المسحراتي.. فؤاد حداد.. “يعرفوك عربي”

لما تقول أجمل ما في الدنيا الميه للعطشان..
يعرفوك عربي
أما للرواي ريحة البرتقال.. في مداخل يافا
يعرفوك عربي
لما تقول يارب.. يعرفوك عربي
لما تباشر جهادك.. ترمي أوتادك
في قلب دابح ولادك..
يعرفوك عربي..
غمس الشاعر العربي المصري فؤاد حداد مداد قلمه في قلب أمته العربية وأخرجه ليصنع للتاريخ أنشودته الخالدة “المسحراتي”، ويظل العمل الذي كان في طريقه إلى رفيق دربه صلاح جاهين هو أنشودتنا كلما جرفنا الحنين إلى زمن كان للفن والشعر والإبداع فيه قيمة تظل عبر الأزمنة. كان للإنتاج المصري والعربي في رمضان وفي غيره قيمة وعبرة.
فؤاد حداد هو أول من صنع للمسحراتي الذي يوقظ الصائمين للسحور وصلاة الفجر رسالة إيقاظ الأمة الإسلامية، فقبل حداد كان الإيقاظ للطعام والصلاة، وبعده صار إيقاظا لقضايا الأمة وبعثا للتاريخ والتراث وسعيا للإصلاح.
أولى ابتدائي.. ألف وباء
أكرم آبائي.. الناس أصول
كتب الأئمة.. جبل وقمة
تطلع يا إما تنزل نزول
عقلك في رأسك
تعرف خلاصك
تحفظ تراثك
تصبر تنول
لقد غاص حداد في تاريخ الأمة الإسلامية والعربية، وصنع من هذا التاريخ أناشيد للتفكير وإعمال العقل، وكأنه ولد في كل حارة عربية وكل شارع مصري، وعاش مع كل عامل، ومع الفلاح في أرضه، والدراس في مدرسته. قرأ تلميذ المدراس الفرنسية، المصريين والعرب كما لم يقرأهم أحد، وأعاد تقديمهم في نص شعري مبدع.
اللي يزرع واللي بيصنع خير
بيعرف ربنا
واللي يعدل في نصيب اليتيمة
يعرف ربنا
واللي بينور طريق المدينة
يعرف ربنا
واللي يضرب في قلوب الأعادي
يعرف ربنا
سجدت لله الكريم الهادي.
حالة خاصة
قدم حداد في كل نص شعري من المسحراتي حالة خاصة، وفي كل حالة لم يترك لك مجالا لتبحث عن جملة ناقصة، أو هدف ناقص، ها هو يرسم لنا في حلقة القدس حالة عربية فريدة تتصاعد حسب الأجزاء الثلاثة التي قسم النص الشعري إليها بداية من الموال في بداية النص ثم حالة غنائية في وسطه ويختتم الحلقة بموال آخر ينتهي بكلمة (اصح يا نايم.. وحد الدايم).
ففي بداية النص يُعبر حداد عن شوقه وشوق كل المسلمين والعرب إلى تراب القدس والنظر إلى المسجد الأقصى والصلاة فيه فيقول:
مسحراتي يا مؤمنين
منقراتي مد الأنين
الله على رعشة الحنين
عمره ما كان الأمل ضنين
يا قدس نوارة السنين.
اصح يا نايم.. وحد الرزاق..
ونلاحظ كلمة الأمل (عمره ما كان الأمل ضنين)، فما دام الإنسان الفلسطيني والعربي يحيا يبقى الأمل في تحرير القدس، وها هي الأيام تؤكد الأمل في عشرات الآلاف الذين يحيون صلاة العشاء والتراويح في ساحة المسجد الأقصى، وفي صمود أهلنا في حي الشيخ جراح وتمسكهم بمنازلهم واستبسالهم في الدفاع عنها، وفي العمليات الفدائية التي يحيي بها شباب فلسطين الأمل في تحرير الوطن والأوطان العربية، والتي يمحون بها عار علاقات الأنظمة مع الكيان المغتصب.
