إسرائيل تبتعد عن الصين.. والعرب في غفلة!

العلاقات الصينية الاسرائيلية.. كيف بدأت؟

 

يغض العرب الطرف عن التعاون العسكري والتكنولوجي بين الصين وإسرائيل، الذي تطور في السنوات الأخيرة بدرجة مذهلة. فالكيان الصهيوني يعتبر الصين قوة صاعدة، ولديها مميزات اقتصادية، وحليفا استراتيجيا للمستقبل، في حالة إذا ما غربت شمس الغرب، زارعها بالمنطقة. وترى الصين -التي تأمل أفول الغرب بسرعة- في إسرائيل جسرا إلى الغرب ومصدرا للتكنولوجيا المتقدمة، لا تستطيع الحصول عليها إلا عبر التجسس والسرقة أو طرف ثالث، مثل إسرائيل التي مكنتها من التفوق في صناعة طائرات الاستطلاع، وصواريخ إطلاق الأقمار الصناعية، ورقابة الإنترنت.

ألقت المنافسة بين الولايات المتحدة والصين بظلالها على صانعي السياسات في الكيان الصهيوني، في وقت تجاوز حجم التبادل التجاري بين بيجين وتل أبيب نحو 22.8 مليار دولار عام 2021، بزيادة 30% عن عام 2020، يفوق حجم التعاون بين مصر والصين بنحو 4 مليارات دولارات. أصبحت الصين أكبر شريك تجاري لإسرائيل في آسيا، وثاني أكبر شريك تجاري في العالم.

أدخلت مصر الصين إلى بلاد العرب وأفريقيا، باعترافها بجمهورية الصين الشعبية عام 1956، وهي التي دفعت بيجين إلى الاعتراف بالكيان الصهيوني عام 1992، بعد توقيع القاهرة معاهدة السلام مع تل أبيب، ودعمها اتفاق أوسلو ومطالبتها دول عدم الانحياز برئاسة الصين بتسويق أوسلو “دوليا” تمهيدا لإقامة دولة فلسطينية، لم نرها حتى الآن. تحولت مصر إلى مكب لبضائع أغلبها رديئة الصنع، بينما مصر لا تصدّر إلى الصين إلا منتجات بترولية ومواد أولية وفاكهة بنحو مليار دولار، بينما تزداد كميات الواردات الصينية سنويا، فبلغت عام 2021 نحو 17.3 مليار دولار. الميزان التجاري مع مصر يميل لصالح الصين دائما، بينما الكيان الصهيوني حقق طفرة في صادرات السلاح والتكنولوجيا، جعلها صاحبة اليد العليا في العلاقات الصينيةـ الإسرائيلية ويميل الميزان التجاري لصالحه.

لعب على الحبال

الصين تنزلق من مكانتها الدولية، بعد الأزمة الخطيرة مع انتشار وباء كوفيد-19، واتجاه اقتصادها إلى الركود، مدفوعا بخسائر القطاع العقاري الذي يمثل 29% من الناتج الكلي، واتباع الحزب الشيوعي سياسات عنيفة مع شركات التكنولوجيا، وارتفاع الديون المحلية، وتراجع قيمة العملة وسوق الأسهم والسندات، ونسبة النمو.

ضغطت الولايات المتحدة على صانعي السياسات في إسرائيل، لخفض الاستثمارات الصينية في قطاع التكنولوجيا المتقدمة منذ عام 2017. رغم تهرّب رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو من تنفيذ التعليمات الأمريكية، فأصبح واضحا أن التراجع المتوقع في دور الصين دوليا، بعد تحالفها مع الروس في حرب أوكرانيا، وضع الإسرائيليين على مفترق طرق. يتعامل الكيان الصهيوني بمبدأ فرنسي شهير “لا تقاطع عدوك أبدا عندما يرتكب خطأ”، ينتهجون اللعب على كل الحبال، ولكن هذه المرة، بات عليهم ألا يلعبوا على الحبل المشدود، دون تهديد من الوقوع في شَرَك الطرف الأقوى.

