جزيرة غمام.. المحبة والبصيرة.. قوة الإنسان

 

حيّرني عبد الرحيم كمال عندما بدأ مسلسله الدرامي (جزيرة غمام) بزيارة الرئيس المصري محمد أنور السادات للقصير بالبحر الأحمر قبل زيارته للقدس في سبتمبر 1977، وازدادت الحيرة عندما أجلسه في المسجد ليحكي له إمام المسجد حكاية جزيرة غمام التي لم يكن اسمها بهذا الاسم من قبل.

وبدأ المسلسل الذي يعرض على شاشات رمضان الدرامية بوفاة شيخ الجزيرة، وهبوط طرح البحر على أرضها، أي طرح هذا وأي شيخ رحل؟ وارتبطت الحكاية الدرامية بهذا المدخل في عقلي بالمحور السياسي الذي بدأ بوجود شخصية درامية تاريخية مثل أنور السادات، وذهبت أبحث عن السياسية في العمل الدرامي.

النص سيد الأدوات الدرامية

النص الدرامي هو العنصر الأول في العمل الفني، ولعبد الرحيم كمال تجارب نصية محكمة وأثارت الكثير من الجدل، كان المحور الصوفي أحد معالم كتابتها وخاصة في مسلسلات مثل الخواجة عبد القادر، وونوس، وعندما يجد الطاقم الفني أمامه نصًا دراميًا تتفتح آفاق الإبداع أمام الجميع ليخرج العمل مبدعًا فالأصل هي الكلمة.. الكلمة نور وبعض الكلمات قبور كما يقول الكاتب المصري عبد الرحمن الشرقاوي في رائعته (الحسين ثائرًا)، والكلمة نجمة كهربية في الظلام كما يقول شاعر العامية المصري صلاح جاهين.

وللنص الدرامي المكتوب بصدق وحرفية مذاقه عند جمهور المتلقين خاصة إذا بلوره المبدعون من مخرجين ومصورين ومديري إضاءة وممثلين محترفين وحوّلوه إلى نص مرئي مبهر، ليصل للجمهور بسلاسة ويسر، وقد أبدعت كل مفردات العمل الفني (جزيرة غمام) بدءًا من مقدمة العمل الغنائية لإبراهيم عبد الفتاح شاعرًا وعلي الحجار غناء وشادي مؤنس ملحنًا، ثم التصوير والإضاءة بقيادة فنان حساس للمكان والزمان ومصادر الإضاءة.

أداء ممثلين بحجم فتحي عبد الوهاب وطارق لطفي ورياض الخولي ومحمد جمعة والقديرة عايدة فهمي في دور يؤكد قدراتها التمثيلية (صوت الحق والحقيقة في الوجدان الإنساني)، ثم أحمد أمين (الشيخ عرفات) الذي أثار الجمهور والمتابعين بجمله المفصلية في العمل الدرامي، تضافرت العوامل كلها بقيادة المخرج حسين المنباوي ليخرج (جزيرة غمام) حالة درامية مرئية ساحرة لجمهور اشتاق لمثل هذه الأعمال.

صراع المحبة والشيطان

يقف خلدون ابن طرح البحر على شط الجزيرة ليؤكد الهدف من هبوطه على أرضها، خلدون القادم من البحر ليشتت هذا المكان يستخدم كل أدواته الغواية والمال والوسوسة في عقول المستهدف بالسلطة والمال والسيادة، يلعب على وتر الغريزة ببراعة، ذكّرتنا الحالة الدرامية بفيلم (الدخيل) للمخرج المصري نور الدمرداش، إنتاج عام 1963، وربطته في عقلي بجلوس السادات ليستمع للقصة، التي هي واقع يصنعه الخيال كما يدوّن صناع العمل في بداية العمل ونهايته، أين الواقع وأين الخيال؟ فيما يقدّمه عبد الرحيم كمال.

على الطرف الآخر ونقيضه يقف الشيخ عرفات، عنوان المحبة والقلوب السليمة، يقول خلدون إنه بلا مدخل وإنه عدوه الحقيقي، فهو بلا رذيلة، يعيش عرفات على فطرته، يزرع في قلوب أطفال الجزيرة الحب والجمال والحق، (أنت أجمل حاجة في الكون.. الكون ربنا خلقه علشانك)، كما قال على لسان الطفل سمير (أنا مش حجش.. أنا أحسن حاجة في الدنيا) مشكلة خلدون طرح البحر الذي جاء لتقسيم الجزيرة، كما قال في الحلقة 17 من المسلسل، لبطلان كبير البلد، وعرفات لا يستطيع السيطرة عليه.

ثلاثية الإنسان

تلاميذ الشيخ مدين الثلاثة محارب ويسري وعرفات، أورث كلًا منهم شيئًا من ميراثه، مشيخة القرية لمحارب، وبيته ليسري، وكتاب أسرار الناس ومسبحته لعرفات، تبدو الأشياء في ظاهرها ولها دلالتها عند الكاتب عبدالرحيم كمال طبيعية، فلكل تلميذ صفة، محارب الذي يرى نفسه قيادة للجزيرة بحكم ميراثه القوي (شيخ الدين)، وفي فهمه للدين جزء من الخطأ، فهو مغلق على نفسه، حافظ (مش) فاهم، ويفصل بين الدين والحب والحياة، لديه مشاكل متعلقة بالقوة والطمع في السيادة.

يسري التلميذ الثاني المنزل عنوانه، فهو ييسّر أحوال المنازل بطريقته، يمزج العلم بالخرافة وكذلك الدين، أما عرفات فهو رمز الحياة يعرف الأسرار ولا يكشفها، يسعى للحياة بكل ما فيها من جمال محافظ على الدين والدنيا، المحب العاشق للخير والجمال، صاحب القلب السليم أثار في قلوب المشاهد نزعة صوفية، يمكن لكل متلقٍ أن يجد في نفسه تفسيرًا وتحليلًا للرسالة.

ممكن أن تقول إن هذا صراع قوى سياسية، ونعود إلى مشهد السادات وحديث إمام المسجد عن زيارة القدس وما تسببت فيه من آثار على الأمة العربية، ونرى في محاولات خلدون (طرح البحر) ما يؤكد وجهة النظر تلك، يحتمل العمل التفسير الطبيعي للدراما صراع البشر العادية السيطرة والسلطة والنفوذ والتحكم، طبيعة البشر وصراعهم في الحياة، والرسائل ربما تكون واضحة.

صراع الخير والشر

وفي لحظة ما تصوّرت أن العمل يمكن تفسيره أنه صراع النفس البشرية، في كل منا جزء من هذه الثلاثية محارب ويسري وعرفات، ألا يوجد داخلنا مثل هذه الصراعات تحارب بعضها بعضًا؟ ينتصر التشدد والطمع لحظات، ويصارعها جوانب المحبة داخلنا، نسعى إلى مباهج الدنيا وقتًا، ويغلبنا، يقاومها الخير والعدل، تنتصر صفة على صفة لدى إنسان، وتهزم ما سواها فيصير هكذا الإنسان لكل منا ملمحه، إنها النفس البشرية وأجنحتها.

محاولات السيطرة والتفتيت

لكل عمل درامي تفسيرات مختلفة لدى الجمهور تلك حقيقة إبداعية لكل منا مشاربه ومعارفه، علمه وتعليمه، نفسه وعقله، لكن المشاهد تتوالى، يقول خلدون لأهله حين يشكون من خدعته لمحارب أنه لم يعد صاحب خيام اللهو واللعب، فيرد خلدون أنتم تمارسون هذا سرًا، وإن كنتم لا تمارسون ألا تجدون مأكلكم ومشربكم وحياتكم كما هي ليست متأثرة بهذا التعطيل؟ ثم يصمهم أنهم بلا جذور!!

خلدون يدرك أهدافه يعرف متى يوسوس في عقول المستهدفين، ومتى يبدأ عمل أهله وناسه، ومن هم؟ يدرك متى يقف حيث التيار أعلى من قدرته؟ ومتى يجعل من آخرين من أهل جزيرة غمام يقومون بدوره؟ يصطاد بمهارة الكبار واحدًا تلو الآخر ليصل إلى ما أعرب عنه صراحة تفتيت الجزيرة ثلاثة أجزاء، جزء لمحارب وبطلان شيخ الجزيرة، جزء للدير والكنسية، جزء لعجمي عمدة الجزيرة ورجلها القوي والشيخ عرفات.

ملاحظة أخيرة

بدأت حكاية جزيرة غمام دراميا في عام 1914، ثلاثة أعوام قبل وعد بلفور، سنة خلع الخديوي عباس حلمي عن حكم مصر والسودان، ولعباس حلمي مكانته لدى المصريين، وظلوا يغنون له في الشوارع (الله حي.. عباس جي).

ملاحظة فنية

في مشهد ينام خلدون ويضع على عينيه بلورتين، فيرى من خلاله الشيخ محارب، الشيخ يسري، العمدة عجمي، وبطلان كبير من كبراء البلد، ليكشف أسرارهم، استثنى كمال والمخرج الرائع حسين المنباوي الشيخ عرفات، فخلدون يعجز عن معرفة سره.

أخيرًا

نجوم هذا العمل من ممثلين وفنيين، وفنانين، وخاصة الديكور والإضاءة والتصوير يستحقون كل إشادة وتقدير، أما مخرج العمل حسين المنباوي فقد استطاع قيادة فريق عمل كبير ليقدم عملًا فنيًا يعيد للدراما التليفزيونية المصرية بهاءها، ويستحقوا جميعًا التوقف أمام إبداعهم الفني وتقديرهم.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان