الترجمة من البداية حتى الوكيل الأدبي

قبل زمن طويل احتلت رواية “بينوكيو” للكاتب الإيطالي “كارلو كولودي” المرتبة الأولى بكونها أكثر الروايات ترجمة في العالم، ومن أكثر الأعمال تأثيرًا في الأدب الإيطالي؛ فقد تُرجمت من لغتها الأصلية الإيطالية إلى 260 لغة.

معظمنا بالطبع على دراية بقصة “بينوكيو”.. الدمية الخشبية التي صنعها نجار عجوز يدعى “جيبيتو” يعاني من الوحدة، فصنع دمية على شكل صبي أطلق عليه اسم “بينوكيو”. وعندما جاء الليل غط العجوز في نوم عميق من شدة تعبه، وفي أثناء نومه ظهرت فجأة جنيَّة لوحت بعصاها السحرية على الدمية لتدب الحياة فيها مكافأة للعجوز على أعماله الطيبة، ومنحه السعادة للكثير من الأطفال بألعابه التي يصنعها لهم.

الترجمة إلى العربية قديمًا:

إذا ألقينا نظرة فاحصة على ترجمة الأدب العالمي وتطورها عبر العصور فسنلاحظ أن المترجمين قد قاموا بدورٍ كبيرٍ في نقل ثقافة الآخر عن طريق إزالة عائق اللغة، والحفاظ على التواصل بين البلدان. كما أننا نجد إشارة إلى أن العالم العربي كان له دور كبير في تطور حركة الترجمة في العالم، وكان للتجارة فضل كبير في توسيع اتصالات العرب مع جيرانهم، ولم يكن هذا الاتصال ليبلغ هذا المستوى دون حركة الترجمة التي ساهمت في خلق هذا الاتصال. لكن العرب القدامى لم يكونوا يعرفون الترجمة كمجال معرفي قائم بحد ذاته إلا في فترة الحضارة الإسلامية التي نشطت فيها حركة الترجمة بسبب التواصل الكبير مع الأمم المجاورة لتأخذ الترجمة منحنى أكثر شمولية في أوائل العصر الأموي؛ إذ كلَّف الأمير الأموي خالد بن يزيد -الذي كان مهتمًّا بالعلم والعلماء- بعض علماء اليونان الذين كانوا يقيمون في مصر بترجمة الكتب اليونانية التي تتناول علوم الفلك والطب والكيمياء إلى العربية. ثم تطورت الحركة أكثر فأكثر في العصر العباسي الذي اعتبر العصر الذهبي للترجمة، بفضل تشجيع الخلفاء العباسيين على الترجمة، وكان لتأسيس بيت الحكمة الذي أسسه هارون الرشيد في بغداد دور كبير في تنشيط حركة الترجمة والحفاظ على الأعمال المترجمة.

الترجمة في الدولة الحديثة:

أما في الدولة الحديثة فقد شهدت حركة الترجمة دفعة كبيرة في عهد محمد علي باشا، وأصبحت من الوسائل الأساسية لنقل المعارف الأوربية الحديثة إلى مصر، وتطور الأمر في عام 1835، عندما أمر محمد علي بإنشاء مدرسة الترجمة، التي عرفت لاحقا باسم مدرسة الألسن وأصبحت مدرسة عليا متخصصة في تدريس اللغات الأوروبية.

أما في العصر الحالي فيُعد مشروع المركز القومي للترجمة من أكبر وأقوى مشاريع الترجمة في مصر، وذلك لكونه مؤسسة ثقافية لا تهدف للربح.

يعمل المركز على ترجمة ونقل ونشر الكتب من لغتها الأصلية إلى اللغة العربية، وقد أصدر خلال سنوات عمله أكثر من 3000 عنوان مترجم عن 35 لغة عالمية.

لكن هناك مشاكل كبيرة تواجه المركز القومي للترجمة مثل التعامل مع مجموعة محدودة من المترجمين، ونفاد بعض الطبعات أو عدم وجودها أصلا، وقلة منافذ البيع وعدم توزيع تلك الطبعات في المكتبات غير التابعة للمؤسسة.

كذلك قد تستغرق ترجمة العمل الواحد وقتًا طويلًا؛ لذا فقد تنتهي حقوق العمل دون أن يرى النور، مما يؤدي إلى تكلفة كبيرة على المركز القومي.

ولكن بعيدًا عن تلك المشاكل، فإن مركزا واحدا لن يستطيع ترجمة جميع الكتب التي تصدر في العالم بكل تلك اللغات خلال العام الواحد؛ وبسبب غلاء حقوق الترجمات، والترجمة ذاتها لا تتجه الدور المتوسطة والصغيرة المصرية إلى ترجمة تلك الأعمال، بينما تتبنى الأمر الدول العربية الأكثر ثراءً، مما يجعلنا أمام كتاب مُترجم باهظ الثمن على القارئ المصري، الذي يشكل نسبة كبيرة جدًّا من سوق القراءة في الوطن العربي.

لهذا كانت تلك الدور الصغيرة تتجه إلى إعادة نشر كتب الملكية العامة، التي انتهت حقوقها بمرور 50 عاما على موت مؤلفها، ولكنهم لم يسلموا أيضًا؛ لكون حقوق الملكية الفكرية يتغير عدد سنواتها وفقًا لكل بلد؛ إذ نجد أن إتاحة حقوق الملكية الفكرية تأتي بعد مرور 70 عاما على وفاة المؤلف في الولايات المتحدة، وفي المكسيك بعد 100 عام من وفاة المؤلف!

