مظفّر النوّاب.. الصرخة التي لا تنتهي

ما أظنُّ أرضًا رُويتْ بالدم
كأرضِ بلادي
وما أظنُّ حزنًا كحزنِ الناسِ فيها
ولكنّها بلادي
لا أبكي من القلب
ولا أضحكُ من القلب
ولا أموتُ من القلب
إلا فيها
تلك الأبيات تلخص حياة الشاعر العربي الكبير مظفر النوّاب الذي وُلد في العراق عام 1934، كتب الشعر صغيرا وهو في المرحلة الابتدائية، وحين أدرك مأساة الوطن صار صوته، وبسبب قصائده طاردته السلطات العراقية، وحُكم عليه بالسجن، وهرب إلى إيران في مغامرة خيالية على غرار الأفلام السينمائية، وأُعيد إلى بغداد، وحُكم بإعدامه، قبل التخفيف إلى السجن المؤبد، ثم العفو عنه عام 1969.
خرج النوّاب من بغداد إلى بيروت، ومن بيروت إلى دمشق، فالقاهرة، فكل بلاد العالم، منفيا في وطن لا يسعه من محيطه إلى خليجه. لم يصمت أبدا صوت النوّاب في كل مكان حط به، فكان صوتا لأمته العربية، وتعبيرا عن آمالها وأحلامها، فصار عدوا لكل الحكام، فلم تحتمله أرض هذا الوطن، وحين يصفه الناس بأنه الشاعر الأعلى صوتا والأكثر شجاعة، فإنه لا يجد في نفسه سوى “أنا واحد من هذه الأرض الممتدة من المحيط إلى الخليج.. واحد بسيط”. وقد عاد هذا البسيط إلى وطنه العراق أخيرا، ليُدفن فيه -حسب وصيته- في 20 مايو/أيار الجاري، فهل مات مظفر من القلب أم مات وحيدا؟!
يا غريبَ الدار
إنّها أقدار
كلُّ الكونِ مقدارٌ وأيامٌ له
إلا الهوى
ما يومُه يومٌ
ولا مقدارُه مقدار
وحيدًا وُلد.. وغريبًا مات!
مظفر النوّاب الذي وُلد في بيت أرستقراطي لعائلة كبيرة وسط حي شعبي في بغداد، كان طفلا وحيدا في منزل (قصر) به ثلاثون غرفة، كان ينزوي في حجرته ليكتب شعره في طفولته، يحاكي شعراء العرب التاريخيين، وقد أثّرت وحدته على طباعه الشخصية فكان في مراحله الأولى خجولا، وعندما أدرك واقعا عربيا مريرا صار الصوت الأعلى صراخا في أرجاء أمة صامتة، لم يحتمل نظام عربي صوت النوّاب، وهو يصرخ فيهم:
مَن باعَ فلسطينَ وأثرى بالله
سوى قائمةِ الشحاذين على عتباتِ الملوك
ومائدةِ الدولِ الكبرى؟
فإذا جنَّ الليل
تطقُ الأكوابُ بأنَّ القدسَ عروسُ عروبتِنا
أهلًا أهلًا أهلًا
مَن باعَ فلسطينَ سوى الثوارِ الكتبة؟
كان حلم النوّاب أن يجد مرفأ ومكانا في أي بقعة عربية يحقق حلم الشباب لديه في مساحة للحرية والعدل، كان حلمه أن يموت على أرض طفولته بغداد، ولكنه مات غريبا، هناك في الامارات، ليعود إلى وطنه جثة تُدفن في أرض الميلاد، ما أقسى الموت خارج الأوطان، وما أقسى الأوطان حين تطارد محبّيها، وما أصعب ألا تموت من القلب!
القدس عروس عروبتنا
حين أتأمل وجه مظفر النوّاب لا أرى التمرد الذي تحدّث عنه حين قال: “بعد الجامعة، وحين اندمجت في الحياة تخلصت من خجلي”، فما يبدو على وجهه حين يلقي قصائده هو هذا الوجه الخجول، وكأنه يحاور محبوبة في فضاء بعيد، لكن قصائد النوّاب لم تكن إلا تعبيرا عن العجز والثورة عليه، وبقدر ما كانت قضيته الكبرى مع الحكام العرب، كانت فلسطين جرحه الذي لا يندمل أبدا، وكانت القدس في القلب منها.
