إلحاد الثورات المضادة!!

الكتب التي تناولت الإلحاد كثيرة، فكلما برزت الظاهرة، انتفض لها مؤلفون وكتاب من جميع الأديان للرد عليها، عربية وغربية، ومعظم الكتابات كانت تركز الرد على أفكار الملحدين والإلحاد، لكن القليل منها يناقش أسباب الإلحاد، وبخاصة الإلحاد الذي يرتبط بزمن معين، ويتم رصد أسبابه من اتجاهات عدة، فالشعوب والأمم تمر بمراحل في حياتها، وأزمات عاصفة بشبابها، ومن هذه المراحل والمنعطفات التاريخية: الثورات، ومن أهم الكتب التي صدرت حديثا وتناولت الإلحاد الناتج عن الأزمات التي تعيشها بلادنا كتاب: إلحاد الثورات المضادة، للأستاذ محمد خير موسى.

أنواع الإلحاد

الإلحاد ليس على درجة واحدة، أو نوع واحد، بل هو عدة أنواع، حسب حالته وبيئته، وظروفه وأسبابه.

1ـ إلحاد الفكرة: فهناك إلحاد الأيديولوجيا، أو إلحاد الفكرة، حيث يعتقد صاحبه أنه لا إله لهذا الكون، وينفي فكرة وجود الله أصلا، وهو أقل ألوان الإلحاد وجودا في بلادنا العربية والإسلامية، لأن الأصل أن يقول الملحد إنه درس الأديان جميعا فاكتشف بطلانها، وهو ما لا يتحقق مع ضعف وضحالة مستوى القراءة في بلادنا، فضلا عن الاطلاع الديني الواسع الذي يصل بصاحبه لإنكار وجود الله.

2ـ إلحاد الترف: وهو إلحاد ناتج عن حالة من الرفاهية لدى الشخص، والترف الشديد، تجعل لديه ضعفا شديدا في أداء ما أمر الله به والانتهاء عما نهى عنه، فالتدين يحتاج إلى صبر وجلد، وابتعاد عن المعاصي، وهو ما سماه خير موسى: البحث عن اللذة، وسماه شيخنا العلامة الشعراوي: الهروب من أداء التكاليف، فلكي لا ينفذ الشخص أوامر الله ونواهيه، ولكي لا يظل الناس يذكرونه بأنه مسلم، يغلق باب النقاش ويقول: أنا ملحد ولست مسلما!

3ـ إلحاد الأزمة: وهو نوع من الإلحاد يأتي بناء على وجود أزمة، أحدثت رد فعل عند الشخص، فانقلب عكس ما كان قبل الأزمة، وهو ما يعبر عنه خير تعبير بكل أنواع الإلحاد التي نتجت بعد انحسار الربيع العربي، وقدوم ما سمي بالثورات المضادة، فجل هذه الحالات التي وردت بعده ليست إلحادا بالمعنى الفكري والديني، بل هو رد فعل عنيف لما حدث للشعوب التي طمحت إلى الحرية والعدالة.

وإذا كان الإلحاد موجودا قبل الثورات وبعدها، فلماذا التركيز على الإلحاد الذي سببته الثورات المضادة؟ لأنه الأبرز والأكثر تفاعلا حاليا، فنسبته قبل الثورات لم تكن ملفتة للنظر، بل كانت حالات معدودة تقل أو تكثر، ولها أسباب أخرى غير أسباب الإلحاد الذي تسببت فيه الثورات المضادة ونتائجها.

الأسباب التي أدت لإلحاد الثورات المضادة

وهناك أسباب أدت إلى هذا النوع من الإلحاد، كانت موجودة قبل الثورات بلا شك، ولكنها برزت بشكل أكثر في غضونها، فالظلم كان موجودا قبل الثورات وبعدها، والخطاب الديني الضعيف كان موجودا أيضا، فما الذي أدى إلى بروز هذه الظاهرة بهذا الشكل، رغم وجود كثير من الأسباب قبل الثورات وبعدها؟

الاستبداد السياسي كان موجودا قبل الثورات العربية، ولكن الشعوب ذاقت طعم الحرية ولو لمدة زمنية قصيرة، وداعب خيالها الأمل بالحرية والعدالة، وعودة الاستبداد بشكل غير مسبوق صنع رد فعل عنيفا لدى الشباب والفتيات، فكان لاستبداد ما قبل الثورات حدود في عنفه وحرص شديد على إخفاء استبداده، أما ما صاحب الثورات المضادة فهو عنف واستبداد بلغا حد التباهي، فكل المجازر والمذابح تصور بالصوت والصورة، وأحيانا ببث مباشر، ليشاهد العالم كله ما يفعله المستبد بالناس، من براميل متفجرة، إلى فض اعتصامات، كل ذلك والعالم أجمع يشاهد ويكتفي بالاستنكار الشكلي!

