المداولات والجدل داخل السقيفة واستلام أبي بكر الحكم (2/2)
هل فرض عمر بن الخطاب أبا بكرٍ حاكمًا على المسلمين؟!

بعد وصول أبي بكر مع عمر وأبي عبيدة -رضي الله عنهم- إلى السّقيفة، حدث حوار طويل، وجدلٌ في المجلس، ودار نقاشٌ طويل في السّقيفة بين الأنصار الذين قرروا اختيار سعد بن عبادة رضي الله عنهم، ووفد المهاجرين المكوّن من أبي بكر وعمر وأبي عبيدة رضي الله عنهم، وقد أسفر النّقاش الطويل عن اقتناع الأنصار بضرورة أن يكون الخليفة من المهاجرين لاعتبارات عديدة، منها فهم النّص واقتضاء مصلحة الدّولة النّاشئة لذلك.
وقد خطب أبو بكرٍ الصدّيق خطبةً بيّن فيها أنّ العرب لن تدين إلّا لقريش بسبب طبيعة الوضع السياسي والاجتماعيّ في الجزيرة آنذاك، وقال في خطبته كما جاء في عيون الأخبار:
“أراد عمر الكلام، فقال له أبو بكر: على رِسْلِك؛ نحنُ المهاجرون أوّلُ الناس إسلامًا، وأوْسَطُهم دارًا، وأكرمُهم أحسابًا، وأحسنُهم وُجوهًا، وأكثرُ الناس وِلايةً في العرب وأمسُّهم رَحِمًا برسول الله صلى الله عليه وسلم، أسلمَنا قبلكم، وقُدِّمْنا في القرآن عليكم، فأنتم إخوانُنا في الدِّين، وشركاؤنا في الفَيْء، وأنصارُنا على العَدُوّ، آويْتُم وواسَيْتُم، فجزاكم اللّه خيرًا؛ نحن الأمَراءُ، وأنتم الوزراء؛ لا تَدِينُ العربُ إلا لهذا الحَي من قرَيش، وأنتم محقوقون ألا تَنْفَسوا على إخوانكم من المهاجرين ما ساق الله إليهم”.
وقد ذكر ابن العربيِّ المالكيُّ؛ أنَّ أبا بكرٍ استدلَّ على أنَّ أمر الخلافة في قريشٍ بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم: “بالأنصار خيرًا، وأن يقبلوا من محسنهم، ويتجاوزوا عن مسيئهم”
وقد كان من احتجاج أبي بكر -رضي الله عنه- على الأنصار قوله: إنَّ اللهَ سمَّانا “الصَّادقين” وسمَّاكم “المفلحين” يشيرُ بذلك إلى قوله تعالى في سورة الحشر: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تبوؤوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، وقد أمركم أن تكونوا معنا حيثما كنّا، فقال في سورة التّوبة: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}.
الترشيحات.. إعادة إشعال الموقف
حاول أبو بكرٍ -رضي الله عنه- أن ينأى بنفسه عن الأمر، فأعلن ترشيح عمر وأبي عبيدة اللّذين رفضا بشكلٍ قاطع، وهنا دخل النّقاش حيّزًا جديدًا حيث طرح الحُباب بن المنذر أن يكون للدّولة أميران واحدٌ من الأنصار وآخر من المهاجرين، فقال: “أنَا جُذَيلُهَا المُحَكَّكُ وعُذَيْقُها المُرَجَّبُ؛ منَّا أميرٌ ومنكم أمير”.
عندها طلب عمر من أبي بكرٍ -رضي الله عنهما- أن يمدّ يده للمبايعة قائلًا: “ابسط يدك يا أبا بكر”، فأخذ بيده وبايعَه ثمّ تتابع على ذلك الموجودون في السقيفة من المهاجرين والأنصار. وهذا المشهد يدلّ على أمور أهمّها:
أولًا: من الطّبيعيّ في مجالس كهذه أن ترتفع الأصوات وتختلف الآراء ويحدث شدٌّ وجذب، فتعدّد الآراء واحتدام المداولات لا يتنافى مع الشّورى ولا يعيبُها بل هو من صمِيمِها، فلا تكون الشورى حقيقيّة دون تدافعٍ في الآراء قبل اتّخاذ القرار.
