الصمت أمام القرار الأمريكي وتأثيره في الجنيه والاقتصاد والناس!

لا هذا، ولا ذاك، ممن يتم الاستسهال، واستخدامهم شماعات في الإعلام، لهم علاقة بارتفاعات مُبالغ فيها وغير طبيعية، في أسعار الذهب بمصر خلال الأيام الأخيرة إلى الدرجة التي ترددت فيها أنباء أو إشاعات عن إيقاف التداول والبيع في سوق الذهب، وحسنًا أنه تم نفي منع البيع.
هل تريدون منا أن نفهم أن هناك من يمتلك قدرة على تحريك الجمهور في اتجاه معين في هذا الموضوع أوفي غيره؟ ومثل هذا الحديث يتكرر كثيرًا، وهو خارج سياق التفكير العقلاني.
إذن، هذا نجاح لـ”الشبح” القادر دومًا على التأثير في الرأي العام بكلمتين، أو فيديو قصير، وهو إخفاق للسلطة التي تمتلك قدرات مادية هائلة، وتعجز عن التأثير بقدر مساوٍ لخصومها، في نفس الجمهور لصالحها.
سياسات غامضة أو وقتية
أصل المشكلة وكل المشكلات ليس في “الأشباح”، ولا المؤامرات المزعومة، وإنما في سياسات عامة غامضة، مفاجئة، صادمة، فردية.
المشكلة أن المركب الذي يستقله مئة وثلاثة ملايين من البشر، لا رأي لأحد فيهم بشأن مساره واتجاهه وحركته، لمحاولة تلافي الأعاصير والرياح والأمواج العالية وبلوغ الشاطئ بسلام.
المركب يدير دفته الفرد الواحد، وهنا لا يصح استدعاء المثل الذي يقول إن المركب الذي له رئيسان أو قبطانان يغرق، بل العكس هو الصحيح، مركبنا بحاجة إلى أكثر من قبطان ومسؤول ومستشار وناصح ومفكر، مركبنا بحاجة إلى عقول المئة مليون، بحاجة إلى تشارك وطني ونُخَب منتقاة تتميز بالمصداقية والإخلاص والزهد والتعفف عن المناصب والمنافع والنفاق، فهذه هي الوصفة المناسبة لجعل سفينة النجاة أكثر ثباتًا على سطح المياه، فلا وقت إضافيًّا يمكن استهلاكه فيما لا يفيد، ولا رفاهية للكلام البعيد عن الواقع على الأرض.
نقول إن السياسات العامة تبدو غامضة ومعتمة، ونقول في الاتجاه العكسي ربما من الأصل لا توجد سياسات مُخططة، حيث تغيب السياسة.
أو قل ربما هناك سياسات، لكنها تُصنع على عجل كرد فعل فقط على الأحداث والتطورات المحلية والإقليمية والدولية، لهذا تكون ابنة لحظتها، فتخرج مُرتبكة ومُربكة، وتزيد الآلام والمعاناة في الاقتصاد والتجارة والاستثمار والزراعة والصناعة، وتُرهق الناس، وتجعلهم في حالة دوار.
الشعب والمؤسسات وفلسفة الحكم
صناعة السياسة وتدبير شؤون الحكم بحاجة إلى عمل مؤسسات حقيقية لها وجودها واستقلاليتها وشخصيتها الواضحة، وتتشارك كلها بانفتاح ونزاهة وشجاعة وحرص على الصالح العام في رسم الرؤية العامة للحكم وفلسفته وتوجهاته واستراتيجياته وقضاياه الأساسية والكبرى، وتساهم كلها في دراسة خطة الحكم وأهدافه والثمار التي يريد إنضاجها وجنيها، مع مشاركة ضرورية للشعب بكافة طوائفه وأطيافه.
في هذا العصر لم يعد ممكنًا للحكم الرشيد وتحقيق النجاح والإنجاز، أن تتصدر السلطة المطلقة وحدها، بينما تبقى المؤسسات شكلية، ويظل الشعب محكوما فقط، وخارج آليات ومحركات منظومة السلطة.
كل التجارب من هذا النوع انتهت بالتأخر أو التخلف أو الجمود أو الفقر العام؛ فقر العقل والفكر، وفقر الناس جيلًا بعد جيل، وليس متصورًا أن نستنسخ نفس التجارب بنفس سيناريو السلطة المطلقة، وفي نفس الوقت ننتظر نتيجة مختلفة. هذا سراب.
عَرَض لمرض أخطر
قصة اشتعال الذهب وبلوغه أسعارًا أكبر من سعره العالمي، هي تفصيلة ومجرد عرض لمرض أخطر وأوسع، مجرد مظهر لجوهر شديد التأزيم والتعقيد، وكما قلنا هي تعبير آخر عن سياسات غامضة، أو غياب السياسات، أو صنع سياسات وقتية وفقًا للتطورات.
بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، رفع الفائدة على الدولار في 4 مايو الجاري نصف نقطة مئوية، والعالم كان مهتمًّا بهذا التطور الذي يعكس أن أمريكا لا تزال قادرة على التأثير الواسع، وأن نفوذها لم يتراجع، أما في مصر فقد ظلت الحكومة في إجازة وصيام وصمت عن التعليق على القرار، ومنظومة الإعلام الضعيفة لا تعالج الموضوع باحترافية ومهنية وفهم، وإنما تتابع بسطحية.
بيت القصيد هو وضع الجنيه الهشّ، حيث يمكن أن يتعرض لموجة جديدة من خفض قيمته، لهذا يندفع من لديه ملاءة مالية لشراء الذهب للخلاص من مدخرات لم يضعوها في بنوك، فالذهب سلعة جاهزة، والحصول عليها أسرع من شراء العقار في هذه اللحظة، وبالتالي ارتفعت أسعاره بأزيد من سعره عالميًّا فيما قد يكون مضاربة.
عندما يصير المال عبئًا
ومن مفارقات هذه المرحلة، أن السيولة المتوفرة في أيدي البعض صارت عبئًا، ومصدر قلق خشية استمرار تآكلها وخسارتها، وهذا أمر غير مسبوق، فالمصري لديه عادة موروثة بشأن تفضيله وضع الفلوس تحت البلاطة، والمعنى احتفاظه بأمواله في جيبه وبيته، وليس في بنوك مثلا، والمعنى الآخر اطمئنانه للقيمة الشرائية لهذه الفلوس غير المستثمرة، وعدم فقدانها جزءًا من قيمتها مهما مر الوقت عليها.
العادة الشعبية سقطت، وقيمة المال الذي يتم الاحتفاظ به سواء تحت البلاطة أو في بنوك، لا تبقى على حالها، تآكلها أمر محتوم، وحتى استثمارها محفوف بالمخاطر في بيئة عمل غير واضحة، وهذا يرجع إلى مجمل فلسفة الحكم والإدارة التي تفتقد سياسات عامة ثابتة محددة مفهومة وشعبية، والتي لم تنخرط فور توليها مسؤولياتها في بناء قاعدة زراعية صناعية تؤسس لاقتصاد إنتاجي وتخرجه من النطاق الريعي القابع فيه، وإذا ما كانت التنمية بدأت بهذا المحور فإن نتائجه ستكون إيجابية على الاكتفاء المحلي من كافة الاحتياجات، وفتح أسواق للتصدير، وتوفير حائط الأمان للعملة الوطنية، وعدم تحولها إلى ريشة في مهب ريح الأزمات والظروف الطارئة، مثل جائحة كورونا، أو الحرب الروسية الأوكرانية.
مصير الجنيه وإجازة الحكومة
كان المنطق يتطلب أن تخرج الحكومة فورًا لتتحدث عما تفكر فيه أو تخطط له، بالنسبة لسعر الفائدة، ومصير الجنيه، وحالة الاقتصاد عمومًا، وخططها للتعامل مع التطور النقدي الأمريكي الذي سيتكرر على مدار هذا العام عدة مرات أخرى.. كان عليها أن تعرض على الشعب كل ما لديها من معلومات وأفكار ومسارات ودراسات وبدائل واحتمالات وخيارات وحلول، إذا كانت تمتلك شيئًا من هذا، أو استعدت له.
لكن الحكومة في إجازة عيد طويلة (9 أيام)، وقبلها بأسبوع واحد كانت في إجازة أخرى لمدة 4 أيام، والمحصلة 13 يومًا من الإجازة في بلد المفترض أن كل الأجهزة والمؤسسات لا تنام فيه ولا ساعة واحدة بسبب وطأة الأزمات، ومنها هشاشة الجنيه، والغلاء، والديون الضخمة، وكيفية تدبير الفوائد والأقساط مع ارتفاع سعر الفائدة الأمريكية، وعدم كفاية حصيلة النقد الأجنبي.
عدم مصارحة الشعب بالأوضاع
الحكومة لا تبدي اهتمامًا بمصارحة الشعب بما لديها من سياسات وأهداف وأفكار وخطط ومشروعات قوانين، ولا تشركه في أجندة الشأن العام، وخاصة الاقتصاد، وما يحدث هو إصدار القرارات الفجائية، وفق منطق الصدمة والترويع، مثلما يُشرّع برلمان الشعب دون استشعار نبض الشعب بشأن القوانين التي ستُطبق عليه.
لا وجود للمواطنين، ولا أهمية لهم، ولا اعتبار لمصالحهم، سقطت إرادتهم، ولو كانت لأصواتهم قيمة، لتسابقت السلطة ومسؤولوها لإطلاعهم على كل صغيرة وكبيرة في السياسة العامة. إنما الحاصل أن هناك جهات تفكر وتخطط وتقرر نيابة عن شعب ترى أنه لم يبلغ الحُلم بعد، ولا يدري مصالحه، وأنه بحاجة إلى الوصاية مثل الطفل أو السفيه الذي لا يجوز تمكينه من أمواله، حتى لا يبددها، بل يجب إخضاعه للوصاية.
البلد والناس اليوم في حالة ترقب وقلق، كما ظهر في سوق الذهب، بسبب مخاوف الخفض الجديد للجنيه تأثرًا بالقرار الأمريكي، مما يمنح زلزال التعويم وقودًا لمواصلة ارتداداته الواسعة التي بدأت في 3 نوفمبر 2016، ولا تزال مستمرة.
