تنفس رائحة “اللبان” في كل مكان.. أهلا بكم في سلطنة عمان

كانت رائحة دخان اللبان تتطاير في أرجاء سوق مطرح التقليدي بمسقط القديمة، وأنا أغوص في الممرات المزدحمة التي تبدو كالمتاهة، فما إن تدخل في زقاق إلا وتصادفك ممرات أخرى تناديك للسير فيها، والنظر إلى تلك التحف المتدلية من السقوف، والمنبسطة على الفرش، والتي يتخللها مباخر اللبان العُماني المرسِل لطيب الروائح، شعرت بها تقول لي: عليك أن تتذكريني، أنا هنا منذ آلاف السنين، وما أزال موضع تقدير للتجار والزائرين/ـات، سوف تتمتعين برائحتي، فأنا الريحان والورد والزنبق مجتمعة.
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي أشم فيها هذه الرائحة الطيبة المنعشة المثيرة بعبقها، إنها موجودة في كل مكان تذهب إليه في سلطنة عُمان.
ردهات الفنادق، ومداخلها تتزين بمباخر اللبان، وتحرقه باستمرار كبخور، فيبدو بديهيًا للضيف إنها من تقاليد العُمانيين للترحيب بالضيوف، وهذا أيضًا ما تشاهده في شتى مراكز التسوق كبيرة كانت أو صغيرة وغيرها من الأماكن.
بالنسبة إلى الشعب العماني، يعد اللبان جزءًا لا يتجزأ من ثقافته، وتراثه التاريخي القديم.
“أغنى أهل الأرض”
منذ قرون خلت، وقبل أن يصير النفط مصدر ثروة للدول التي تملكه الآن، كانت هناك سلعة أخرى أكسبت المنطقة مركزًا تجاريًا متميزًا، وشهرة كبيرة، وهذه السلعة لم تكن معدنًا نفيسًا يستخرج من باطن الأرض، ولكنها كانت شجرة اللبان.
تنفرد سلطنة عمان بإنتاج أجود أنواع اللبان، وقد وصفه المؤرخ والفيلسوف الروماني بلينيوس الأكبر الشهير ببليني الأكبر (23-79 ميلادية) بأنه “مادة بيضاء لامعة تتجمع كالفجر على شكل قطرات أو دموع كاللؤلؤ”، وذكر أن تجارة اللبان جعلت العرب الجنوبيين “أغنى أهل الأرض”.
تنتشر أشجار اللبان في مناطق مختلفة من محافظة ظفار، الواقعة في أقصى جنوب سلطنة عُمان، بسبب مناخها المناسب لهذه الشجرة العجيبة، وتربتها الجيرية الكلسية الملائمة لنمو شجرة اللبان، ذات الأهمية الاقتصادية والتاريخية والطبية.
وتقاس جودة اللبان باللون النقي الأبيض والخالي من الشوائب، ويرتفع ثمنه طبقًا لهذه الخصائص، وتقل قيمته كلما مال لونه إلى اللون الأحمر أو اختلط ببعض الشوائب، كما ترتبط جودة الإنتاج بالنطاق الجغرافي لنمو الشجرة إضافة إلى خبرة العامل ومهارته الذي يعمل على جني هذا المحصول.
ما إن تذكر سلطنة عُمان في أي مكان إلا وتنهال عليك الأسئلة عن اللبان العُماني، أو يُطلب منك إحضاره، فهذا المنتج المعروفة خصائصه عبر التاريخ جعل من السلطنة جسرًا للتواصل بين حضارات العالم القديم، ولأجله تحركت القوافل التجارية من شواطئ ظفار وصولًا إلى شواطئ مصر القديمة والعراق وبلاد الإغريق والرومان والصين، وكانت سببًا في الكثير من العلاقات التجارية والاجتماعية والسياسية بين الدول.
وتظهر الشواهد المنقوشة على جدران معبد الملكة المصرية حتشبسوت في الدير البحري تفاصيل رحلتها التاريخية إلى بلاد “بونت” لشراء البخور واللبان والمر إلى المعابد الفرعونية لممارسة الطقوس الإلهية.
وأسهب الكثير من المؤرخين والرحالة والباحثين في الحديث عن شجرة اللبان، وأهمية المادة المستخرجة منها، نظرًا لخواصها العطرية، واستخداماتها العلاجية والدوائية، وقد وصف الطبيب اليوناني بيدانيوس ديوسكوريدس مؤلف كتاب (دي ماتيريا ميديكا) في المداواة بالأعشاب الطبية، بخور اللبان كدواء له تأثيرات سحرية، موصيًا باستخدام صمغه في علاج القروح والتئام الجروح، وأجمع المؤرخون جميعهم على أن الطلب على اللبان كان لا يضاهي الطلب على أي سلعة أخرى.
وتشير بردية “إبيرس”، وهي أول بردية كتبت في التاريخ المكتشف للبشرية، وأبرز وثائق المعرفة الطبية في مصر القديمة، إلى أن اللبان كان يستخدم في العلاجات لأمراض وإصابات مثل الربو والنزيف والتهاب الحلق والقيء والسعال، وغيرها.
وكان يستخدم أيضًا كدهان لتسكين الألم والتئام الجروح وتطهيرها، أو كعلك للمضغ لتقوية الأسنان وحمايتها من التسوس، وتطهير الجسم من السموم، وتخفيف التوتر والأرق.
وكان رمزًا مهما في الطقوس الدينية في الحضارات القديمة جميعها، اعتقادًا أن بخوره يصعد إلى السماء، وكانوا يطلقون عليه “دموع الآلهة” على اعتبار أن فصوص اللبان هي دموع شجرة اللبان، وبكاءها هو عطاء للإنسان، ما أكسبها مكانة خاصة لأن تكون غذاء للآلهة التي لا تتم الطقوس التعبدية إلا بها.
متحف أرض اللبان
نظرًا لأهمية المواقع الثقافية والطبيعية التي تحظي بها سلطنة عُمان على امتداد العصور التاريخية المختلفة أدرجت اليونسكو موقعين مهمين في محافظة ظفار ضمن مواقع التراث العالمي، هما ميناء “سمهرم” الأثري، الذي يعد من أقدم الموانئ في شبه الجزيرة العربية كونه الأشهر في تصدير اللبان إلى الحضارات المجاورة في التاريخ القديم، ومدينة “البليد” أقدم المدن العمانية في محافظة ظفار، والتي يعود تاريخها إلى أواخر الألفية الخامسة قبل الميلاد، بحسب المكتشفات الأثرية، والتي أوضحت كيف كان الموقع ميناءً نشطًا، خاصة في تجارة اللبان، وكانت تصل إليه السفن القادمة من الهند والصين والعراق وبلاد فارس وأفريقيا وأوربا، وقد وصف الرحالة والمؤرخ الإيطالي، ماركو بولو، مدينة “البليد” على أنها أكثر المدن ازدهارًا، وواحدة من الموانئ الرئيسة على المحيط الهندي.
وتوثيقًا لحضارة اللبان، والتعرف إلى تراثها التاريخي والبحري، أقيم في عام 2007 متحف “أرض اللبان” ليوفر للزائرين ملخصًا شاملًا عن سيرة البلاد عبر الأزمان، من خلال قاعتين هما:
الأولى: القاعة التاريخية، وهي نافذة على العديد من المواقع الثقافية والأثرية، وتضم ستة أقسام هي: جغرافية عُمان، عُمان في الأزمنة القديمة، أرض اللبان، إسلام أهل عُمان، ملامح من التاريخ العُماني، ونهضة عُمان.
والثانية: القاعة البحرية، وهي تسلط الضوء على الأحداث البحرية الكبرى في التاريخ العُماني، وعلاقة عُمان بالبحر، ومساهمة البحر في تطور العلاقات مع الدول الأخرى، والمهارات العُمانية في صناعة السفن، وذلك في سبعة أقسام هي: التراث البحري، البحر، بناء القوارب والسفن الشراعية، الإبحار، التجارة، واقع البحر الافتراضي، والنهضة.