ثانيًا: كون الخليفة من المهاجرين -وتحديدًا من قريش- يشكّل ضرورةً في ذلك الوقت للحفاظ على وجود الدّولة الإسلاميّة ووحدتها، فالعرب كانوا يهابون قريشًا بخلاف أهل المدينة، وذلك لأسباب متعلقة بسدانة البيت وما يلحقها من آثار سياسيّة واقتصاديّة.
ثالثًا: رسّخ أبو بكرٍ -رضي الله عنه- فكرةً مهمّة في حديثه عن الأنصار ومكانتهم وبذلهم وتضحيتهم ثمّ اعتراضه على كون الحكم فيهم، وهي: أنَّ المكانة والتّضحية والبذل والفداء إذا صدرت من فرد أو جماعة لا تعني بالضرورة أحقيّة هذا الشّخص أو الجماعة بتولّي الصّدارة والقيادة والحكم.
بل إنَّ القيادة والحكم يجب أن تخضع لمعايير متعلّقة بمصلحة الكيان والدّولة، ومن ضحّى -فردًا كان أو جماعةً- فإنّه يستحقّ التكريم والإشادة، لكنّ التكريم لا ينبغي أن يكون بتوليته الحكم والقيادة.
هل فرض عمر بن الخطاب أبا بكرٍ حاكمًا على المسلمين؟!
في المشهد السّابق ما جعل العديد من الكتّاب يصفون الحادثة بأنّها عمليّة فرضٍ للخليفة؛ فعمر فرضَ أبا بكر على النّاس فرضًا؛ وهذا نوعٌ من إجبار النّاس على خليفة وحاكم بطريقةٍ بعيدةٍ عن الشّورى، غير أنّنا لو دقّقنا قليلًا في المشهد لوجدناه يحمل دلالات مختلفة تمامًا، منها:
أوّلًا: قدّر عمر -رضي الله عنه- أنَّ الأمر بدأ يتطوّر إلى حالة من الاستقطاب والجدل الذي سينتهي إلى حالة من التفرّق والتنازع وقد تصل إلى الهياج العام، ورسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- لمّا يدفن بعد؛ فاستشعر ضرورة المبادرة إلى اتّخاذ خطوةٍ عمليّةٍ بعد تقديره أنَّ المداولات قد استوفت الغاية منها؛ فكانت مبادرتُه بمطالبة أبي بكرٍ بسط يده للبيعة إنّما هي من أجل الحفاظ على وحدة الدّولة، وهو تقديرٌ سياسيّ معتبَر ومبادرةٌ إيجابيّةٌ في سياقها وظرفها.
ثانيًا: المجتمعون في السّقيفة ليسوا صبيةً صغارًا ولا حدثاء الأسنان ولا سفهاء الأحلام حتّى يفرض أحد عليهم رأيًا بعد كلّ هذا الجدل، بل هم من سادة القوم وعقلائهم وفرسانهم، فلا يستطيع عمر ولا أبو بكر -رضي الله عنهما- ولا أحد على الإطلاق أن يفرض عليهم رأيًا ولا قرارًا عاديًّا؛ فكيف بقرارٍ مصيريّ مثل هذا.
ثالثًا: لا يملك عمر ولا المهاجرون الحاضرون في السّقيفة من القوّة والعدد ما يجعل المرء يتوهّم أنّهم فرضوا قرارهم فرضًا؛ فهم ثلاثة رجال مقابل العشرات من الأنصار الذين هم اهل المكان وأصحاب السّقيفة، فكيف يقبلُ عاقلٌ على نفسه أن يقول: إنّ عمر فرضَ أبا بكرٍ خليفة على النّاس فرضًا؟!
وهكذا انجلى مشهد السّقيفة عن معانٍ سياسيّة وقياديّة تمثّلُ معالمَ لسلوكِ القيادات في الأزماتِ الكبيرةِ؛ فطُوبى لأولي الأبصار.
