استباحة “عمامة” الأزهر في الدراما!

بدأ العداء مبكرًا بين أهل الدراما وعلماء الأزهر، فهم يتربصون بالزي الأزهري منذ نشأة المسرح وحتى دخول السينما والتلفزيون، ولكل منهما أسبابه، فرجال الدين في بداية نشأة هذه الفنون اعتبروها حرامًا، وأهل الفن من جانبهم ردوا إليهم الصاع صاعين وجعلوا رجال الأزهر في صور مشوّهة.
ومع مرونة رجال الدين إلا أن أهل الفن لم ينسوا لهم ذلك، لذا لم يكن غريبًا ظهور الشيخ “يحيى” في مسلسل فاتن أمل حربي بهذه الصورة، فهو تارة يحفظ ما يقوله ولا يفهمه، وتارة أخرى ضعيف الحجة، وبعدها يقابل امرأة بلباسه الأزهري في أحد الكازينوهات ليتحدث معها في لقاء لا يفعله سوى العشاق، مما جعل مركز الأزهر للفتوى الإلكترونية يُصدر بيانًا ندد فيه بتشويه المفاهيم الدينية والقِيم الأخلاقية؛ بهدف إثارة الجدل وزيادة الشهرة والمشاهدات.
القرداتي
“الزمار والطبال وكل مَن يشتغل في اللهو لا يصح الاستماع إلى شهادته”، كانت هذه الجملة نصًا شرعيًا يأخذ به قضاة مصر حتى منتصف القرن الماضي، فلم تسمح أي محكمة -آنذاك- بالأخذ بشهادة أي فنان مهما علا شأنه، ومهما كانت مكانته، بحجة أنهم يتقنون الكذب، فكيف يقبل قاض بشهادة يشكّ في صدق صاحبها!
لقد كانت وجهة نظر رجال الدين والقضاة في القرن الماضي أن ”المشخصاتي” -وهو اللقب الذي كان يطلَق على الممثل- قادر على إقناع مَن حوله بكل ما يقوله حتى لو كان كذبًا ليصبح مشكوكًا في صدقه دائمًا، ولذا لا تُقبل شهادته في المحاكم الشرعية أمام القاضي الذي كان وقتها أزهريًا يرتدي زي رجال الأزهر المعروف حتى الآن. وبشهادة عميد المسرح العربي يوسف وهبي في أحد حواراته، قال: إن أحد الممثلين حضر للشهادة في المحكمة الشرعية، فلما سألوه عن مهنته، قال: ممثل، فقالوا: شهادتك لا تجوز أمام القضاء؛ لأن الممثل كالقرداتي!
وعلى ذكر يوسف وهبي، فقد تعرّض لأزمة كادت تعصف بنجاحه الفني، حيث نشرت مجلة إيرانية سنة 1928 أن شركة سينماتوغراف الفرنسية جاءت إلى مصر، واتفقت مع عميد المسرح العربي على تمثيل فيلم “النبي محمد”، واشترطت أن ينتقل مع بعض أفراد فرقته إلى باريس، وأن الفيلم من إنتاج تركي، وحضر المنتج إلى القاهرة، وبصحبته المخرج توجو مزراحي، وبعد المقابلة أخذ وهبي يستعد لأداء دوره وصنع لنفسه صورًا فوتوغرافية للشكل الذي سيظهر عليه في الفيلم، وهي صورة لا تختلف عن صورة راسبوتين، لتفتح عليه أبواب جهنم من كل حدب وصوب، وشُنَّت حملة شرسة ضده، وأرسل شيخ الأزهر خطابًا إلى وزارة الداخلية في اليوم التالي مباشرة يطالبها فيه بالتحقيق في الأمر، ومنع هذا “المشخصاتي” من القيام بالدور حتى لو اقتضى الأمر منعه من السفر بالقوة وإيداعه السجن، كما طالب شيخ الأزهر بأن تخاطب حكومة باريس بواسطة السفارة المصرية هناك لمصادرة هذه الرواية، واستدعت الداخلية يوسف وهبي، وحققت معه، وأرسلت ردًا إلى الأزهر تقول فيه إن يوسف وهبي سيعتذر في الصحف عن قبوله هذا الدور تحت ضغط شعبي، وتحت تهديد الملك فؤاد بسحب جنسيته المصرية منه.
الدراما ترد
وفي منتصف القرن الـ19 عرفت مصر المسارح للمرة الأولى، وكان أولَ مَن أدخل هذا الفن رجلٌ سوري اسمه خليل النقاش، فأنشأ أول فرقة تمثيلية وقدّم عروضه على المسرح الكوميدي الذي أنشأه الخديوي إسماعيل.
واستعان خليل في البداية بالشباب الوسيم من فرقته لأداء أدوار النساء، حتى بدأت الفِرق تستعين بعدد من السوريات في التمثيل بها قبل أن تدخل المصريات مجال التمثيل؛ خوفًا من تقاليد المجتمع.
وعندما تولى الخديوي عباس الثاني عرش مصر، أبدى رغبته في أن يرى تمثيلًا مصريًا، وخصّ فرقة سلامة حجازي بالذكر، ولكن رجال السرايا رأوا أن في هذا التصرف نزولًا عن أبهته وعمّته، وأن مشاهدته لتمثيل النساء على المسرح قد تثير حفيظة رجال الأزهر الذين انتقدوه وهاجموه وقتها بسبب الاستعانة بالنساء في التمثيل على المسرح، وكان الخديوي يخشى غضب رجال الدين، فعدَل عن رغبته.
من ناحيتها، ردت السينما على رجال الأزهر بطريقتها، واستباحت العمامة الأزهرية، فقد أظهرتهم عديمي المروءة والنخوة، كما في فيلم الزوجة الثانية، وشخصية مبروك العطار بزيّه الأزهري الذي جسّده الفنان حسن البارودي، فهو وصولي منافق للسلطة المتمثلة في العمدة صلاح منصور، الذي يسخّر الشيخ مبروك لتحقيق أطماعه ونزواته، ويبرر الشيخ أفعاله بالآية الكريمة {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}، بهدف تطليق فاطمة “سعاد حسني” من زوجها أبو العِلا، وإجبارها على الزواج من العمدة قبل انتهاء العدة، ويقول جملته الشهيرة “الورق ورقنا.. والدفاتر دفاترنا”!
قنديل أم هاشم
ونموذج الشيخ درديري في فيلم “قنديل أم هاشم”، الرجل المتخلف الجاهل الذي يعالج مرضى العيون باستخدام زيت قناديل أم هاشم، مما يجعل هناك صراعًا بين الدكتور والشيخ الجاهل ينتهي بانتصار العِلم على الشيخ.
وخلال الأعوام الماضية، أنتجت السينما عشرات الأعمال الدرامية التي تناولت عمامة الأزهر بشيء من الاستهجان، مصطدمة مع الأزهر الشريف، ومنها فيلم “الحِدق يفهم” لمحمود عبد العزيز، الذي جسّد فيه دور لص يلتقي شيخًا أزهريًا، فيحبسه، ويرتدي زيّه ويذهب إلى القرية، وفيلم “حسن ومرقص” للفنان عادل إمام، الذي صور عمامة الأزهر بشكل سيئ، وفيلم “سالم أبو أخته” لـ محمد رجب، الذي أثار ضجة بتناوله عمامة الأزهر، متمثلة في صحيفة “صوت الأزهر”، ليقدم إسقاطًا سينمائيًا يمثل الغطاء الديني لاستبداد القوة الأمنية، بعدما ظهر أمين الشرطة في الفيلم وهو يمسك في يده جريدة “الأزهر”، متخفيًا بها، وكذلك فيلم “مولانا” لـ إبراهيم عيسى، ومسلسل “الداعية”.
وإذا كان المشخصاتية ينتقمون لموقف قديم، فما سبب استمرار حملة التشوية الآن؟ وإذا كان هو الغرض من جانبهم، فلماذا تشارك السلطة في ذلك من خلال الدراما التي تنتجها؟
ليقودنا هذا الى السؤال المهم: ما السبب في استباحة عمامة الأزهر ورجال الدين الإسلامي دون سواهم؟
