على أبواب مونديال 2022.. قطر تكتب التاريخ

جوزيف بلاتر رئيس الفيفا السابق لحظة إعلانه فوز قطر بتنظيم كأس العالم

وجدت أنه من الواجب الكتابة مرة أخرى عن كأس العالم 2022 الذي تستضيفه قطر، سبق أن سجلت رؤيتي عن المونديال عدة مرات خلال وجودي بالدوحة لأجل المعرفة والفهم والحقيقة والتاريخ، وليس للمجاملة أو التهليل، لأن قطر لأسباب عديدة تستحق عن جدارة احتضان البطولة الكروية العالمية.

الكتابة اليوم من خارج قطر، من مصر، وهدفها تأكيد ما سبق أن ذكرته عن قوة الإرادة القطرية في الفوز بشرف تنظيم الحدث الرياضي الكبير، والإبهار الذي نراه مع كل افتتاح لملعب جديد للبطولة وخلال حفل قرعة توزيع المجموعات يوم الجمعة الماضي يُثبت مصداقية وكفاءة هذه الإرادة.

نحن أمام قصة مذهلة، قد لا يصدقها عقل، لكنها صارت حقيقة دامغة، قصة أن يُفكر صنّاع القرار في بلد حجمه صغير مساحةً وسكانًا، وتاريخه الكروي محليًّا وقاريًّا يمتد لعقود حديثة فقط، ثم يمتلك هذا البلد خيالًا واسعًا لاستضافة الكأس العالمية.

أتصور كيف سار الأمر في بداياته الأولى في البلد الناهض بسرعة مثيرة للتأمل، إذ كان هناك غالبًا من أخذته الدهشة العميقة من الفكرة، أو عدم القدرة على استيعاب ما يُقال، أو استحالة تحول الاقتراح إلى واقع ملموس، وقل ما تشاء في ردود الأفعال المبكرة على فكرة حالمة تعانق نجوم السماء.

كانت هناك محاولات لقوى كروية عربية كبيرة، مثل المغرب ومصر، لكن لم يصادفها التوفيق، وفشلت في اقتناص الفوز بالتنظيم على أراضيها وملاعبها.

مصر ظلمت نفسها عندما لم تكن مستعدة للاستضافة في 2010، وملفها جاء ضعيفًا، ولهذا لم تحصل على أي صوت، وكان نصيبها صفرًا كبيرًا مؤلمًا لا يغادر ذاكرة المصريين، ولم يُحاسب عليه من تسببوا في هذا السقوط المهين حتى اليوم.

المغرب كان أفضل كثيرًا، وأحسن استعدادًا، وفرصته كانت كبيرة في تنظيم مونديال 2010، لكن فازت عليه جنوب أفريقيا بفارق صوت واحد، والمغرب كان الأحق بالتنظيم، لكن المجتمع الرياضي الدولي، وربما السياسي أيضا، رجح كفة جنوب أفريقيا، تكريمًا لها على طيّ صفحة ماضي الفصل العنصري البغيض، والتصالح المجتمعي والوطني، والتحول الديمقراطي، وكان هناك تقدير خاص للمناضل والزعيم التاريخي الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا أول رئيس أسود من أبناء هذا البلد.

في حالة قطر

نعم، حسابات السياسة لها دور أحيانًا في حركة العالم، وفي القرارات الكبرى، وفي إسناد مهام وأدوار وبطولات ومؤتمرات ومناسبات دولية لهذا البلد أو ذاك.

وفي حالة قطر، لم يكن للسياسة الدور الأساسي في اقتناص الفوز من فم الأسد بتنظيم المونديال، فهي بلد صغير كما قلنا، يقع بعيدًا على شاطئ الخليج، ومناخه خلال الصيف صعب الاحتمال، وهو الموعد الثابت لمباريات البطولة، وقد تغير الموعد فيما بعد إلى الشتاء، علمًا بأن الدوحة كانت قد توصلت لحلول للتغلب على الحرارة المرتفعة بتكييف الملاعب بوسائل تقنية ذكية.

ساعد قطر على الفوز أولًا ملفُّها القوي المهني المتكامل الذي يجعل كل من يتفحصه بتمعن وحياد وموضوعية واحترافية يقف أمامه وينحاز له، ولهذا أطاح بكل الملفات المنافسة واحدًا تلو الآخر، وهي بلدان كبرى وقوية ونافذة عالميًّا؛ أستراليا، اليابان، كوريا الجنوبية، أمريكا.

