عصافير السينما المصرية.. (بص العصفورة)

فيلم خلاويص

تلجأ الحكومات في أوقات الأزمات وعندما تزداد وتيرة الغضب الشعبي على سياساتها إلى صناعة قنابل إعلامية أو ما يمكن أن نطلق عليه قنابل دخان لتحاول أن تغير اتجاه الجماهير نحوها إلى موضوعات أخرى فرعية، وكلما زاد الغضب زاد عدد تلك القنابل الإعلامية، ومع انتشار وسائل التواصل تم صناعة ما يسمى بالتريند أو الهاشتاج سواء على تويتر أو على فيسبوك، وفي الآونة الأخيرة صرنا نعيش في حالة متواصلة من التريندات الإعلامية لعل أخرها ما أحدثه ظهور جمال مبارك نجل المخلوع مبارك، وقد تنوعت التحليلات السياسية لهذا الظهور لنجل مبارك بعد أحد عشر عامًا من خلع والده في ثورة شعبية كبرى تعد الثورة الأعظم في تاريخ مصر. وقد تواكب ظهور جمال مبارك عقب أحداث اقتصادية وسياسية في مصر، منها بيان اقتصادي لرئيس الحكومة، ودعوة إلى حوار سياسي، وإعادة تشكيل لجنة العفو الرئاسي عن المعتقلين السياسيين.

هروب عاطف الطيب

وقد تناولت السينما المصرية حالة صناعة اهتمام إعلامي بقضية معينة للتغطية على قضايا أخرى في أفلام عديدة، وظهر أثر استخدام الصحافة ووسائل الإعلام مبكرًا. ففي فيلم مثل (اللص والكلاب) عن قصة نجيب محفوظ وإخراج صلاح أبو سيف استطاع الصحفي (رؤوف علوان) أن يصنع من بطل الفيلم (سعيد مهران) أسطورة سواء بتصويره كسفاح مجرم رغم أنه ضحية مجتمع، وقد كان جزءًا من حملته ضده أثره في تعاطف العامة معه.

لكن في فيلم الهروب استطاع مصطفى محرم كاتب القصة والحوار للفيلم الذي أخرجه عاطف الطيب وقدمه أحمد زكي في عام 1991، أن يلتقط فكرة تغطية حدث سياسي بحدث آخر جماهيري، تلك الفكرة التي جاء بها حسب أحداث الفيلم: ضابط عائد من أمريكا بعد دورة تدريبية، هو العقيد في مباحث أمن الدولة فؤاد الشرنوبي (محمد وفيق)، فقد اشتد الضغط الإعلامي على الحكومة نتيجة هروب المرآة الحديدية من مطار القاهرة، وهي المتهمة في قضايا اقتصادية، ووسط اتهامات لرجال من الحكومة بمساعدتها، وكان على أمن الدولة أن يغير اتجاه الدفة وهذا الغضب من النظام والحكومة، وأثناء ذلك يكون بطل الفيلم (منتصر) قد خرج من سجنه بعد خداع من شركائه في شركة للتسفير إلى الخارج، وخلال بحثه عن حقه الذي سرق والانتقام ممن خدعوه، يقتل منتصر ثلاثة من الشركاء، ويجد فؤاد الشرنوبي في منتصر (عصا موسى) التي تحول الدفة عن الحكومة والتخفيف من انتقادها بالقبض على منتصر، ورفع قرار النائب العام بحظر النشر في القضية، ليتحول حديث الشارع كله إلى منتصر الذي يتحول إلى بطل شعبي في نظر العامة.

عصا موسى مرة أخرى

وفي مشهد آخر من الفيلم تشتعل الجامعة بالمظاهرات ويقدر الضابط بعد مداولات مع قياداته في وزارة الداخلية أنه لا بد من اقتحام الجامعة (جامعة عين شمس)، وأثناء الاقتحام يقتل العديد من الطلبة وضابط من قوات الشرطة، وتخشى الداخلية من افتضاح الأمر، فيلجأ الضابط مرة ثانية إلى حكاية منتصر الذي تم القبض عليه في ذات ليلة اقتحام الجامعة، وحتى لا تنشغل الصحف وأحزاب المعارضة بما حدث في الجامعة، يقوم الضابط العائد من أمريكا (بالشغل الأمريكاني) بتسهيل مهمة هروب منتصر من الحجز لتصبح عناوين الصحافة في اليوم التالي (منتصر يحطم السجن ويهرب من الزنزانة) هكذا ينشغل الجميع بقصة هروب البطل الذي يحطم الأسوار ويتناسون ما حدث في الجامعة.

عاطف الطيب وأحمد زكي

عاطف الطيب واحد من أهم مخرجي السينما المصرية في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين وقد تخرج الطيب في المعهد العالي للسينما عام 1970، ورحل في يونيو/ حزيران 1995عن عمر يناهز 48 عامًا قدم خلال رحلته القصيرة 21 فيلمًا سينمائيًا من أهم أفلام السينما المصرية بدأها بفيلم الغيرة القاتلة إنتاج 1982، وتبعه بفيلم سواق الأتوبيس أحد علامات السينما المصرية وقدّم أفلامًا أخرى منها أربعة أفلام مع أحمد زكي هي (الحب فوق هضبة الهرم)، (البريء)، (ضد الحكومة)، و(الهروب)، وقد جاءت ثلاثة أفلام لعاطف الطيب ضمن قائمة أفضل مائة فيلم سينمائي مصري هي سواق الأتوبيس والبريء، والحب فوق هضبة الهرم.

ويعد عاطف من المدرسة الواقعية الجديدة في السينما المصرية، وقدّم عاطف الطيب مع نور الشريف ثمانية أفلام منها أول فيلمين له حيث كان الغيرة القاتلة أول أفلام عاطف إنتاج نور الشريف، ثم سواق الأتوبيس الحاصل على جائزة أفضل فيلم مصري عام إنتاجه، وقدّم بعدها: الزمار، قلب الليل، ناجي العلي، دماء على الأسفلت، كتيبة الإعدام، وضربة معلم.

خلاويص خالد الحلفاوي

مرة أخرى تظهر فكرة عصا موسى التي تغير اتجاه الغضب الشعبي ضد الحكومة في فيلم حديث إنتاج عام 2018، فيلم (خلاويص) تأليف لؤي السيد وفيصل عبد الصمد وإخراج المخرج الشاب خالد الحلفاوي، وبطولة الممثل المصري أحمد عيد، وتدور أحداث الفيلم حول تشابه اسم أحد المجرمين مع اسم طفل صغير عمره سبع سنوات، ويفاجأ والده أن ابنه متهم بمقاومة سلطات وحمل سلاح وإرهاب، ويتم القبض على الطفل وايداعه في السجن، وفي أثناء تلك الأحداث يقع حادث قطار البدرشين (بمنطقة الجيزة في مصر) الذي راح ضحيته المئات من المصريين، وتشتعل وسائل الإعلام بغضب ضد الحكومة، ويطالب الجميع باستقالة الحكومة وعدم الاكتفاء باتهام عامل المزلقان أنه السبب في الحادث. ويقوم أحد رجال الحكومة باستغلال قضية الطفل (علي حسن) ذي السنوات السبع في إشغال الرأي العام وتحويل دفة اهتمامه إلى بقاء الطفل في السجن وسط المجرمين، وحيث أن وصول الطفل إلى المحكمة يعني براءته، فيمنع وصوله إليها، وتصبح القضية التي تتناولها وسائل الإعلام كافة وأحزاب المعارضة لماذا لم يذهب علي (الطفل) إلى المحكمة؟ هكذا تغيب القضايا الرئيسة في المجتمع لتطفو على السطح قضايا فرعية.

المصدر : الجزيرة مباشر