الأموال الساخنة.. هل تعود قريبا لمصر؟

من بين حوالي 12 موردا رئيسيا للعملات الأجنبية لمصر، جاء صافي استثمارات الحافظة أي صافي مشتريات الأجانب في أدوات الدين المصري، من أذون وسندات خزانة، وصافي مشترياتهم من الأسهم بالبورصة المصرية، في المركز السابع للموارد بعد تحويلات العمالة والقروض والصادرات والسياحة وقناة السويس، بقيمة 6 مليارات دولار من إجمالي حوالي 130 مليار دولار.

وكان صافي استثمارات الحافظة للأجانب قد حقق فائضا بلغ 2.9 مليار دولار بعد تحقيقه فائضا بلغ 10.4 مليارات دولار عام 2019، وهكذا أصبحت مشتريات الأجانب لأدوات الدين الحكومي المصري، تمثل إحدى الوسائل الهامة لجلب العملات الأجنبية لمصر، فيما بعد تعويم الجنيه أواخر عام 2016، وذلك بعد انقطاع دام ست سنوات متواصلة منذ ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 وحتى تعويم الجنيه.

وهكذا أصبحت أرصدة مشتريات الأجانب في أذون وسندات الخزانة المصرية تمثل سندا للبنك المركزي، لمواجهة الطلب على الدولار للوفاء باحتياجات الاستيراد المتزايدة، والمدفوعات الخارجية المتنوعة وسداد أقساط وفوائد الدين الخارجي.

وقد رصيدها المتراكم يتزايد من 1.3 مليار دولار آخر عام 2016 إلى 19 مليار دولار عام 2017، ثم إلى 22 مليار دولار بنهاية 2019 ثم إلى أكثر من 25 مليار دولار في العام التالي عام ظهور فيروس كورونا، حتى بلغت أعلى رقم لها في سبتمبر/أيلول من العام الماضي حين بلغت 34 مليار دولار.

لكن تصريح بنك الاحتياط الفدرالي الأمريكي عن نيته رفع سعر الفائدة لمواجهة ارتفاع التضخم، أدى إلى خروج جانب كبير من استثمارات الحافظة للأجانب من الأسواق الناشئة، ومنها مصر بنحو حوالي مليارَي دولار في الربع الأخير من العام الماضي، وجاءت الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير/شباط الماضي، وبدء زيادة الفائدة الأمريكية بشهر مارس/آذار الماضي.

    انخفاض حاد للأموال الساخنة بمصر

وهو ما زاد خروج استثمارات الحافظة من الدول الناشئة ومنها مصر، التي خرج منها حوالي 20 مليار دولار في الربع الأول من العام الحالي، وسبب ذلك ربكة مالية للسلطات المصرية التي عانت من تراجع عائدات السياحة بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، ومن تكلفة ارتفاع أسعار النفط والغذاء، مما دفعها إلى تعديل نظام تمويل الواردات، واللجوء إلى الدول الخليجية للاقتراض منها لتمويل خروج الأجانب من أدوات الدين الحكومي والبورصة، حرصا منها على ترك انطباع جيد لدى هؤلاء يساهم في عودتهم عند تغير الظروف الدولية، خاصة أن خروج الأجانب من البورصة المصرية مستمر منذ ثلاث سنوات، وخلال الشهور الأربعة الأولى من العام الحالي.

وهكذا انخفض رصيد مشتريات الأجانب بأدوات الدين الحكومي المصري، التي يطلق عليها الأموال الساخنة نظرا لسرعة تحركها بين الأسواق بحثا عن العائد الأعلى، خلال الربعين الأخير من العام الماضي والأول من العام الحالي، من 34 مليار دولار إلى أقل من 9 مليارات دولار، وهي أقل قيمة لها منذ الربع الأول من عام 2017.

وسعيًا لاستعادة تلك الأموال الساخنة قام البنك المركزي برفع نسبة الفائدة بواقع 1% في شهر مارس وبنسبة 2% في شهر مايو/ أيار. ويظل السؤال هل ينجح المركزي المصري في إعادة جذب تلك الأموال سريعا بعد رفعه للفائدة مرتين خلال شهرين أم أن هناك أمورا تحول دون ذلك؟

ولأن جانبا كبيرا من الأموال الساخنة يسعى لتجارة الفائدة، فإن سعر الفائدة المرتفع مهم بالنسبة لها، لكنه ليس العامل الوحيد، فنسبة الفائدة في زيمبابوي وصلت إلى 80% وبلغت 56% في فنزويلا و49% بالأرجنتين و27% باليمن وأكثر من 23% بالسودان، لكن الفائدة الحقيقية في كل تلك الدول سالبة نظرا لارتفاع التضخم بها عن سعر الفائدة، حيث بلغ 96% في زيمبابوي و222% في فنزويلا، و58% بالأرجنتين و260% بالسودان إلى جانب الحرب الأهلية باليمن.