ساعد قطر ثانيًا دورها الصاعد على الساحة الدولية، والسياسات المعتدلة التي تتخذها في الإقليم وعلى المستوى العالمي، والوساطات التي تقوم بها لأجل التهدئة وحل الأزمات المعقدة، وتحقيق الاستقرار والسلام في عالم يموج بالصراعات، والثقة العميقة فيها وفي أهدافها، وقد أُطلق على قطر وصف “جزيرة الحوار”، وهي جديرة به حقًّا، وهنا تخدم السياسة الرياضة ولو من بعيد.

وضمن سلسلة المبادرات السياسية الناجحة، نتذكر دور قطر التاريخي في نزع فتيل أزمة كادت تشعل حربًا أهلية جديدة في لبنان عام 2008، عندما استضافت حوارًا وطنيًّا لبنانيًّا في الدوحة لتقريب المسافات بين الفرقاء، ونجحت بامتياز في حل الأزمة، وعاد لبنان هادئًا مستقرًّا، وتم إجراء الانتخابات، وانطلق البلد على السكة الآمنة.

وأحدث الأدوار القطرية المهمة للعالم، هي جهودها الهائلة في إتمام الانسحاب الأمريكي من أفغانستان بأمان، وإدارة مطار كابل بكفاءة مع الأتراك، وضبط الأوضاع مع حركة طالبان خلال أيام صعبة كان الخطأ فيها مُكلفًا.

هناك في قطر إرادة، في القول والفعل، حركة دائبة في كل الاتجاهات، عزم وتصميم على أن المستحيل ليس مستحيلًا عندما يتم التصدي له برغبة في تفكيكه وتيسيره، عقل سياسي ذكي نابه مرن يتطلع دومًا للمستقبل ولا يعيش في أسر الماضي، دبلوماسية نشطة خالية من العُقد والتعقيدات تحدد أهدافها وتسعى للوصول إليها بكل السبل المشروعة.

وهناك مبدأ التعامل مع الجميع في العالم بقلب وعقل مفتوحين، فلا خصومة أو عداوة مع أحد، بل تعاون وتفاهم ومصالح مشتركة مفيدة للجميع.

تغليب الحوار

هناك مبدأ تغليب الحوار، ومن خلاله يمكن حل أعتى الأزمات، فلا أزمة غير قابلة للحل بالنقاش المنفتح والرغبة في التوصل لحلول مرضية، ومن ذلك أن قطر تعاملت بصبر مع الأزمة الخليجية في 5 يونيو 2017، وأكدت أن الحوار أساس الحل، وفي نفس الوقت حافظت على استقلالية القرار الوطني، وسيادة وكرامة الدولة، وبالحوار التأم الشمل.

كنا قبل 12 عاما نستغرب، هل قطر جادة في تقديم ملف لاستضافة المونديال؟ هل لديها مقومات التنافس مع قوى كبرى في الرياضة والسياسة والاقتصاد والنفوذ الدولي؟ هل هي قفزة واسعة هذه المرة؟ هل يسمح الكبار بأن تنتزع الدوحة الجائزة الكبرى منهم؟ ثم تيقنّا أنه لا مستحيل مع الإرادة والسعي والجهد.

وقد وجدنا عيوننا وآذاننا وعقولنا وقلوبنا موجهة إلى زيوريخ في سويسرا يوم الخميس 2 ديسمبر 2010 عبر الشاشات المفتوحة في كل بيت قطري وعربي خلال التصويت على الفائز بتنظيم مونديال 2022، وعايشنا خلال لحظات غير مسبوقة، الحلم وهو يقترب من الحقيقة مع صمود قطر وتنافسها بقوة رهيبة مع الكبار الذين يخرجون واحدًا تلو الآخر، حتى جاءت التصفية الحاسمة بينها وبين أمريكا، وساعتها قلنا إن الحلم القطري كاد يعود إلى الأرض بعد التحليق في السماء؛ إذ من يجرؤ على عدم منح صوته للقوة العظمى الوحيدة في العالم، وصاحبة الكلمة المسموعة لدى الأنظمة والحكومات، وكانت المفاجأة العظمى، وهى فوز قطر على أمريكا، وحصولها على شرف استضافة البطولة لأول مرة في بلد عربي، ولأول مرة في بلد مسلم، ولأول مرة في الشرق الأوسط.

طوى الزمن عشر سنوات، كأنها عشر ثوانٍ، وها هو الحلم والوعد يتحققان، فلم يبق على انطلاق صافرة البداية إلا أشهر قليلة، لتواصل قطر كتابة التاريخ، بكل جدارة واستحقاق، لها، وللعرب، والمسلمين، وعالم الجنوب، والإنسانية جمعاء.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان