الطريق إلى أوكرانيا: (1) الانهيار السوفيتي

لم تكن الحرب الروسية ـ الأوكرانية، فبراير 2022، وليدة الأيام التي بدأ فيها الاعتراف الروسي أولًا باستقلال جمهوريتين انفصاليتين عن الأراضي الأوكرانية في العشرين من فبراير 2022، ثم الغزو الروسي للأراضي الأوكرانية عبر عملية عسكرية شاملة في الرابع والعشرين من الشهر نفسه، لكن هذه الأحداث كانت وليدة رحلة ممتدة، يعود بها بعضهم إلى قرون عدة، مع التأسيس الأول لهذه الدولة في القرن التاسع الميلادي، ويعود بها بعض آخر إلى عقود عدة فقط، مع انهيار اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية 1991، وحصول أوكرانيا على استقلالها بعد هذه الانهيار كونها كانت إحدى جمهوريات هذا الاتحاد.

ومع أهمية ما شهدته أوكرانيا بعد الغزو الروسي، وما ترتب عليه من تداعيات ما زالت مستمرة، وسيكون لها العديد من الآثار المستقبلية، والتي ستكون محلًا لسلسلة ثانية من المقالات القادمة، تأتي أهمية الوقوف على عدد من الاعتبارات والملامح الأساسية التي مهّدت الطريق لما وصلنا إليه في فبراير 2022، والتي نتناولها في السلسلة الأولى من المقالات بعنوان “الطريق إلى أوكرانيا”.

والبداية في المقال الأول، مع انهيار الاتحاد السوفيتي، هذا الاتحاد الذي أُسّس في العام 1922، بعد نجاح الثورة البلشفية في القضاء على النظام القيصري الذي كان سائدًا في روسيا، عام 1917، ثم تمدد هذا الاتحاد ليضم 15 جمهورية توزّعت بين وسط آسيا وشرق أوربا، وكانت الحرب العالمية الثانية (1939ـ1945) علامة فارقة في تاريخ هذا الاتحاد، إذ خرجت منه إمبراطورية كبرى لا يضاهيها في القوة والمكانة والنفوذ إلا الولايات المتحدة الأمريكية، التي جاءت من أقصى غرب الأطلسي، لتفرض سيطرتها على شرقه، ممثلًا في دول أوربا الغربية التي انهارت إمبراطورياتها الاستعمارية التاريخية، وقبلت بالخضوع للهيمنة الأميركية.

واستمر النظام العالمي لأكثر من أربعة عقود ثنائي القطبية، حيث القطب الشرقي ممثلًا في الاتحاد السوفيتي الذي يهيمن على الكتلة الشرقية، ممثلة في أوربا الشرقية، ويمتلك ذراعًا عسكرية قوية ممثلة في حلف وارسو، في مواجهة القطب الغربي، ممثلًا في الولايات المتحدة الأمريكية، الذي يهيمن على الكتلة الغربية، ممثلة في أوربا الغربية، ويمتلك ذراعًا عسكرية فاعلة، ممثلًا في حلف الناتو، ولا يفصل بين القطبين والكتلتين والحلفين إلا سور برلين، الذي ظهر عام 1945، بعد تقسيم ألمانيا إلى شرقية وغربية.

الانهيار وصراعات الحدود والعرقيات

مع انهيار سور برلين 1989، انهار القطب الشرقي في السادس والعشرين من ديسمبر 1991، وبالتبعية انهارت الكتلة الشرقية واختفت ذراعها العسكرية، وشهدت الخريطة السياسية للعالم المعاصر ظهور 15 دولة مستقلة جديدة نتيجة انهيار هذا القطب تتوزع بين 8 جمهوريات في وسط آسيا والقوقاز (أوزبكستان، كازاخستان، طاجيكستان، قرغيزستان، تركمانستان، أذربيجان، أرمينيا، جورجيا) و7 جمهوريات في شرق أوربا والبلطيق (روسيا الاتحادية، روسيا البيضاء، أوكرانيا، مولدوفا، إستونيا، ليتوانيا، لاتفيا).

وكما كان صلح وستفاليا 1919، بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، السبب الأول لقيام الحرب العالمية الثانية 1939، كان انهيار الاتحاد السوفيتي 1991، السبب الأول لنشوب العديد من الحروب والمواجهات العسكرية سواء بين الدول التي استقلت عن الاتحاد السوفيتي وبعضها الآخر، مثل الحرب الروسية الجورجية 2008، أو الحرب الروسية ضد أوكرانيا 2014 واحتلال روسيا لشبه جزيرة القرم، وآخرًا وليس أخيرًا الحرب الروسية الأوكرانية 2022.