لقد أُرضعِتُ حبَّ القدس
وائتلفتْ منائرُها بقلبي
قبلَ أن تبكي التي قد أرضعتني
وهيَ تحكي كيفَ ينتزعُ التراب الرب
مِن قبضاتِ مَن رحلوا
وتُغتصبُ الذوائبُ ثم تُرمى
فوقَ مَن قُتلوا
وكيفَ مشتْ مجنزرةٌ
على طفلٍ.. وكيفَ مسيرُها مهلُ
وحمّل مظفر النوّاب الحكام العرب مسؤولية ضياع فلسطين والقدس، فهؤلاء الطغاة الديكتاتوريون في أوطانهم، كيف لهم أن يحرروا وطنا مغتصبا منهم، كيف يحررون فلسطين؟!
في كلِّ عواصمِ هذا الوطنِ العربيِّ قتلتْم فرحي
في كلِّ زقاقٍ أجدُ الأزلامَ أمامي
أصبحتُ أحاذرُ حتى الهاتف
حتى الحيطانَ وحتى الأطفال
هؤلاء الذين يتهمون مظفر وكل الثوار والحالمين بالنصر والحرية بأنهم غير واقعيين أو موضوعيين، سمّاهم النوّاب (دعاة الموضوعية)، وحين يصف نفسه في قصيدة يحكي فيها ما حدث معه حين أُلقِي القبض عليه في إيران، وسُئل عن هروبه من وطنه، يقول:
خجلتُ أن اقولَ لهم
قاومتُ الاستعمارَ فشرّدني وطني
ويصف دعاة الموضوعية الذين ينكرون عليه حلمه بتحرير الأرض كما أنكروه على كل من ينادي به، معللين تخاذلهم بالقوة وبحجم السلاح لدى العدو، والذين يحكون عن مزايا هذا العدو فيدّعون أنها بقعة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، فيقول:
أهلًا بدعاةِ الموضوعية
زارتْنا إسرائيلُ حبيبتُنا
ذاتُ الفضلِ على تطويرِ ديمقراطيتِنا
هيَ صاحبةُ الأرض
ونحنُ الغرباءُ وشذّاذُ الآفاق
ونحلمُ أنّا وطنٌ عربيٌّ مزعوم
رحل مظفر النوّاب، وحلمه بفلسطين لا يفارقه، كما حلمه بوطن واحد من المحيط إلى الخليج، لم يترك العاشق للألوان فيرسم بعضا من أحلامه، والمحب للموسيقى فينشد على عوده في أيام غربته بعضا من قصائده، أبدا لم يترك حلم الحرية وتحرير الأرض التي اغتُصبت منا.
قضيتُنا لنا أرضٌ قد اغتُصبت
وكنا عزلًا لا نعرفُ سوقَ البرجوازيةِ في الدنيا
ولا ما تصنعُ الأموالُ والحِيَلُ
وطالبْنا فكانَ قرارُ تقسيم
وطالبْنا فصرْنا لاجئينَ وخيمةٌ جرباءُ تنتقلُ
رحل مظفر النوّاب، وتبقى قصائده أنشودة في فم كل طفل يُولد ويُولد معه حلم العدل وحلم النصر لوطن أُدمِي من قهر وظلم واستبداد، رحل وحيدا لكن صوته لا يغيب عن ساحات الثورة في فلسطين، يحييه شهداء في عمر الزهور، يدركون معني الوطن الذي لا يحرره سوى الدم.
رحل النوّاب، وتعيش قصائده في قلوب هؤلاء الذين غادروا أوطانهم ظلما وقهرا، نحملها معنا في بلاد غريبة علينا، ولكننا نسعى ألا نموت إلا من القلب في بلادنا، وتظل قصائد مظفر النوّاب أنشودتنا ونحن نحلم معه.
لا نُخدَعُ ثانيةً بالمحورِ أو بالحلفاء
فالوطنُ الآنَ على مفترقِ الطرقات
وأقصدُ كلَّ الوطنِ العربي
فإمّا وطنٌ واحدٌ أو وطنٌ أشلاء
لكنْ مهما كانَ فلا تحتربوا
فالمرحلةُ الآنَ لبذلِ الجهدِ مع المخدوعين
وكشفِ وجوهِ الأعداء
المرحلةُ الآنَ لتعبئةِ الشعبِ إلى أقصاه
