الطريق إلى أوكرانيا (5) استراتيجية الأمن القومي الروسي

بوتين في "الفوج الخالد"بشوارع موسكو (9 مايو 2022)

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي 1991، تعرضت روسيا الاتحادية للعديد من الأزمات والتحديات الاستراتيجية، سياسيا واقتصاديا وأمنيا وعسكريا، وحتى تتجاوز هذه الأزمات تم وضع عدد من استراتيجيات الأمن القومي، إلا أن هذه الاستراتيجيات عانت من فجوات عدة، الأولى فجوة الثبات، فلم يكن هناك استقرار على فترة زمنية تصدر خلالها كل استراتيجية، فالأولى بعد الانهيار صدرت عام 1993، والثانية كانت عام 2000، والثالثة 2012، ودخلت عليها بعض التعديلات عامي 2014 و2015 على خلفية تداعيات العدوان الروسي على أوكرانيا واحتلال شبه جزيرة القرم، ثم كانت الاستراتيجية الرابعة عام 2021.

الفجوة الثانية فجوة الأهداف والطموحات، فبينما ركزت الاستراتيجيتين الأولى والثانية على بناء روسيا من الداخل بدرجة أساسية، ومواجهة الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الداخلية، ركزت الاستراتيجيتان الثالثة والرابعة على الدور العالمي الروسي، بل إنه يمكن رصد فجوة أخرى بين استراتيجية 2012 واستراتيجية 2021، تمثلت في الانتقال من التركيز والاهتمام في بناء الرؤية الاستراتيجية الروسية من الدفاع (2012) إلى الهجوم (2021).

بوتين واستراتيجية استرداد المكانة والنفوذ

فخلال الفترة من 2008 إلى 2021، تبنى بوتين ما أسماها “استراتيجية استرداد المكانة والنفوذ”، التي تقوم على شن حرب هجينة شاملة على كل الجبهات في الوقت نفسه، تضمنت مستويات عدة، برز في إطارها:

(أ‌) حرب سيبرانية هجومية واسعة النطاق: حيث كونت روسيا جيش إنترنت وكتائب إلكترونية لبث رسائل ومضامين تتفق والتوجهات الروسية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وشن حملات إلكترونية سرية وكثيفة ضد بعض الدول الغربية، وهو ما تطلب العمل على تطوير القدرات الروسية في مجالات عمل وتكنولوجيا التنصت والرقابة والاعتراض والاختراق الإلكتروني، وغيرها من قطاعات ذات صلة.

(ب) التدخلات العسكرية الروسية المباشرة أو غير المباشرة، ومن صورها التدخل في جورجيا 2008، أو في أوكرانيا 2014، ثم في سوريا 2015، لدعم وإنقاذ نظام بشار الأسد، سواء باستخدام القوات العسكرية الروسية أو عناصر من المرتزقة الشيشان، أو عناصر شركة (فاغنر) الروسية، حيث تمكنت روسيا من استغلال “التردد الاستراتيجي” لإدارة اوباما، وحسمت الموقف لصالح بشار الأسد، وقامت بملء الفراغ الاستراتيجي في سوريا، وتمددت في البحر المتوسط من خلال إنشاء قاعدتين عسكريتين روسيتين في سوريا، ثم التدخل في ليبيا من خلال مرتزقة فاغنر ومرتزقة من سوريا والشيشان، والحصول على ممر بحرى في المتوسط بين القاعدتين الروسيتين البحريتين في سوريا وشرق ليبيا، وهو ما ترتب عليه نجاح روسيا في الربط بين البحرين الأسود والأبيض، من القرم الأوكرانية إلى طرطوس السورية، ومن طرطوس إلى بنغازي الليبية.

(ج) تعزيز التحالفات، سواء من خلال تفعيل معاهدة الأمن الجماعي، حيث تدخلت القوات الروسية لقمع الاحتجاجات الشعبية ضد الرئيس البيلاروسى لوكاشينكو 2021، وضد رئيس كازاخستان (قاسم جومرت توكاييف) فى يناير 2022، وكذلك من خلال عقد التفاهمات الاستراتيجية مع القوى الكبرى من خصوم الولايات المتحدة، كالصين عبر منظمة شنغهاي للتعاون، والارتباط بمصالح متبادلة قوية مع حلفاء الولايات المتحدة في التحالف الغربي مثل ألمانيا وفرنسا، وتبادل التكنولوجيا العسكرية والتفاهمات الميدانية في سوريا مع إسرائيل، وتقاسم النفوذ مع تركيا في عدد من ملفات الحوار المشترك، ومساندة إيران في ملفاتها الإقليمية والنووية، والتوغل في مساحات استراتيجية جديدة فى أفريقيا من خلال قوات فاغنر في أفريقيا الوسطى ومالي، واتباع دبلوماسية التسليح مع مصر وبعض دول الخليج العربية.

(د) التطوير المتسارع للتكنولوجيات التسليحية والرقمية، وذلك من خلال العمل على دمج التقنيات الجديدة لمضاعفة القوة في أنظمتها القديمة للتسلح، والإعلان عن مجموعة برامج لأسلحة ذات قدرة نووية رئيسية لضمان قدرتها على اختراق أنظمة الدفاع الصاروخي الأمريكية، وتطوير مجموعة من الأنظمة التي يمكنها مهاجمة الأقمار الصناعية أو تعطيل عملياتها، وكذلك تعزيز القدرات الروسية في مجالات تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، وتعطيل وتدمير أنظمة القيادة والتحكم الخاصة بالخصم وقدرات الاتصال، وتبني استراتيجية تعدين ضخمة لعملة البيتكوين فى كازاخستان، للحد من سيطرة الدولار الأمريكي على الاقتصاد العالمي.

روسيا في العالم الحديث: الاتجاهات والفرص

وسعيا نحو ترسيخ النزعة الهجومية، نصت استراتيجية الأمن القومي الروسي 2021، تحت عنوان “روسيا في العالم الحديث: الاتجاهات والفرص” على مجموعة من المنطلقات الأساسية، التي شكلت ركيزتها في الحركة، ليس هذا فقط، بل شكلت أحد دوافع حربها ضد أوكرانيا في فبراير 2022، ومن بين هذه النصوص:

1ـ يمر العالم الحديث بفترة تحول، حيث تؤدي الزيادة في عدد مراكز التنمية الاقتصادية والسياسية العالمية، وتعزيز مواقف الدول الرائدة العالمية والإقليمية الجديدة إلى تغيير في هيكل النظام العالمي وتشكيل بنية وقواعد ومبادئ جديدة للعالم.

2ـ إن رغبة الدول الغربية في الحفاظ على هيمنتها مع أزمة النماذج والأدوات الحديثة للتنمية الاقتصادية وتعزيز التفاوتات في تنمية الدول، سيؤدي إلى زيادة مستوى عدم المساواة الاجتماعية ورغبة الشركات عبر الوطنية في الحد من دور الدول، مع تفاقم المشكلات السياسية الداخلية وزيادة التناقضات بين الدول، وإضعاف تأثير المؤسسات الدولية وانخفاض كفاءة أنظمة الأمن العالمية.

3ـ يمكن أن يؤدي عدم الاستقرار المتزايد في العالم وتنامي المشاعر المتطرفة إلى محاولات لحل التناقضات المتزايدة بين الدول من خلال البحث عن أعداء داخليين وخارجيين وإلى تدمير الاقتصاد والقيم التقليدية وتجاهل حقوق الإنسان الأساسية والحريات.

4ـ في سياق التوترات الجيوسياسية المتزايدة ينبغي للسياسة الخارجية للاتحاد الروسي أن تسهم في زيادة استقرار نظام العلاقات الدولية القائم على القانون الدولي ومبادئ الأمن العالمي المتكافئ وغير القابل للتجزئة وتعميق التعاون المتعدد الأطراف دون خطوط فاصلة والكتلة من أجل حل المشكلات العالمية والإقليمية بشكل مشترك مع تعزيز الدور التنسيقي المركزي للأمم المتحدة ومجلس الأمن التابع لها.

5ـ في ظل ظروف الركود في الاقتصادات الرائدة في العالم وتراجع استقرار النظام النقدي والمالي العالمي واشتداد النضال من أجل الوصول إلى الأسواق والموارد، وممارسة استخدام أدوات المنافسة غير المشروعة، والتدابير الحمائية والعقوبات في المجالين المالي والتجاري، ومن أجل الحصول على مزايا إضافية، تمارس بعض الدول ضغطًا سياسيًا واقتصاديًا مفتوحًا على روسيا وشركائها، ويتم استخدام الاهتمام المتزايد من المجتمع الدولي بمشاكل تغير المناخ والحفاظ على بيئة مواتية ذريعة لتقييد وصول الشركات الروسية إلى أسواق التصدير وكبح تطور الصناعة الروسية وفرض السيطرة على طرق النقل ومنع روسيا من تطوير القطب الشمالي.

6ـ يصاحب تنامي عدم الاستقرار الجيوسياسي والنزاع واشتداد التناقضات بين الدول زيادة في التهديد باستخدام القوة العسكرية، ويؤدي تخفيف قواعد ومبادئ القانون الدولي المعترف بها عالميا وإضعاف وتدمير المؤسسات القانونية الدولية القائمة والتفكيك المستمر لنظام المعاهدات والاتفاقات في مجال تحديد الأسلحة إلى زيادة التوتر وتفاقم القوة العسكرية للوضع السياسي بما في ذلك قرب حدود دولة الاتحاد الروسي.