كما كان هذا الانهيار سببًا لنشوب العديد من الحروب الأهلية داخل حدود عدد من الجمهوريات السوفيتية السابقة، وكانت قضايا الأقليات والهويات والثروات هي المحرك الأساس لها، مع تنامي الرغبات الانفصالية، التي تحركها أطراف خارجية، استهدفت تقسيم روسيا أولًا (كما حدث في حرب الشيشان الأولى 1995، وحرب الشيشان الثانية 1999)، ثم كانت روسيا ذاتها أحد الأطراف الخارجية التي دعمت هذه الرغبات الانفصالية وما زالت، في جورجيا (إقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية)، وفي أوكرانيا (إقليم دونباس، وشبه جزيرة القرم)، وفي مولدوفا (إقليمي ترانسنيستريا، وجاجاوزيا)، وفي أذربيجان (إقليم أرتساخ) وغيرها من الأقاليم في عدد آخر من الجمهوريات السوفيتية السابقة، تحت شعار “دعم الأقليات الروسية المضطهدة”.

وهذه الأقليات، تمثل إحدى أهم مخلفات الحقبة السوفيتية، حيث عمد الرؤساء الذي تناوبوا على الحكم في الاتحاد السوفيتي على تبنّي سياسات تهجير واسعة النطاق، لإعادة تشكيل الخرائط السكانية في جمهوريات الاتحاد كلها، سعيًا نحو تغيير البنية الديموغرافية، وغرس المكوّن الروسي وضمان سيطرته وهيمنته في هذه الجمهوريات، وورقة من أوراق تفكيكها، وبالتالي توفير مبرر للتدخل العسكري فيها إذا لزم الأمر، وهو ما تتبنّاه روسيا الاتحادية في سعيها لاستعادة إمبراطوريتها المنهارة.

الانهيار وصراعات الموارد والثروات

بجانب الورقتين الحدود السياسية والأقليات العرقية والقومية، كمخلّفات للحقبة السوفيتية، تبرز مجموعة من الأوراق الأخرى، التي ستشكّل في ذاتها مبررات ودوافع مستقبلية للعديد من الحروب والمواجهات العسكرية، ومن ذلك ورقة الاقتصاد والثروات الطبيعية التي تمتلكها الجمهوريات السوفيتية السابقة، وخاصة ما يرتبط منها بمصادر الطاقة كالنفط والغاز والفحم والطاقة النووية والطاقة الكهرومائية، وكذلك الإنتاج الضخم من المواد الغذائية، وفي مقدمتها القمح والزيوت النباتية، بجانب الحديد والصلب واليورانيوم، والتي تتركز بدرجة أساسية في الجمهوريات السوفيتية السابقة في شرق أوربا وفي مقدمتها أوكرانيا.

ولا يقف الأمر فيما يتعلّق بهذه الثروات عند الرغبة الروسية في فرض السيطرة عليها والتحكّم فيها فقط، ولكن يترتب الأمر بالعديد من الاعتبارات الأخرى في مقدمتها، التحكّم في طرق النقل والإمداد من ناحية، والتحكّم في حجم التجارة الدولية من هذه الثروات، وبالتالي التحكّم في سياسات التسعير، واستخدامها كورقة من أوراق المساومة والتفاوض والضغط في مواجهة منافسي روسيا الاتحادية.

ولهذا كان التفكير المباشر فور انهيار الاتحاد السوفيتي في إنشاء عدد من الكيانات والمؤسسات السياسية والاقتصادية، التي يمكن أن تشكّل مظلات بديلة للمظلة السوفيتية المنهارة، وهو ما لم تنجح فيه روسيا الاتحادية، أمام اختلاف التوجهات السياسية للنظم السياسية التي تعاقبت على حكم الجمهوريات المستقلة، وتنامي الرغبات بالاندماج الكامل في المنظومات الغربية مثل حلف الناتو، لضمان الحماية العسكرية من ناحية، والاتحاد الأوربي لضمان الاستقرار الاقتصادي، من ناحية ثانية، والخروج من العباءة الروسية التي تتبنّى استراتيجية استرداد المجد البائد، من ناحية ثالثة.

وهذه العوامل الثلاثة (تمدد الناتو، التوسع الأوربي، الاستراتيجية الروسية) ستكون محلًا لمقالات قادمة في هذه السلسلة.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان