من شنغهاي.. الغضب الساطع آت!

شنغهاي تحت الحصار.. هكذا يصرخ أصدقائي الذين أرسلوا لنا مشاهد قاسية، عما تعانيه عروس بحار الشرق وأغنى مدينة في الصين، منذ وضعها في الحجر الصحي الشهر الماضي. تُظهر الرسائل المصورة عددًا من حالات الانتحار التي لجأ إليها مواطنون انقطعت بهم السبل، فشلوا في الحصول على احتياجات أسرهم من الغذاء والأدوية، مع تنفيذ قرارات الإغلاق بقسوة، فجعلت المدينة التي لا تنام، وما حولها، مأوى للأشباح لا تسمع في أرجائها إلا صرخات المنكوبين.
مشاهد الانتحار خطيرة، لا يستطيع إنسان متابعتها، لقسوتها، فمنهم من يلقى بنفسه من أعلى العمارات، وآخر يعلق رقبته في نافذة مرتفعة، أو مروحة بالسقف، وثالث يجري بأقصى سرعة لينطح الحائط برأسه، ليموت كالنطيحة، ورابع يرمي بنفسه أمام سيارة. لاحظت أن معظم حالات الانتحار لشبان فقدوا أعمالهم، وضاق صدرهم من حالات الإغلاق التي تواصلت في الصين منذ 3 أعوام، وما زالت تضع أكبر 100 مدينة تحت الحجر الكلي أو الجزئي، مع استمرار قيود السفر بالداخل والخارج، وتعطل الأعمال وممارسة الحياة الطبيعية.
نهاية النفق
الناس يحتاجون إلى نقطة ضوء في نهاية النفق، بينما فشل المسؤولون في وضع حد لأزماتهم، منذ انتشار وباء كورونا للمرة الأولى في منطقة “ووهان”، شمال شنغهاي عام 2020. عدد الوفيات في مدينة يتجاوز تعدادها 25 مليون نسمة، لا يزيد حتى الآن على 17 حالة، والاصابات خفيفة، في حدود 400 ألف حالة، إلا أن الحكومة تطبق إجراءات قاسية ومرتبكة “تدفع بموت كثير من المرضي بالأمراض المزمنة والأخرى غير المرتبطة بالوباء لا يُذكرون بالإحصاءات الرسمية”، كما يقول أطباء.
قال رئيس الصين شي جين بينغ إنه “لا يمكن تخفيف أعمال الوقاية والسيطرة”، لأن معدلات الوفيات والعدوي المنخفضة في البلاد أصبحت محور شرعية إدارته، ويعدّها شهادة على أن نظامه الشمولي أفضل من الأنظمة الغربية التي ترتفع فيها معدلات الوفاة، ويحمّلها مسؤولية وفاة نحو 6.2 ملايين شخص، أغلبهم من الدول الليبرالية. تعثّر مسؤولو الأحياء في السيطرة على الشوارع المغلقة بأكبر مدينة اقتصادية، فانتحر مسؤول لجنة الصحة في شنغهاي (تشيان وينغ زيونغ)، لأن الوقاية أصبحت عبئًا ثقيلًا على القطاع الطبي والموظفين. أدى الحجر الصحي في شنغهاي والمدن الكبرى حولها إلى تعطيل أموال وأعمال أكثر من 400 مليون شخص في 45 مدينة كبرى، يشكلون نحو 7.2 مليارات دولار في الناتج القومي السنوي.
معسكرات الاعتقال
دفع الغضب الناس إلى التحدث للإعلام الدولي، بعد أن امتنع الصحفيون المحليون عن الاستماع إليهم. رفضت نساء مصابات تسليم أطفالهن الرضع إلى السلطات، واشترطن وجودهم معهن في معسكرات الحجر التي يطلقن عليها في وسائل التواصل الاجتماعي “مخيمات اللاجئين أو معسكرات الاعتقال”. تسرّب الناس إلى الشوارع بحثًا عن الطعام. كتب مواطن “إنهم لا يعاملوننا كبشر على الاطلاق”. وعلّق الأديب وانغ لي زينغ، صاحب رواية المد والجزر المقيم في شنغهاي “إن أزمة من صنع الانسان مثل الموجودة في شنغهاي، أمر لا مفر منه في ظل النظام الاستبدادي” حيث ازداد الخطر بعد أن فرضت بيجين قيودًا على المجتمع المدني بكامله.
محنة قاسية
الناس في منازلهم جائعون بمدينة الأغنياء، ويقولون إنهم لم يمروا بهذه المحنة من قبل، حتى أثناء احتلالها من الفرنسيين أو الإنجليز واليابانيين. أصبح الناس على قناعة بأن الإغلاق يسبب ضررًا أكثر مما يمنع، ويعتقدون أن الحكومة لا تهتم بصحتهم بقدر اهتمامها بالأهداف السياسية للحجر. يتحدث الذين استطاعوا التعبير عن آرائهم على وسائط التواصل الاجتماعي المحلية مثل “ويبو” عن إصرار الحزب الشيوعي على قناعته، بأن الشعب موجود لخدمة الحكومة، وليس العكس. اشتدت حملات المواطنين الذين أصيبوا بصدمة، للإدارة السيئة للأزمة، وحجز مئات الملايين في بيوتهم، لفترات غير محدودة، وعدم الشفافية، التي دفعت الناس إلى التناحر للحصول على الوجبات، وابتكروا مصطلح “زيجيو” أي الخلاص الذاتي بعيدًا عن الدولة، بمقايضة المأكولات مع جيرانهم، بالمياه والمشروبات والعكس، والأغنياء منهم أكلوا حيواناتهم الأليفة وبراعم الخيزران التي يزرعونها حول منازلهم الفارهة. تداولت مقاطع فيديو لأشخاص يقومون بأعمال شغب، مما دفع الحكومة إلى تشديد الرقابة على السوشيال ميديا، وملاحقة الناشرين والمتحدثين علنًا، بينما تمكّن آخرون من تسريب فيديوهات على وسائط التواصل الدولية.
الوباء و”صفر عصفور”
أصبح الناس في خوف من إصرار حكومتهم على تطبيق سياسة “صفر وباء”، دون التعايش معه مثل باقي الدول، واعتبروا ذلك تطبيقًا لحملة سياسية، على غرار ما قام به الزعيم ماو زي دونغ، الذي أمر في ربيع عام 1958، الأمة الصينية، بإبادة العصافير، باعتبارها آفات تدمر المحاصيل. حمل الناس الأواني والمقالي وأشعلوا الألعاب النارية، هرولوا بالمقالع وراء أسراب الطيور لمنعها من التوقف، إلى أن تموت من الإعياء. اصطاد الناس ملياري عصفور في بضعة أشهر، مما أدى إلى انتشار الحشرات التي دمرت المحاصيل، فتسببت في استفحال المجاعة الكبرى التي استمرت حتى عام 1961، وقتلت نحو 30 مليون شخص. يتخوف الصينيون من أن تؤدي سياسة شي جين بينغ إلى إيذاء الجميع، الذي يتجاهل نصيحة الأطباء بإمكانية التعايش مع الفيروس، وتحذير رجال الأعمال والصناع من تزايد الخسائر وهروب رؤوس الأموال والشركات إلى خارج الصين.
يعتمد المرشد الأعلى للحزب الشيوعي على دعم أغلبية من العوام، يتحكم بها الحزب الحاكم ويوجهها الإعلام الدعائي، يستدعي النعرة القومية، ويعتبر أصوات الغاضبين أقلية أنانية، يجب أن تضحي بمصالحها من أجل الجماهير، ولو ماتت كمدًا، وجاع الجميع كما حدث من قبل. يصر شي على المواجهة بقواعد اللعبة نفسها التي بدأها منذ انتشار الفيروس في ووهان: إغلاق شامل، إقامة جبرية، تعقيم البشر والحجر، بينما يرفض نحو 150 مليون شخص من كبار السن التطعيم، لشكهم وخبراء في فعالية الدواء الصيني وقدرته على حمايتهم من الوباء!