ينتقل فؤاد حداد بالمسحراتي إلى مناطق لم تخطر على بال المهنة العربية القديمة، ولحداد ديوان شعر كامل عن فلسطين بعنوان “الحمل الفلسطيني” صدر عام 1990 بعد وفاته في 31 أكتوبر/ تشرين الأول 1985 بخمس سنوات، وهو ديوان زاخر بمحبته لفلسطين وشوقه لتحريرها، ومن أبرز أغانيه:
ولا في قلبي ولا عنيه إلا فلسطين
وأنا العطشان ماليش ميه إلا فلسطين.
وفي نص المسحراتي يستدعي فؤاد حداد صلاح الدين الأيوبي رمزا لتحرير الأرض:
ما توهش يا قدس في المطال
يا عاصرة مهجة الرجال
سقاكي من دمعة الهلال
يا قدس يا سبحة الشقا
الأعمى في سجدتك رأى
والفجر من صخرتك سقى
يا قدس تتفجر الجراح
والصبر حرب.. وأيوب صلاح
يا أخت من مكة والبطاح
قلب انضرب للعرب وصاح
لا بد من فتح في الصباح.
فتح للقدس
لابد من فتح في الصباح، فتح للقدس يبدأ الآن من أرضها، بدماء الشهداء. كانت فلسطين وستظل قضية الأمة وكل العرب، وينتقل فؤاد حداد دائما ليبحث عن مناطق في حاضر الأمة وماضيها، في بلادها غربا وشرقا، ليعيد صياغة حلمنا في البناء. وفي حلقات من المسحراتي يقدم لنا أحياء مصرية مثل: السيدة زينب والحسين (حي المدامع والابتسام)، أو خان الخليلي ويخطو على كوبري إمبابة، ثم يقدم لنا مهنًا مصرية أصيلة كما في قصيدته عن المراكبي (عبد اللطيف) وسعيه للعمل والرزق، يقدم عن تونس الخضراء حلقة وعن الموسيقار سيد درويش وعن مصطفى كامل وعن أمير الشعراء أحمد شوقي وسيناء والسويس، ويتشوق حداد كما نتشوق كل رمضان إلى صوت الشيخ محمد رفعت فينشد حداد في المسحراتي (حلقة الشيخ محمد رفعت)، بألحان وصوت سيد مكاوي رفيق دربه الطويل والثنائية الفريدة في الإبداع المصري قائلا:
فوت يا زمن على مهلك.. سلّم على أهلك
سبح بحمد العليم
على ضي صوت الشيخ محمد رفعت
بيقرأ في الذكر الحكيم
الدنيا فجر مجاور السيدة
والمغربية يلالي ألف هلال
الشوق غني والجنة للمظاليم
على ضي صوت الشيخ محمد رفعت
اصح يا نايم.. وحد الرزاق..
التغني بالتاريخ
يتغنى حداد بالوطن ورموزه، بالتاريخ والبلدان، وينشد الحرية والجمال، يحيي في طريقنا الأمل وينشد لبلادنا العربية. قدم فؤاد حداد المسحراتي عشر مواسم بدأت عام 1966 في الإذاعة المصرية، وكانت الإذاعة قد رشحت صلاح جاهين (كان يقدم الفوازير في الإذاعة) ولكن جاهين رشح فؤاد حداد وسيد مكاوي، وقال جاهين “حداد أقدر مني على العمل”. وفي عام 1996 قُدّر لي أن أختار ثلاثين حلقة من هذه الحلقات لإعادة تصويرها للتلفزيون المصري، وكان اللقاء مع الموسيقار سيد مكاوي، وكان من عادة مكاوي أن يصاحبه من يقول له تكوين الصورة وكيف تظهر الحلقات على الشاشة، وبعد انتهاء الحلقات شهد مكاوي بأنني استطعت فهمه هو وفؤاد حداد جيدا وتلك شهادة تبقى لي مع الزمن.
دخلت دار من بعد دار
والكل بيحيى
أنا اللي حي وشهيد
في الجنة وفي حيي
الله أكبر كأن الشمس من ضي
على أرض سينا
في نار المعركة والصهد
أنا والتراب المنور.. انتصرنا لبعض
وكنت صايم ملكت من السما للأرض
وكنت عطشان محدش ارتوى زيي
اصح يا نايم
وحد الدايم.
