شهادات من معسكر تعذيب المسلمات في الصين

يعتز الصينيون بأيام الربيع، فهناك احتفالات مبكرة بعيد السنة القمرية في شهر فبراير، وهي الإجازة الأطول كل عام. تبدأ الثلوج في الذوبان شمالا، وتهطل الأمطار جنوبا، بينما الشرق الذهبي يتألق، ببحيراته، وجبال الشاي وشركاته، وناطحات السحاب العملاقة.
تفضل الحكومة الصينية دعوة الصحفيين الأجانب في تلك الفترة، حيث الهواء أكثر انتعاشا، والتلوث ضئيل أو منعدم، والموسم السياسي للحزب الشيوعي في قمته، مع اجتماعات مجلسي نواب الشعب والمجلس الاستشاري، وهما بمثابة الغرفتين الأولى والثانية في البرلمانات الدولية.
حرصت الجهات الرسمية التي دعتنا لهذه المناسبات مرارا، على أن نشهد تجمّع مندوبي الأقليات العرقية الست والخمسين المكونة لشعب الصين. يتباهى المسؤولون بقدرة الحزب الشيوعي على توحيد هذه القوميات، مختلفة اللغة والدين والعادات، تحت راية الحزب وقياداته.
ظلت وزارة الخارجية الصينية تفتخر أمام الصحفيين والدبلوماسيين من الدول العربية والإسلامية -الذين تدعوهم لزيارة قاعة الشعب الكبرى المطلة على ميدان تيآننمين والمدينة المحرمة- باستعراض ممثلي قبائل الإيغور والقازاق والأوزبك المسلمين، أثناء دخولهم مجلسي النواب.
تنتهي الجولة بنا إلى الغداء في “المطعم الإسلامي” المطل على الميدان الذي يتسع لنحو 500 ألف شخص في وقت واحد.
تكرر المشهد لسنوات، حتى عام 2013، حيث يرتدي المندوبون أزياء فلكورية زاهية الألوان، يعكس زي كل منهم ثقافته وموطنه وديانته. مؤخرا، بدأت السلطات تستعين بشبيبة الحزب الشيوعي في ارتداء ملابس الأقليات، وتنظم عروضا استعراضية مزيفة أمام المصورين الأجانب.
الزعيم والكل في واحد
شرع الحزب مع تولي شي جين بنيغ، مهمة جديدة، وهي التعصب بعنف لكل ما هو صيني، بمنع الحديث عن القوميات، وإخفاء البيانات الرسمية عن أعدادهم ومستوى تمثيلهم في البرلمان، أو مدى تمتعهم بالمساواة في الحقوق، مع الأغلبية من الهان، التي تحتكر المراكز القيادية في الدولة والحزب والاقتصاد.
يريد الرفيق شي “الكل في واحد”، وهي سياسة تعني ولاء الجميع للقومية الصينية والفكر الأيديولوجي للحزب الشيوعي. استغل شي عددا من الحوادث التي شارك فيها شباب من أصول إيغورية، احتجاجا على القمع الذي ترتكبه السلطات مع عائلاتهم، ومصادرة أملاك المسلمين، في تشكيل جدار يعزل أهل تركستان الشرقية (شينجيانغ)، ليس عما في الخارج فحسب، بل عن الداخل أيضا.
اختفى مليون إيغوري مع أبناء أقليات عرقية أخرى، في ظل حملة الملاحقة الأمنية للأهالي. رصدت البعثات الدولية وصحفيون مستقلون تسللوا إلى “شينجيانغ” منذ عام 2016، ليتأكدوا أن المختفين نُقلوا من بيوتهم إلى معسكرات وسجون، في إطار حملات القمع، استهدفت سلخ الناس من أصولهم، وعاداتهم، ومنعهم من التحدث بلغة غير الصينية، التي يتحدث بها سكان بيجين “الماندرين”.
غسل الأدمغة
أخبرني أصدقاء من الإيغور عن عمليات غسل الأدمغة، التي تجرى على أيدي قيادات الحزب والدولة، وإزالة المساجد والمنازل، تقول السلطات الصينية إنها لتوسعة الطرق وإقامة منازل حديثة، وحدائق ومصانع ومزارع جديدة.
أكد باحثون أن ثلث المناطق التي أزيلت بلا مبرر. تواصلت مع زملاء قدامى هرب بعضهم إلى أوربا، بعد وصولهم إلى مصر والسعودية لاستكمال التعليم الديني، ممن تعلموا اللغة العربية في بلدهم بالخفاء، فأكدوا وجود 380 مرفق احتجاز للمسلمين حتى الآن. تنفي السلطات الصينية وجود هذه المعسكرات، إلى أن أصدرت برلمانات كندا وهولندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، نهاية أبريل 2021، قرارات اعتبرت ما يجري من ممارسات ضد المواطنين في شينجيانغ “إبادة جماعية”، فإذ بالصين تعترف بوجود المعسكرات، وتدعي أنها “أقيمت لتعليم السكان مبادئ الوطنية والاشتراكية، وإعدادهم لسوق العمل”.
العبودية الجنسية للمرأة
كشف تقرير عن انتهاكات الصين لحقوق المرأة، عن العام الماضي، فالسلطات الصينية منذ دخولها المجلس الدولي لحقوق الإنسان، وهي تستخدم قوتها الاقتصادية، في الترويج لروايتها عن تطويرها للمناطق المضطهدة، وبدعم الأنظمة التي تساعدها، في إلقاء القبض على الإيغور الفارين من القمع الوحشي في بلدهم. أوضح التقرير أن الصينيين يركزون على قهر المرأة، باعتبار عفتها وشرفها، ليس لمجرد أن إهانتها بصفتها رمزا للأسر الملاحقة فقط، ولكن لسلب كرامة الإيغور والمسلمين من مختلف القوميات. يبيّن التقرير المترجم إلى اللغة العربية، خضوع المرأة منذ عام 2017، لقيود أكثر من المفروضة على الرجال منذ عقد كامل، فهي تساق إلى معسكرات الاعتقال، وللعمل في السخرة، وأُرسِل على مدار4 أعوام 80 ألفا منهن كرقيق أبيض للترفيه عن ضباط المعسكرات!
ينظر قادة الحزب الشيوعي إلى المرأة المسلمة، على أنها مجرمة لمجرد أنها ترتدي ملابس غير صينية، كاسية لكامل جسمها، وتوضع في قائمة الإرهاب، إذا لبست حجابا على رأسها.
تفتخر الصين بأنها أوقفت “آلات صنع الأطفال” في شينيجانغ، بعد أن سجنت وعقمت الرجال، ولاحقت المرأة الإيغورية، بمنعها من الحمل، من دون موافقة السلطات، وتطبيق التعقيم القسري، وإعطائهن أدوية لإيقاف الطمث. بلغ توحش السلطات الصينية، بأن شرعت “قانون الأخ التوأم”، الذي سمح بجلب مليون رجل من الهان للإقامة في “شينجيانغ” داخل بيوت الرجال المختطفين في السجون والمعسكرات لـ”يناموا على أسرّتهم ويأكلوا في بيوتهم”، والنساء اللائي يعارضن ذلك يُلحقن بأزواجهن في تلك المعسكرات.
يسمح القانون لأي شاب من الهان، بأن يتزوج أي فتاة يختارها في المنطقة، رغم كونه مشركا، ورفض أهل المنطقة هذه الزيجات القسرية. تُمنع المرأة الإيغورية من التحدث بلغتها، وتعلّم دينها، أو تعليم أبنائها الصلاة، أو امتلاك المصحف والكتب الدينية، وحرية الانتقال من مدينة إلى أخرى دون موافقة 5 سلطات من بينها الحزب الشيوعي وإدارة تنظيم السكان، قبل التأكد من عدم حملهن، وتُحرَم من حمل جواز السفر، أسوة برجال الإيغور والقازاق، إلا الذين يعلنون الولاء التام للحزب الشيوعي، ويعتمدهم “مواطنين صالحين”.
حرب الإبادة
لم نستطع المساعدة في كشف “حرب الإبادة” من أرض الواقع، لأن السلطات الصينية رفضت مرارا، طلبنا بزيارة المنطقة، ولكن الحقائق الدامغة، رصدها صحفيون وأقمار صناعية، ولدينا مئات الشهود ممن ينقلون ما حدث لهم، وما يُمارَس حاليا ضد أهليهم في السجون ومعسكرات السخرة.
تصر الصين على توظيف إمكاناتها الاقتصادية، للتعمية على جرائمها، وتعتبر حقوق الانسان أمورا تحددها مصالح الدولة، وليس النظام العالمي، الذي تريد قيادته.