استبداد بحماية دينية

وزاد الطين بلة أن هذا اللون البشع من الظلم، جرى تغليفه بخطاب ديني، كان ظهيرا وسندا لكل ما يفعله، وجرى استحضار للدين ونصوصه بشكل غير مسبوق، جعل الضحية والمظلوم يشكك هل هذه النصوص حقا في ديننا، وهل حقا يمكن أن يجد الظالم مبررات ومسوغات لما يفعله، فيقتل ويفجر ويظلم، ويؤجر على ذلك أيضا، فكم الفجاجة في تغليف هذا الظلم غير المسبوق بالخطاب الديني، كان من أكبر الأسباب التي أحدثت ردّ فعل حادًّا لدى الشباب في موقفهم من الدين.

وعلى الرغم من أن هذا الشباب وجد علماء ومشايخ قد أيدوا الثورات، وأيدوا حق الشعوب في نيل حريتها، ووقفوا ضد المظالم والمجازر، فإن الصورة التي علقت بأذهان بعضهم كانت صورة الاستبداد المغلف بالدين، سواء صحت الفكرة أم لا، وسواء ضعف إيمان الشخص فبحث عن ذريعة يستند إليها لاتخاذ موقف من الدين أم لا.

ضعف الحالة العلمائية في التصدي للظاهرة

كما أن غالب الحالة العلمائية للأمة بعد الثورات، كانت حالة ضعيفة، وبخاصة في مواجهة ما جد من أفكار لدى الشباب، فالثورات تحدث تغيرا فكريا واجتماعيا وسياسيا ودينيا لدى الناس، ولم يكن لدى كثير من العلماء جاهزية لهذه المستجدات، وعندما جاءت الثورات المضادة، لم يكن هنا حلم وأناة وصبر طويل على نقاشات الشباب فيما حدث، وفي الإجابة عن السؤال الصارخ بداخل كل منهم: لماذا لا ينصرنا الله ونحن مظلومون، لماذا لا ينتقم الله من الظلمة؟ وكان عدد من الدعاة في مواجهة السائلين، يتهم السائل بضعف الإيمان، أو ضعف عزيمته، بينما الأمر يحتاج إلى صبر على السائلين، وأخذ بيد الحائرين، وهذا شأن العلماء الأثبات، وقليل ما هم في زمان الثورات المضادة مع الأسف.

إخفاق تجربة الإسلاميين بعد الثورات

ومن أهم عوامل بروز إلحاد الثورات المضادة، ما صاحب الربيع العربي من تصدر عدد من الإسلاميين في هذه البلدان للحكم وتجربته، وكان قدر الحركات الإسلامية أن تأتي الثورات المضادة وهم في سدة الحكم في هذه البلدان، وبعيدا عن تقييم تجاربهم، فهذا ما حدث، فكانت فكرة بعض الشباب في بادئ الأمر أن فشل للإسلاميين لعدم خبرتهم، وتعجلهم، وشيئا فشيئا أخذتهم هذه الفكرة إلى فكرة أخرى هي أن الفشل ليس لأشخاص الإسلاميين، بل للفكرة التي يحملونها، وهو نوع معين من التدين والفهم للدين، ثم تأتي بعدها فكرة تنتهي بصاحبها إلى أن ذلك فشل للدين نفسه.

وهي كلها أفكار نابعة عن رد الفعل، وعن حالة الأزمة التي تعيشها الأمة بوجه عام، ومن المهم أن نتحلى بالشجاعة بالوقوف على أخطائنا فيها، سواء كنا مشايخ أو إسلاميين، أو محاضن علمية دينية رسمية أو غير رسمية، فهي ظاهرة حدثت بدرجة ما، ولا يمكن إنكارها، أو التغاضي عنها، ندرسها دون تهوين أو تهويل، وهو ما قام به الأستاذ محمد خير موسى في كتابه: “إلحاد الثورات المضادة.. الأسباب والمظاهر ومنهجية التناول”، مقدما رؤية جادة ومهمة، يمكن البناء عليها، وتكملة ما بدأه من جهود.

 

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان