشينار تلمح في أكثر من لقاء متلفز إلى إمكانية أن تكون المرشح التوافقي لخوض السباق الرئاسي، فهي تنتمي لحزب قومي إسلامي، ولديها توافقات مع اليساريين والعلمانيين، كما أن ترشيح امرأة وفوزها بالرئاسة سيكون فرصة ذهبية لإظهار مدى التقدم الديمقراطي الذي تعيشه تركيا، والمكانة التي تتمتع بها المرأة في المجتمع التركي، وهو نفس الطرح الذي سبق أن اعتمدت عليه في الانتخابات الرئاسية الماضية، لكنها فشلت في تحقيق نتائج يمكن التعويل عليها هذه المرة.

ورغم أن كمال كيليشدار أوغلو أعلن أكثر من مرة رغبته في أن يكون مرشحا توافقيا للأحزاب الستة، فإن زعماء هذه الأحزاب لا يميلون إلى هذا الطرح، للعديد من المآخذ على شخصية الرجل، وعلى مصداقيته، وقدرته سواء على منافسة شخصية كأردوغان، أو إدارة تركيا في قرنها الجديد، وهو الأمر الذي كاد يطيح بتحالف زعماء الطاولة الستة، مع إصرار مسؤولين في حزبه حزب الشعب الجمهوري على أن زعيمهم يجب أن يكون هو المرشح، لكونه رئيس حزب الأغلبية المعارضة في البرلمان، ويتولى رئاسة حزب أتاتورك، ويروج لأفكاره ويتبنى تنفيذ رؤيته لتركيا.

أحمد داود أوغلو وميراثه الأكاديمي والسياسي

ومع أن أحمد داود أوغلو رئيس حزب المستقل، لم يصرح برغبته في الترشح للانتخابات الرئاسية، فإن هناك الكثير من التلميحات التي تشير إلى رغبته في ذلك، فهو ابن مدينة قونيا ذات التاريخ الإسلامي الصوفي المعروف، وأحد أبناء عائلة محافظة لها مكانتها في المجتمع، وهو سياسي مخضرم وأكاديمي متخصص في العلوم السياسية، شغل أكثر من منصب حينما كان عضوا في حزب العدالة والتنمية، إذ عمل وزيرا للخارجية، وبعدها تولى رئاسة الوزراء، كما عمل في منصب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية قبل أن تتصاعد الخلافات بينه وبين الحزب ويقدم استقالته، كما أنه صاحب نظرية صفر مشاكل، التي عاد العدالة والتنمية لتطبيقها مرة أخرى.

مؤهلات دراسية، وخبرات عملية، وتوافق جماهيري على قدراته السياسية، عوامل يرى داود أوغلو أنها تؤهله لتحمل المسؤولية، وتحقيق النتائج التي يسعى زعماء الأحزاب الستة إليها، سواء من ناحية منافسة أردوغان، أو إدارة أمور الدولة التركية في مرحلتها المقبلة.

علي باباجان وخبرته العملية وخططه للاقتصاد التركي

وخلافًا لأحمد داود أوغلو، فإن علي باباجان رئيس حزب التقدم والديمقراطية كان أكثر وضوحا وصراحة، حيث أكد أنه في حال عدم التوافق على شخص محدد ضمن الطاولة السداسية فإنه سيخوض السباق الرئاسي باسمه وتحت شعار حزبه، وهو ما اعُتبر إشارة منه إلى إمكانية أن يكون هو هذا الشخص التوافقي.

ولمَ لا؟ فهو أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية، وقد شغل كذلك الكثير من المناصب الرسمية والحزبية أهمها منصب نائب رئيس الوزراء، كما عمل وزيرا للخارجية، ووزيرا للاقتصاد، ويعود إليه الفضل في وضع رؤية تركيا الاقتصادية التي أحدثت طفرة كبيرة في مختلف الجوانب الاقتصادية بين عامي 2004 و2010.

الأمر الذي يؤهله إلى إدارة ملف الاقتصاد وتحقيق نجاحات غير مسبوقة فيه، خصوصا أن الاقتصاد أصبح حاليا من أهم الملفات، بل وأخطرها تأثيرا في حياة المواطنين من جهة وفي علاقات تركيا الخارجية من جهة أخرى.

عمق الخلافات بين الأحزاب الستة، الذي أدى إلى عدم تحديد مرشح توافقي للانتخابات الرئاسية حتى الآن، يعني أن المرحلة المقبلة يمكن أن تشهد الاتفاق على التعاون فيما يخص القوائم الانتخابية البرلمانية، وتقسيم دوائرها بينهم، على أن يقرر كل حزب منهم اسم مرشحه لخوض المرحلة الأولى على الأقل من الانتخابات الرئاسية، وبعدها يمكن التوافق على مساندة أكثرهم قبولا لدى الجماهير التركية، وتوجيه كل حزب منهم شريحته الانتخابية إلى التصويت له.

المصدر : الجزيرة مباشر