عائد موجب بدول ناشئة رغم التضخم العالمي

ومن هنا تبحث تلك الأموال الساخنة عن دول ذات عوائد إيجابية ومستقرة سياسيا إلى حد ما، وأمامها مجال كبير للاختيار حيث تتجه إلى الأسواق الناشئة ذات معدلات النمو المرتفعة والعوائد العالية، وضمت قائمة الدول الناشئة حسب صندوق النقد الدولي 95 دولة منها 15 دولة عربية، أبرزها الإمارات والسعودية والكويت وقطر والبحرين ومصر.

ومن الدول الإسلامية: إندونيسيا وتركيا وماليزيا وبروناي وباكستان، ومن الدول الأخرى: الصين والهند وروسيا والمكسيك والبرازيل والأرجنتين وجنوب أفريقيا، أي أن نصف عدد دول مجموعة العشرين من الدول الناشئة.

ومن خلال مقارنة معدلات الفائدة بمعدلات التضخم خلال شهر مايو، فقد كانت الفائدة الحقيقية إيجابية بالعديد من الدول الناشئة، حيث تبلغ الفائدة بالصين 3.7% مقابل 2.1% للتضخم، وفي البرازيل 12.75% مقابل 12.1% للتضخم، وبكازاخستان 14% مقابل 13.2% للتضخم، كما كانت الفائدة موجبة في دول منها فيتنام والغابون وتنزانيا وأوغندا وكينيا وأوزبكستان وليبيريا.

أما في مصر فكانت الفائدة الحقيقية سلبية؛ حيث بلغ معدل الفائدة 11.25% مقابل نسبة 14.9% للتضخم بأنحاء الجمهورية المصرية، كما تصل نسبة التضخم بالمدن المصرية 13.1%، وتزداد المنافسة مع دول عديدة أخرى يضيق بها الهامش بين معدل الفائدة والتضخم عن الفارق المصري، فيصل في معظمها إلى ما بين ربع ونصف بالمائة فقط، منها مثلا السعودية والإمارات وماليزيا والمكسيك وتونس وهونغ كونغ وباكستان والأردن وإندونيسيا ومالي والنيجر وقرغيزستان.

لكن الأموال الساخنة التي خرجت من الأسواق الناشئة سعيا للأمان المتحقق في فائدة أذون وسندات الخزانة الأمريكية، تجد ما يحقق طموحاتها في التصريح برفع الفائدة الأمريكية بواقع نصف بالمائة في اجتماع منتصف يونيو/حزيران القادم واجتماع السابع والعشرين من يوليو/تموز، إضافة إلى وجود ثلاثة اجتماعات أخرى خلال العام الحالي لبنك الاحتياط الفدرالي في أشهر سبتمبر ونوفمبر وديسمبر قد ترتفع بها الفائدة أيضا.

كما أشار البنك المركزي الأوربي إلى نيته رفع الفائدة في يوليو القادم، وبالفعل قامت عدة دول أوربية برفع الفائدة عدة مرات خلال العام الحالي، وهو ما يعني وجود عوامل تدفع لاستبعاد عودة تلك الأموال الساخنة إلى الأسواق الناشئة ومنها مصر حتى نهاية العام الحالي.

وفيما يخص مصر فقد أضافت الظروف الحالية عوائق إضافية منها عودة السوق السوداء إلى الدولار مرة أخرى، وتفضيل جانب من هؤلاء المستثمرين التريث حتى يستقر سعر الصرف، وكذلك زيادة المخاطر الخاصة بمصر حاليا وصعوبات القدرة على سداد أقساط الدين الخارجي، وانخفاض أسعار السندات المصرية المتداولة بالخارج بنسبة 60% من قيمتها الاسمية.

وبالطبع يتوقع البعض إمكانية رفع المركزي المصري الفائدة مرات أخرى خلال العام الحالي، سواء ارتباطا برفع الفائدة الأمريكية أو سعيا لمواجهة التضخم المحلي المرتفع، إلا أن هناك دولا ناشئة أخرى سترفع سعر الفائدة بها إلى معدلات تفوق الفائدة المصرية، مما يعني وجود منافسة على اجتذاب تلك الأموال عندما تفكر في العودة إلى الأسواق الناشئة.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان