المسلمون في الصين من التجارة إلى الثورة

دخل الإسلام الصين قبل أكثر من 1300 سنة يقينًا، كما تُثبت بحوث علمية كثيرة.
هناك أقوال أخرى بأن الإسلام وصل إلى بيجين عبر التجار الذين كانوا يسافرون على طريق الحرير القديم، الذي يربط بين شرق ووسط الصين وآسيا الوسطى التي فُتحت بلدانها في عهد الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان.
لا توجد أدلة كافية على صحة هذه الرواية، ولكن هناك اتفاقًا على أن الإسلام دخل الصين عبر مسارين، أولهما -وهو الأقدم- مع قوافل تجارة الحرير التي تنطلق من ممر “خشي” في مقاطعة قانسو، مرورًا بمنطقة تركستان الشرقية (شينجيانغ) شمال غربي الصين، فآسيا الوسطي وإيران والعراق وسوريا وفلسطين ومصر، ومنها يتفرع أحدهما إلى مدينة جدة، وآخر إلى ميناء البندقية. أما الطريق البحري، فينطلق من ميناء شنغهاي أو جزيرة هونغ كونغ، مرورًا بميانمار والهند، ليصل إلى حضرموت وفي النهاية إلى جدة.
يرجع التاريخ المدوَّن الخاص بسفر المسلمين الصينيين لمكة لأداء فريضة الحج، إلى أوائل عهد إمبراطورية أسرة مينغ. وهناك روايات بأن جد البحار الصيني المسلم المشهور” تشنغ خه” أميرالاي الأسطول الإمبراطوري، سافر إلى مكة ضمن رحلاته السبع المشهورة التي ربطت بين موانئ جنوبي الصين وجزيرة العرب، قبل أن يعرف الأوربيون ذلك المسار بمئات السنين. وبداية من عهد أسرة تشينغ، ازداد عدد المسلمين الصينين الذين سافروا لأداء فريضة الحج، في رحلة كانت تستغرق من 18 شهرًا إلى عامين.
في مسجد نيوجيه
حدثنا إمام المسجد الأكبر (نيوجيه) الشيخ إبراهيم -يرحمه الله- في أول لقاء معه عام 2003، عن أسباب ثقة الحكام والمجتمع التي يتمتع بها المسلمون في الصين، إلى نجاتهم من وشاية كبرى، حيث أخبر أحد العاملين بالقصر الملكي الإمبراطور، بأن هناك في المدينة من يجتمعون ليلًا، ويدبّرون مؤامرة لقتله. أرسل الإمبراطور الحكيم رجاله، لمراقبة هؤلاء “الخونة المحتملين”، فإذا به يجدهم مجموعة من رعاة البقر والتجار الطيبين، الذين يصلون العشاء، ويقيمون صلاة التراويح، ثم يتهجدون حتى موعد صلاة الفجر، فإذا ما ظهر الشروق، انفضوا إلى مراعيهم الواقعة على مسافة قريبة من المدينة المحرّمة، حيث مقر الأسر الحاكمة، وقصور الأثرياء. استدعى الإمبراطور كبير الرعاة، الذي أخبره بأنهم يصلّون لله لأنهم من المسلمين، فأجزل لهم العطاء، وسمح لهم ببناء مسجد، أطلق عليه “نيوجيه” أي أرض البقر، وهي المكان الفسيح الذي يقيمون فيه ويصلّون بأحد أركانه، فالصين إمبراطورية تعتنق البوذية، وأتباعها لا يأكلون البقر أو أغنام المراعي التي يقتات منها المسلمون.
انتقلت الثقة بين الإمبراطور والجاليات المسلمة إلى القبائل في أنحاء الصين طوال القرون اللاحقة لذلك الحدث. عُرف المسلمون بأنهم مسالمون ومخلصون في أعمالهم وعلاقاتهم وتجارتهم مع من حولهم، لذلك لا نشهد كثيرًا من الوقفات على تفاصيل دقيقة في حياة المسلمين في الصين، لأنهم عاشوا -سواء كانوا من أصول صينية أو غيرها- دون أي مشاكل، إلا في الأزمات السياسية، وعند وقوع كوارث تلحق بهم.