وتهدف تصرفات بعض الدول إلى دعم عمليات التفكك في كومنولث الدول المستقلة من أجل تدمير علاقات روسيا مع حلفائها التقليديين، وهناك خطر متزايد من تصاعد النزاعات المسلحة إلى حروب محلية وإقليمية بما في ذلك تلك التي تنطوي على قوى نووية، ويجري استكشاف الفضاء الخارجي والفضاء المعلوماتي بنشاط على أنها مجالات جديدة للعمليات العسكرية.

7ـ إن مشكلة القيادة الأخلاقية وإيجاد أساس أيديولوجي جذاب للنظام العالمي المستقبلي تزداد إلحاحا، وعلى خلفية أزمة النموذج الليبرالي الغربي، يحاول عدد من الدول تعمد طمس القيم التقليدية وتشويه تاريخ العالم وإعادة النظر في وجهات نظرهم حول دور ومكانة روسيا فيه وإعادة تأهيل الفاشية والتحريض على الإثنية والصراعات الدينية، لذلك يتم تنفيذ حملات إعلامية تهدف إلى خلق صورة معادية لروسيا، من خلال الاستخدام المحدود للغة الروسية، وحظر أنشطة وسائل الإعلام الروسية واستخدام مصادر المعلومات الروسية، وفرض عقوبات على الرياضيين الروس، وانتهاك الالتزامات الدولية، وتنفيذ هجمات الكترونية للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأجنبية.

8ـ تُحاول الدول غير الصديقة استغلال المشاكل الاجتماعية والاقتصادية القائمة في الاتحاد الروسي لتدمير وحدته الداخلية ودعم الحركة الاحتجاجية وجعلها راديكالية ودعم الفئات المهمشة وتقسيم المجتمع الروسي، وتستخدم على نحو متزايد الأساليب غير المباشرة لإثارة عدم الاستقرار على المدى الطويل داخل الاتحاد الروسي.

9ـ على خلفية تنفيذ سياسة هادفة لاحتواء الاتحاد الروسي من الأهمية بمكان أن يعزز بلدنا سيادته واستقلاله وسلامته الإقليمية وحماية الأسس الروحية والأخلاقية التقليدية للمجتمع الروسي، وضمان الدفاع والأمن ومنع التدخل في الشؤون الداخلية لروسيا الاتحادية.

10ـ يُصاحب تشكيل بنية وقواعد ومبادئ جديدة للنظام العالمي -بالنسبة للاتحاد الروسي- ظهور تحديات وتهديدات جديدة وكذلك ظهور فرص إضافية، ويتم تحديد آفاق التنمية طويلة الأجل ووضع روسيا في العالم من خلال إمكاناتها الداخلية وجاذبية نظام القيم والاستعداد والقدرة على تحقيق مزاياها التنافسية من خلال تحسين كفاءة الإدارة العامة.

استراتيجية 2021 والخطوات الاستباقية تحسبا للعقوبات الاقتصادية الغربية:

في إطار هذه الركائز لم يكن غريبا أن تتبنى استراتيجية الأمن القومي الروسي 2021 مجموعة من الأولويات الاستباقية التي جاءت تحت عنوان “الدفاع عن الوطن”، لمواجهة ما يمكن أن تتعرض له البلاد من تحديات داخلية وخارجية، ومن ذلك:

(1) تحديد المخاطر العسكرية والتهديدات العسكرية الحالية والمحتملة في الوقت المناسب، وتحسين نظام التخطيط العسكري في الاتحاد الروسي وتطوير وتنفيذ الإجراءات المترابطة السياسية والعسكرية والفنية والدبلوماسية والاقتصادية والمعلوماتية وغيرها من التدابير التي تهدف إلى منع استخدام القوة العسكرية ضد روسيا وحماية سيادتها وأراضيها.

(2) الحفاظ على مستوى كافٍ من إمكانات الردع النووي.

(3) ضمان درجة معينة من الاستعداد للاستخدام القتالي للقوات المسلحة والقوات الأخرى والتشكيلات والهيئات العسكرية، والتطوير المتوازن لمكونات التنظيم العسكري وبناء القدرات الدفاعية وتجهيز القوات المسلحة والقوات الأخرى والتشكيلات والهيئات العسكرية بأسلحة حديثة ومعدات عسكرية وخاصة، وتحسين التدابير لضمان التعبئة في الاتحاد الروسي وتنفيذها بالقدر المطلوب والتحديث في الوقت المناسب والحفاظ على مستوى كافٍ من الإمكانات العسكرية التقنية للتنظيم العسكري للدولة.

(4) النظر في الطبيعة المتغيرة للحروب الحديثة والنزاعات المسلحة وخلق الظروف لتحقيق أفضل مستوى للقدرات القتالية للقوات، وتطوير متطلبات التشكيلات الواعدة والوسائل الجديدة للكفاح المسلح.

(5) ضمان الاستقلال التكنولوجي للمجمع الصناعي العسكري للاتحاد الروسي وتطويره المبتكر والحفاظ على القيادة في تطوير وإنتاج نماذج جديدة ومجمعات وأنظمة للأسلحة والمعدات العسكرية والخاصة.

(6) إعداد اقتصاد الاتحاد الروسي واقتصاد الكيانات المكونة للاتحاد الروسي واقتصاد البلديات وإعداد سلطات الدولة والحكومات والمنظمات المحلية والقوات المسلحة والقوات الأخرى والتشكيلات والهيئات العسكرية لضمان حماية الدولة من أي هجوم مسلح وتلبية احتياجات الدولة واحتياجات السكان في زمن الحرب، وتخطيط وتنفيذ تدابير للتحضير لحماية السكان والقيم المادية والثقافية على أراضي الاتحاد الروسي من الأخطار الناشئة عن النزاعات العسكرية أو نتيجة لهذه النزاعات.

(7) الحفاظ على مستوى عالٍ من الحالة الأخلاقية والسياسية والنفسية للأفراد والقانون والنظام والانضباط العسكري في القوات المسلحة والقوات الأخرى والتشكيلات والهيئات العسكرية، وتعزيز التربية العسكرية الوطنية، والإعداد للخدمة العسكرية للمواطنين، ورفع مستوى الحماية الاجتماعية للعسكريين وأفراد أسرهم والمواطنين المسرَّحين من الخدمة العسكرية وتحسين ظروف الخدمة العسكرية.

موقع أوكرانيا في استراتيجية الأمن القومي الروسي 2021

يمكن القول إن أحد الأسباب الرئيسية لإعادة صياغة استراتيجية الأمن القومي الروسي 2021، وانتقالها من الدفاع للهجوم، مقارنة باستراتيجية 2012، كانت تطورات الأوضاع في الملف الأوكراني، وخاصة بعد أزمة 2014، ثم خطوات دمج أوكرانيا في المعسكر الغربي خلال السنوات التالية لتلك الأزمة، لذلك لم يكن غريبا أن يتم النص حرفيا في استراتيجية 2021 على: “تعزيز العلاقات الأخوية بين الشعوب الروسية والبيلاروسية والأوكرانية، والرد على محاولات تزوير التاريخ وحماية الحقيقة التاريخية والحفاظ على الذاكرة التاريخية”.

وهو ما عاد وأكد عليه بوتين في مقالاته وخطاباته حول أوكرانيا ومكانتها المركزية في الذهنية الروسية وذاكرتها التاريخية، وكذلك التأكيد ضمن بنود الاستراتيجية على أن حماية أوكرانيا هي جزء من كل نحو بناء القطب الروسي الذي يرتكز على تعميق التعاون مع الدول الأعضاء في رابطة الدول المستقلة وجمهورية أبخازيا وجمهورية أوسيتيا الجنوبية على أساس ثنائي، وفي إطار مؤسسات التكامل وفي مقدمتها الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي، ضمان تكامل النظم الاقتصادية وتطوير التعاون متعدد الأطراف في إطار الشراكة الأوربية الآسيوية الكبرى، وكذلك تطوير علاقات الشراكة الشاملة والتعاون الاستراتيجي مع جمهورية الصين الشعبية، وبناء شراكة استراتيجية مميزة بشكل خاص مع جمهورية الهند، بهدف إنشاء آليات موثوقة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ لضمان الاستقرار والأمن الإقليميين.

بجانب تعميق التعاون متعدد التخصصات مع الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي ومنظمة البريكس، ودعم تطوير التكامل الإقليمي ودون الإقليمي في إطار المؤسسات الدولية متعددة الأطراف ومنصات الحوار والاتحادات الإقليمية بما في ذلك في منطقة آسيا والمحيط الهادئ وأمريكا اللاتينية وأفريقيا.

والمساعدة في إزالة ومنع ظهور بؤر التوتر والصراعات في أراضي الدول المجاورة للاتحاد الروسي، وتعزيز دور الاتحاد في أنشطة حفظ السلام، وتقديم الدعم لحلفاء وشركاء الاتحاد الروسي في حل القضايا المتعلقة بضمان الدفاع والأمن وتحييد محاولات التدخل الخارجي في شؤونهم الداخلية.

المصدر : الجزيرة مباشر