هناك أيضًا بعض الكتب تظل حقوقها مع الورثة رغم استيفاء تلك السنوات!

تلجأ تلك الدور عادة إلى نشر هذه النوعية من الكتب والروايات، توفيرًا لحقوق الملكية، مع إعطاء مبلغ قليل للمُترجم من خمسة إلى عشرة آلاف جنيه في الكتاب الواحد، مما يعد ظُلمًا للمُترجم.

حركة الترجمة العربية الجديدة:

شهدت حركة الترجمة في مصر وقطر والسعودية والإمارات مؤخرًا تطورًا كبيرًا سواء بسبب المنح الحكومية لدور النشر الصغيرة والمتوسطة الخاصة بالترجمة أو بسبب رفض القارئ الحديث والمراهق لتلك الكتب القديمة الكلاسيكية المُترجمة، ورغبته في قراءة أعمال جديدة وحديثة، بل ورُبما أنواع أخرى من الآداب مثل الفانتازيا والجريمة والتشويق والرعب والخيال العلمي؛ أو بفضل الجوائز الأدبية العربية كجائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي في قطر، التي تأسست عام 2015، وهي جائزة عالمية يشرف عليها مجلس أمناء ولجنة تسيير ولجان تحكيم مستقلة، وتسعى لتكريم المترجمين وتقدير دورهم في تعزيز أواصر الصداقة والتعاون بين الأمم والشعوب، وتشجيع دور النشر والأفراد والمؤسسات الثقافية على الاهتمام بالترجمة، وغيرها من الجوائز الخاصة بالترجمة.

ومع هذا الانفتاح الصغير ظهرت مؤسسات في العالم العربي لتكون وكالات أدبية تتولى حقوق الترجمات، وتكون وسيطًا بين دور النشر والكُتَّاب والوكلاء الأدبيين في الخارج وبين دور النشر العربية، مثل وكالة “بيرز فاكتور الأدبية”.

الوكالة الأدبية ليست فكرة جديدة على العالم العربي، فهناك عدد كبير من الأشخاص الذين حاولوا تقديم تلك الخدمات في العالم العربي ولكن لم تكتمل تلك الفكرة لعدة أسباب أهمها أنهم لم يستطيعوا توصيل فكرة الوكالة الأدبية لدور النشر؛ وهو ما جعل دور النشر تنظر إليهم على أنهم منافسون، أو أشخاص سوف يفسدون العلاقة بين الناشر والكاتب. لذلك بدأت دور النشر رفض التعامل مع الكتاب من خلال وكيل أدبي، وكذلك بدأت مرحلة الترهيب من الوكيل الأدبي باعتباره شخصا مهمته أخذ أموال الكاتب دون تقديم أي مساعدة حقيقية له.

بدأت وكالة “بيرز فاكتور” دراسة السوق منذ نهاية عام 2016، وعمل مؤسسها “باسم الخشن” كاتبا ومترجما مع عدد من دور النشر والمنصات وهو ما سمح له بدراسة السوق من الداخل، وكذلك مكّنه عمله مسؤول تسويق لعدد من دور النشر المتوسطة والكبيرة من التعرف على قطاع النشر بشكل أكبر.

لم يكن باسم الخشن وحده المنغمس في سوق النشر بل كذلك شركاؤه الذين يملكون استوديوهات “بوفو” لتسجيل الكتب الصوتية، وهم “مروة فيصل” التي هي في الأصل فنانة غرافيك، وأحمد حسين “السيناريست”.

يوضح “باسم الخشن” أن القارئ المصري مهتم بالكتب غير الأدبية أو ما يسمى الـnon fiction، فهو يقرأ الكتب الروائية على استحياء، ومعظم الترشيحات في مجموعات (غروبات) الكتب تكون على الكتب غير الأدبية، لأن القارئ يظنها أفيد من الروايات في محتواها. كما أن معظم الروايات الأكثر انتشارًا بين القراء هي الروايات الأدبية القديمة، أو روايات الجوائز، لكن مؤخرًا خلال السنوات العشر الماضية علت أسهم أدب الرعب وأصبح هناك حب شديد لأدب الرعب، ولكن هذا لم ينتقل إلى الأدب المترجم واقتصر على الكتابات العربية، ويعود سبب عدم ترجمة كتب الرعب إلى العربية إلى أن الرعب الغربي لا يمس أوتار رعب القارئ العربي، فنجاح أدب الرعب العربي في محليته وحديثه عن الجن والعفاريت والشوارع والمقابر، وليس الأشباح الغربية أو القتلة المتسلسلين الذين لا نراهم في حياتنا العربية، ثم لم تلق ترجمة أدب الرعب النجاح ذاته، وظل النجاح في الأدب المترجم هو نجاح الكتب الحائزة على جوائز، تلك النوعية من الكتب لها جمهورها الخاص الواسع، كذلك الأدب اللاتيني والياباني والكلاسيكيات المترجمة، وهو ما رسّخ نظرة لدى جيل من الشباب الصغير بأن الأدب المترجم لا يعنيه ولا ينتمي إلى الأشياء التي يحب قراءتها مثل الرعب والتشويق والإثارة.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان