المسلمون في الصين بين التسامح والعشرية السوداء

عبد الناصر في الصين

بدا قادة الثورة الشيوعيون أكثر تسامحًا مع مسلمي الصين، دون غيرهم من أصحاب الأديان والعقائد الأخرى، بعد أن استقر نظام الحكم مطلع خمسينيات القرن الماضي.

زاد الأمر، بعد إجراء أول تعداد سكاني عام 1953، اعترفت بعده الدولة، بوجود 10 قوميات تدين بالإسلام. بيّنت الإحصاءات أن تعداد المسلمين يبلغ 20 مليون نسمة، يعيش أغلبهم في المناطق الشمالية الغربية، مثل قبائل الأويغور ذوي الأصول التركية، والقازاق والأوزبك و”الهوي”، من عرق “الهان”، الذين استقبلوا الإسلام، ونشروه على مبادئ المذهب الحنفي من الشمال إلى أقصى الشرق، وعبر الهلال الذهبي بين بيجين وشنغهاي. تضع السلطات الصينية الأصول العرقية للفرد في بطاقة الهوية التي يكتسبها من والديه، أو يختارها عن أحدهما عندما يبلغ 18 عامًا، ولا يمكنه التغيير بعد سن العشرين، بينما لا تُكتب الديانة، لذلك لم نحصل على حصر رسمي بعدد المسلمين طوال العقدين الأخيرين، فقد ظل الرقم الذي يردده لنا مسؤولو الحزب الشيوعي والوزارات المعنية، متوقفًا للآن عند 20 مليونًا، وهو أمر يصعب تصديقه في ظل استبانات علمية تشير إلى أن العدد يتجاوز حاليًا 50 مليونًا، بينما ذكرت قيادات دينية محلية بلوغه نحو 100 مليون مسلم.

أعوام من العزلة

شهدت الصين حصارًا دوليًا مطلع الخمسينيات بعد خلافها مع الغرب، ودخولها في صراعات إقليمية مع جيرانها، وأنظمة شيوعية في المنطقة فرضت عليها نوعًا من العزلة. وجدت السلطات الصينية، في الجمعية الإسلامية، وسيلة لطرق أبواب الدول العربية والإسلامية، عبر السماح بعودة رحلات الحج، التي توقفت لسنوات. رفضت السلطات السعودية، عام 1952، السماح بدخول أعضاء البعثة الصينية الذين وصلوا إلى الباكستان قادمين من الطريق البحري القديم، لعدم اعترافها بالنظم الشيوعية حتى عام 1989.

عندما شغل فيلسوف الثورة شون آن لاي منصب رئيس مجلس الدولة (رئيس الوزراء)، وقد اطلع أثناء دراسته في فرنسا على الثقافة الإسلامية، عيّن الشيخ دا بو شنغ نائب رئيس الجمعية الإسلامية مستشارًا دينيًا للحكومة. أحاط شون آن لاي الجمعية برعاية كبيرة بما عزز مكانتها بين المسلمين، وضم إليها المساجد في أنحاء البلاد، والطلاب الذين درسوا في الأزهر ومكة، وترجموا معاني القرآن الكريم والحديث الشريف إلى اللغة الصينية.

ولادة جديدة

في الاجتماع التاريخي، لمؤتمر التضامن الأفروـ آسيوي، الذي عقد في باندونغ بإندونيسيا، خلال المدة من 18ـ22 أبريل 1955، حيث شاركت مصر والصين وممثلو 12 دولة إسلامية، اجتمع الشيخ دا بو شنغ الذي حضر عضوًا في المؤتمر برئاسة شون آن لاي، إلى الدكتور أحمد حسن الباقوري وزير الأوقاف المصري في حينه، الذي سبق أن تعرّف إلى طلاب الصين أثناء دراستهم في الأزهر. طلب الرجل بصفته نائب رئيس الجمعية، من الشيخ الباقوري، أن تتدخل مصر لمساعدة مسلمي الصين على أداء الحج، فتوجّه الشيخ الباقوري بطلبه إلى جمال عبد الناصر رئيس الوزراء، ورئيس الوفد المصري في المؤتمر، الذي استحسن رأي الباقوري، ونقله على الفور إلى الأمير فيصل بن عبد العزيز رئيس مجلس الوزراء والوفد السعودي (صار الأمير ملكًا)، وبصفته وزيرًا للمعارف في المملكة كان على علم تام بأحوال المسلمين في الصين، من العائلات التي هربت إلى مكة المكرمة، قبيل الثورة الشيوعية وأثنائها، والتي منها عائلة الدكتور محمود الصيني رئيس تحرير جريدة الوطن السعودية. تعهّد الأمير فيصل بالمساعدة في عودة قوافل الحج رغم عدم اعتراف المملكة بالدولة الشيوعية، وذلك دعمًا للمسلمين الصينيين، والحفاظ على روابطهم مع إخوانهم في المنطقة.

الصين في بلاد العرب

طلب عبد الناصر من الشيخ الباقوري، بصفته مبعوثًا رئاسيًا خاصًا، في يوليو 1955، زيارة الصين، التي صارت حليفًا لمصر في تشكيل ما سمي، بتجمّع “دول عدم الانحياز”. زار الشيخ الباقوري، الجمعية الإسلامية، ومناطق المسلمين الأويغور والهوي في تركستان الشرقية “شينجيانغ” وفي ننغيشيا، فوجد ترحيبًا كبيرًا، حيث استقبله رئيس مجلس الدولة شون آن لاي مرتين في بيجين.

بعد عودة الباقوري إلى القاهرة، كانت مصر أول دولة عربية، وفي الشرق الأوسط وأفريقيا، تعترف رسميًا بجمهورية الصين الشعبية الموحّدة في يوليو 1956. أعقب ذلك اعتراف سوريا والباكستان، وزيارات لوفود من الجمعية الإسلامية الصينية للدول العربية وإيران والباكستان، لدعم العلاقات التي قويت بعد أن نظمت الجمعية والحزب الشيوعي مظاهرات في بيجين، وحثها لكثير من الشباب على التطوع للدفاع عن مصر ضد العدوان الثلاثي عام 1956. رغم دخول الصين في صراعات داخلية بين تيارات الحزب الشيوعي ظل المسلمون في منأى عن المشاكل، مع وجود زعامة بقامة شو آن لاي الذي زار مصر مرتين، وانطلق منها إلى أفريقيا. أسهم العرب والمسلمون في صدور قرار أممي بأن تحتل بيجين مقعد تايوان الدائم في مجلس الأمن عام 1971.

عصابة الأربعة

دخلت الصين في عشرية سوداء، من 1969 إلى 1979، مع حكم عصابة الأربعة، التي تخلّصت من حكماء مثل شون آن لاي، واضطهدت المسلمين وغيرهم من العلماء والمثقفين. ومع عودة الصين للانفتاح على العالم اهتم الحزب الشيوعي عام 1982 بالمسلمين، ليكونوا أداة دبلوماسية في استعادة العلاقات مع دول المنطقة، التي انقطعت صلتها بهم جميعًا عدا القاهرة. تحوّل مسجد نيوجيه إلى قبلة للمدعوين من الصحفيين والدبلوماسيين. وكانت الجمعية الإسلامية مزارًا للملوك والرؤساء العرب، الأمر الذي دفعهم لتعمير المساجد بتبرعات سخية، بما رفع مستوى مناطق تجمعات المسلمين الذين عادت ثقتهم في مسؤوليهم، وزاد من تعلّقهم بدينهم وإخوانهم حول العالم.

استغرق الدعم الرسمي 3 عقود، دخل المسلمون من بعدها في عشرية سوداء جديدة، منذ وصول شي جين بينغ للحكم، الذي أوقف الزيارات والدعم عن المساجد، وحاصرها بزبانية النظام، وحظر التسمية بـ” محمد”، والأسماء غير الصينية، وجعل من الإسلام عدوًا للنظام والحزب الشيوعي.

المصدر : الجزيرة مباشر