خسائر بالملعب الصهيوني

خرجت الصين خاسرة في الملعب الصهيوني، بعد استجابة حكومة تل أبيب الجديدة للضغوط الأمريكية، باستبعاد شركة خطوط السكك الحديدية الصينية من مناقصة لبناء خطين من أصل 5 خطوط للقطار الخفيف للنقل الجماعي، حول مدينة القدس وقلب الأراضي المحتلة. تبني الشركة ذاتها -عبر فروعها- قطارا يربط بين العاصمة المصرية الجديدة ومدينة العاشر من رمضان، بقرض مكلف وبأمر سيادي مباشر وبأسعار لا نعلمها.

شاركت الصين من قبل في إقامة أحد الخطوط الخمسة بإسرائيل، وضربت بالتحذيرات العربية عرض الحائط، عندما أكدت أن جزءا من مشروع القطار استهدف حفر أنفاق تحت المسجد الأقصى، وسعى اليهود إلى توظيف بعض حفائره، بمد أنفاق أخرى للوصول إلى “هيكل سليمان” المزعوم. لم تهتم الصين بنداءات العرب، وبررت فعلتها بأن هذه المشروعات ستسهم في إحلال السلام بين اليهود والعرب، وبصفتها مناصرا للشعب الفلسطيني فإنها تؤيد إقامة دولتهم على حدود 1967، عاصمتها “القدس الشرقية”.

سكت العرب ودعموا علاقتهم بالصينيين، الذين يبنون مشروعات أخرى، منها ميناء “إشدود” باستثمارات 4 مليارات دولار، تعادل كل ما استثمرته في مصر خلال 6 عقود. واستكملت الخط الأحمر الخفيف للسكك الحديدية في تل أبيب، وشيدت مركزين للابتكار والتكنولوجيا للتعاون مع إسرائيل، أحدهما في تشانغتشو والآخر في شنغهاي. وكانت في طريقها إلى توقيع اتفاقية تجارة حرة بين البلدين، تعطلت بعد أن فرضت الحكومة الأمريكية قرارات بحظر التعامل مع الكيانات التي تنتهك الأمن الاقتصادي الأمريكي.

شركات للتجسس

غضبت الصين إثر خروجها من مناقصة دولية، كانت ستشارك في تمويل مشروع ينقل نحو 200 مليون راكب، عبر إدارته لمدة 25 عاما، لا سيما أنها قدّمت سعرا أقل من الشركات المنافسة. كشفت معلومات نشرتها وكالة الأنباء الفرنسية، أن الولايات المتحدة فرضت حظرا على شركة السكك الحديدية (CRCC) بسبب علاقتها بالجيش الصيني، ومشاركتها الصناعات التي تعزز قدرات الصين الاستخبارية، ولا سيما أن الخط المقترح يمر أسفل مبانٍ عسكرية في تل أبيب، تستخدمها الولايات المتحدة في عمليات عسكرية مشتركة، وهناك مخاوف من أن تدس الصين معدات للتجسس على طول خط القطار، أسفل المباني والمناطق الحيوية.

الطرف الثالث

انزعج السفير الصيني لدى تل أبيب (كاي رن) من قرار استبعاد الحكومة الإسرائيلية للشركة الصينية، في يناير الماضي، بينما تحتفل البلدان بمرور 30 عاما على إقامة العلاقات الدبلوماسية. علّق السفير في حوار أجراه مؤخرا مع مركز أبحاث للأمن القومي الإسرائيلي “لقد كان الشعبان الصيني واليهودي يحترمان ويدعمان بعضهما بعضا، ويضعان أساسا تاريخيا وعاطفيا للعلاقات بين الصين وإسرائيل، وعلينا أن نبحث المنفعة المتبادلة، والنتائج المربحة للطرفين، وتسخير خبراتنا لمستقبل لا يستهدف أي طرف ثالث، ولا ينبغي أن يتأثر بطرف ثالث”.

هكذا يلمح السفير بما يكنّه عن خصم يعلمه، ويدرك أنه وراء منع الصين من توسيع ميناء حيفا القريب من مقر الأسطول السادس الأمريكي في البحر المتوسط، وتهديده لإسرائيل إذا استمرت في تهريب التكنولوجيا الغربية لصالح الشركات الصينية، كما كانت تفعل من قبل، بينما لا يلقي بالا بالعرب الغافلين، عما تدبره الأطراف الثلاثة ضد مصالحهم الكبرى.

المصدر : الجزيرة مباشر