ما تأثير الحرب الروسية الأوكرانية على النظام الاقتصادي العالمي؟!

بوتين

الكثير من الخبراء السياسيين والاقتصاديين يحاولون البحث عن إجابة لسؤال يطرح نفسه بقوة هو: ما تأثير الحرب الروسية الأوكرانية على النظام الاقتصادي العالمي؟!

لكن الحقيقة الواضحة -كما يقول ماركو كارنيلوس- أنه لا أحد يعرف ماذا يمكن أن يحدث للاقتصاد العالمي عندما تتعرض الشعوب لنقص في السلع الأساسية، ومن سينهار أولا، روسيا التي تتعرض لعقوبات غربية أم النظام الاقتصادي والمالي النيو ليبرالي الغربي؟!

السائرون نياما!

يشبّه كارنيلوس حالة العالم الآن بما مرت به أوربا قبل الحرب العالمية الأولى، حيث وصف المؤرخ البريطاني كريستوفر كلارك الدول الأوربية في كتابه “السائرون نياما” بأنها تسير إلى مصيرها الحتمي، وأنها لا تستطيع أن تفكر في تحركاتها القادمة، ولم تتعلم من دروس الماضي، فكارثة الحرب الروسية الأوكرانية أدت إلى زيادة حدة الأزمة التي تعيشها أوربا بسبب جائحة كوفيد-19.

إن الحرب تتوسع وتتزايد مخاطرها بسرعة، وقيام أوربا بإمداد أوكرانيا بالصواريخ سيدفع روسيا إلى استخدام صواريخ أكبر، وقد يصل الأمر إلى استخدام صواريخ نووية.

انهيار الاقتصاد الروسي

إن العقوبات التي فرضتها أمريكا ودول أوربا يمكن أن تؤدي إلى انهيار الاقتصاد الروسي، وهي مصممة على تحقيق هذا الهدف، وكان من نتائج هذه العقوبات انخفاض قيمة الروبل، وتجميد الأرصدة الروسية، وشاركت في ذلك سويسرا التي بنت سياستها على الحياد.

كما قامت الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا بحظر النفط الروسي، مما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط، بينما تحاول دول الاتحاد الأوربي تقليل اعتمادها على الغاز الروسي.

تغيير عالمي

إن هذه العقوبات ستؤثر على الاقتصاد الروسي، ويمكن أن تدفعه إلى الانهيار، ويمكن أن يؤدي إلى ثورة في روسيا أو انقلاب، لكن ما تأثير ذلك على العالم؟!

إن الغرب لم يستطع أن يتوصل إلى تقديرات حقيقية لتأثير هذه العقوبات، فكل دول العالم ستتعرض لمخاطر اقتصادية بما فيها أمريكا والدول الأوربية.

فقد توصلت روسيا والصين إلى اتفاق لتبادل السلع بالعملة المحلية (الروبل واليوان)، وسيكون لذلك تأثيره الخطير على الدولار بصفته عملة عالمية.

كما أن المملكة العربية السعودية تبحث بيع النفط إلى الصين باليوان، وبدأت روسيا في بيع النفط إلى الهند بالعملة المحلية (الروبل والروبية)، وتخطط الصين وروسيا لإنشاء بديل لنظام سويفت.

هذه التطورات ستدفع النظام الاقتصادي العالمي إلى حالة من عدم الاستقرار، ولن يكون ذلك في صالح الولايات المتحدة.

أمّ العواصف!

يشير ماركو كارنيلوس إلى وصف صدام حسين للحرب مع أمريكا بأنها “أمّ المعارك”، ويرى أن العالم الآن يتعرض لـ”أمّ العواصف” التي تضرب الاقتصاد العالمي.

لقد أثّرت جائحة كوفيد-19 بشكل كبير على هذا الاقتصاد الذي بدأ يعاني من عدم قدرة سلاسل التوريد على توفير السلع الأساسية، ثم جاءت الحرب لتزيد حدة المشكلة نتيجة نقص إمدادات القمح من روسيا وأوكرانيا.

يضيف كارنيلوس أن بعض الدول سوف تتعرض للمجاعات مثل مصر ولبنان، وهذا سيؤدي إلى تغيير سياسي.

كما أن التضخم سوف يتزايد في كل الدول بشكل أكبر من المعدل الذي عرفه العالم طوال العقود الأربعة الماضية.

لذلك تتزايد حدة أزمة عدم اليقين في العالم كله، وهذه الأزمة ستؤدي إلى القلق والخوف والاضطراب

إن ارتفاع أسعار النفط والغاز سيؤدي إلى توقف خطط التنمية في العالم خاصة في أوربا التي ستتعرض لأعنف الضربات نتيجة توقف إمدادات الغاز الروسي، وصعوبة البحث عن بدائل.

انهيار السيطرة الأمريكية

لكن أهم نتائج تلك الأزمة الخطيرة -كما يري كارنيلوس- انهيار الهيمنة الأمريكية على النظام العالمي، ومن المحتمل أن تكون أوكرانيا هي المسرح الأول للمواجهة بين روسيا والصين من ناحية وأمريكا وأوربا من ناحية أخرى، وهذه المواجهة ستحدد مستقبل النظام العالمي الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة.

لقد قامت الصين بتقوية علاقاتها بروسيا لبناء تحالف لمواجهة الولايات المتحدة التي يدرك قادة الصين الفرص والفوائد التي يمكنهن الحصول عليها من تحالفهم مع روسيا ضدها، لذلك أصبح على الغرب أن يواجه روسيا والصين معا.. فهل يمكن أن تكون الصين هي التي تقرر مصير العالم، وتفرض رؤيتها على الاقتصاد العالمي؟!

السقوط والصعود!

توقعت دراسة أجراها مركز الدراسات الدولية الاستراتيجية (سي إس آي إس) أن يكون الاقتصاد الصيني هو الاقتصاد العالمي الأكبر عام 2024، وسيقترن ذلك بانهيار السيطرة الأمريكية على الاقتصاد العالمي.

كما أن الاقتصاد الأمريكي يتعرض للعديد من المشكلات حيث ترتفع نسبة التضخم، وهذا يهدد بانخفاض مستوى معيشة كثير من الأمريكيين، ويزيد المشكلات التي تواجه إدارة بايدن، ويؤدي إلى زيادة عدد الذين يرفعون شعار “أمريكا أولا”.

وفي الوقت الذي تتعرض فيه أمريكا لهذه المشكلات تزداد قوة التحالف الروسي الصيني، وأهمية الدور الذي يؤديه هذا التحالف في الاقتصاد العالمي.

إنها كارثة اقتصادية!

حذّر البنك الدولي من أن الحرب الروسية تشكل كارثة اقتصادية للعالم كله، فمن أهم نتائج تلك الحرب ارتفاع التضخم الذي سيضرب الفقراء بقسوة، حيث ترتفع أسعار الغذاء، وسوف يؤدي ذلك إلى الاضطرابات في الدول الفقيرة.

يقول مدير البنك الدولي ديفيد مالباس إن معدل النمو العالمي سيتناقص، محذرا من خطورة تزايد عدم المساواة في العالم، فالدول الفقيرة سوف تتعرض لدمار اقتصادي نتيجة ارتفاع معدل التضخم، وعدم اهتمام الدول الغنية بما تعانيه الدول الفقيرة، وهذا سيؤدي إلى عدم الاستقرار.

يضيف مالباس أن قيام أمريكا بزيادة أسعار الفائدة سيؤدي إلى زيادة تكاليف القروض، وسيؤثر ذلك بشكل سلبي على اقتصاديات الدول الفقيرة.

الجوع في أفريقيا

يقول رافي أجروال -رئيس تحرير مجلة السياسة الخارجية- إن الحرب في أوكرانيا ستؤدي إلى الجوع في أفريقيا، وستزيد عدم الأمن الغذائي، فمعظم الدول الأفريقية تستورد القمح والزيوت من أوكرانيا وروسيا، لذلك ستشهد هذه الدول ارتفاعا في أسعار الخبز وزيت الطعام حيث تنتج روسيا وأوكرانيا 27% من قمح العالم و53% من الزيوت.

والدول الأفريقية تستورد القمح من أوكرانيا وروسيا بأكثر من 5 مليارات دولار سنويا، وقد صرّح رئيس رابطة الصناع في كينيا بأن تكلفة استيراد القمح زادت بنسبة 33%.

وهذا يعني أن الدول الأفريقية تواجه أزمة تزداد حدتها كلما طال أمد الحرب، ومعظم الدول الأفريقية تعاني من تراكم الديون، وهذا سيهدد اقتصاد العديد من هذه الدول التي سيتزايد فيها الفقر والجوع.

يرى هيراشون أكيارا -أستاذ الاقتصاد بجامعة نيروبي- أن الحل الوحيد أمام الدول الأفريقية هو تحقيق التكامل بينها، حيث توجد إمكانيات لدى بعض الدول لإنتاج ما يكفي من الغذاء لإطعام الشعوب الأفريقية.

لكن كيف يمكن تحقيق ذلك الهدف في تلك الفترة التي يواجه فيها العالم أزمة غذاء؟ ولماذا لم تفكر نظم الحكم الأفريقية في هذا الحل قبل أن تواجه تلك الكارثة التي تهدد شعوبها بالجوع؟!

لقد بدأت الشعوب الأفريقية تشعر بقسوة الأزمة مع استمرار الحرب التي أدت إلى تزايد أسعار الطاقة والغذاء والأسمدة.

شعوب في وجه العاصفة!

لقد أصبحت الشعوب الأفريقية تواجه عاصفة مدمرة، فالدول التي تعتمد على استيراد النفط والقمح سوف تتعرض اقتصادياتها لمخاطر من الصعب أن تتمكن من مواجهتها، فالخسائر أكبر من قدرتها على التحمل، وهذا سيؤدي إلى زيادة التضخم، وتناقص قدرة الشعوب على الحياة.. فهل يمكن أن تكون الشعوب الأفريقية أولى ضحايا الحرب بين روسيا وأوكرانيا؟!

ومن الواضح أن النظم الحاكمة في أفريقيا ليس لديها أفكار جديدة لمواجهة الأزمة، فهي تعتمد على الحلول التقليدية التي تقدّمها إليها المؤسسات المالية الغربية مثل صندوق النقد الدولي، وهذه المؤسسات لا تهمها حياة الفقراء، وليس من العدل أن تدفع الشعوب الأفريقية ثمن هذه الحرب.

لذلك، فإن أزمة الغذاء وارتفاع الأسعار يمكن أن تدفع الشعوب إلى الثورة على نظمها الحاكمة المستبدة التابعة لأمريكا، وعلى النظام الرأسمالي الذي نهب ثروات الشعوب، وهذه الثورات ستسهم في انهيار السيطرة الأمريكية على النظام الاقتصادي العالمي.. فهل يمكن أن تكون الثورة هي الحل الوحيد أمام الشعوب لحماية حقها في الحياة، وتوظيف مواردها وثرواتها لبناء المستقبل؟!

المصدر : الجزيرة مباشر