ظلت تركستان الشرقية (شينجيانغ) منطقة نزاع بين الصين وأمراء المنطقة، والإمبراطوريات على حدودها، تتجدد كلما أساءت السلطة المركزية في بيجين للناس وأمراء تلك المناطق.
بداية المظالم
بدأ الانطلاق الجديد للمسلمين، مع انهيار الحكم المركزي الإمبراطوري، وانتشار نظام ممالك الأقاليم، في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، الذين عاملوا الناس بوحشية.
شاركت مجموعات من التجار والمزارعين في ثورة الفلاحين ضد الإقطاعيين الذين فرضوا عليهم ضرائب باهظة.
فلم يكن يفيض من زراعتهم أو تجارتهم، بعد الضرائب، ما يكفي لقوتهم. انضم ملايين المسلمين إلى قوافل عسكرية، قادها جيش التحرير الشعبي، تحت شعار” الوثبة الكبرى” التي انطلقت عام 1934 من الجنوب الغربي إلى أقصى الشرق، شاركت في إزاحة الاحتلال الياباني، وعرجت إلى الشمال حيث وصلت إلى بيجين، تحت قيادة الزعيم ماو زي دونغ، في أكتوبر 1949. لم يتوقع الشيوعيون أن يتحمس المسلمون بهذه القوة إلى الثورة. لا يفهم بعض القادة أن المسلمين الذين يحبون أوطانهم، تدفعهم شدة الظلم إلى الثورة لرفع المظالم عن أنفسهم وما حولهم. مع ذلك، فر بعض المسلمين إلى تايوان وهونغ كونغ، هربًا بثرواتهم، أو خوفًا من الحكم الشيوعي، الذي سرعان ما انتهج عداء شديدًا لكل الأديان والثقافات القديمة.
الجمعية الإسلامية
بعد مقاطعة الدول الغربية للحكم الشيوعي، وظهور بوادر انشقاق بين موسكو وبيجين، بدأ قادة الصين التفكير في توظيف المسلمين من أعضاء الحزب، أو ذوي النفوذ الديني والعرقي، في طرق أبواب الدول العربية. كانت هذه نقطة البداية التي كسرت الصين فيها دائرة العزلة، التي فُرضت على حكمهم الشيوعي المقيت.
بدأ الحزب تشجيع علماء المسلمين على تشكيل كيان جامع للتجمعات الإسلامية، يُعد الواجهة الرسمية التي ستتعامل معها الدول العربية والإسلامية. تحمّس العلماء المسلمون لإنشاء “الجمعية الإسلامية الصينية” لتكون المنظمة الراعية لشؤون الدعوة والتعليم الديني وإعداد الدعاة “الخوند” وتنظيم الحج، والإشراف على الذبائح والمأكولات، ونشر مبادئ الإسلام، وترجمة القرآن والسنة، وتعليم اللغة العربية، وأداء أنشطة دينية تُظهر احترام التقاليد وأداء الشعائر جيدًا.
أخبرنا رئيس الجمعية الإسلامية الإمام هلال الدين تشن قوانغ، الذي قابلته مرات عدة خلال العقدين الماضيين بمقر الجمعية المجاور لمسجد نيوجيه، بأن “دورنا أن نغرس في الناس العقيدة الإسلامية، ونوجههم إلى حب الإسلام والوطن، والوعظ فيهم بلغاتهم المحلية، ليكونوا ملمّين بقيم الدين، ودورهم في تحقيق السلام والتناغم بين العرقيات الأخرى”. وترعى الجمعية شؤون 35 ألف مسجد، يقع 20 ألفًا منها في منطقة “شينجيانغ” ذاتية الحكم لقومية الإيغور، التي تعرّض المئات منها للتدمير مؤخرًا.
