في روايته “حاجي مراد”.. تولستوي يمجد المقاومة ضد الطغيان ويوضح دور الأدب في الكفاح من أجل الحرية

 

في تاريخنا الكثير من صفحات المجد، ومقاومة الظلم والاستعمار والاستبداد التي يمكن أن يسهم الكشف عنها في فتح آفاق جديدة لبناء المستقبل.

فالمعرفة أهم الأسلحة التي يمكن استخدامها في مقاومة الخنوع والخضوع والخور والوهن، لذلك يجب أن يقوم العلماء والباحثون بجهد منظم لاكتشاف تاريخ الأمة برؤية شاملة تتجاوز الحدود التي صنعها الاستعمار.

وتاريخ مقاومة المسلمين في القوقاز ضد الاستعمار الروسي يمكن أن يقدم لنا الكثير من الدروس، ويوضح لنا أسباب الهزائم والانتصارات، لكن المصادر عن كفاح المسلمين القوقازيين ضد الاستعمار الروسي قليلة.

لذلك لجأت إلى الأدب الروسي، وكانت رواية “حاجي مراد” التي كتبها الأديب الروسي الكبير ليو تولستوي من أجمل الروايات التي تصور كفاح المسلمين في القوقاز وبطولتهم، وتقدّم للإنسانية نموذجا لمقاومة الطغيان والاستعمار يمكن أن يسهم في بناء مستقبل يقوم على العدل والحرية.

أعظم رواياته ولكنها مجهولة!

وتولستوي هو أهم أركان الأدب الروسي، وأكثر الكتّاب الروس إبداعا وقدرة على تصوير الحياة بكل تناقضاتها ومآسيها وأحزانها.. والكثير من رواياته انتشرت في العالم، وحققت شهرة كبيرة، من أهمها “الحرب والسلام” و”آنا كارنينا”.

لكن روايته “حاجي مراد” ظلت مجهولة، رغم أنه قال لصديقه قبل وفاته إنه يعدّها أعظم رواياته.. وهذا يثير الكثير من التساؤلات عن أسباب الشهرة، ويوضح أن القيمة الأدبية ليست من العوامل التي تؤهل العمل للانتشار، فالسلطات تمارس دورها في التعتيم على الكثير من الأعمال الأدبية التي تهاجم الطغيان، وتكشف فساد المستبدين، والتي توضح للشعوب أهمية المقاومة للدفاع عن الحياة، فالخضوع للطغيان يعني الموت والبؤس والمآسي الإنسانية.

هذا مثال يكشف لنا عن أسباب شهرة الكثير من الأدباء المنافقين الذين يخضعون للطغيان، ويقومون بإلهاء الشعوب بقصص تمجد الضعف والخضوع للواقع والعجز والخنوع، فيحصلون على الجوائز وتتسابق وسائل الإعلام لنشر أعمالهم التافهة، بينما يموت الكثير من الأدباء أصحاب المواهب والمبادئ الذين يدركون دور الأدب في إضاءة طريق الحرية للشعوب دون أن يعرفهم أحد!!

ضد طغيان القيصر

ولقد استطاع المسلمون في القوقاز أن يقاوموا طغيان القيصر منذ عام 1830 حتى 1859 بقيادة الشيخ شامل.

واستطاع ليو تولستوي أن يرسم صورة واقعية للقيصر نيقولا الأول في طغيانه واستبداده، وهي صورة قد تكون متميزة في التاريخ، حيث لم يكن يهتم بحياة الإنسان، وكان يقدم تعريفا غريبا للإنسان يتمثل في أن أهمية حياة أي مواطن في روسيا تكون فقط خلال الفترة التي يسمح له القيصر فيها بالحديث معه، فإن أنهي القيصر الحديث مع هذا المواطن فقد تلاشت أهميته ولا معني لحياته، ويصبح دمه مباحا، وكان جنود القيصر يفهمون هذه الصيغة ويطبقونها، فإن توقف القيصر عن الحديث مع إنسان فقد انتهت حياته.

وهي صيغة غريبة لتحديد أهمية الإنسان، لكن من الواضح أن الكثير من الطغاة تعلموا من نيقولا الأول الاستكبار والاستعلاء على البشر، والتعامل باحتقار مع حياة الناس.

كان نيقولا الأول أيضا نموذجا للفساد، فهو يستخدم أموال الإمبراطورية في البذخ والإسراف وإشباع رغباته وغرائزه، وفي بناء القصور، في الوقت الذي تعيش فيه شعوب روسيا في ضنك وفقر وبؤس وشقاء.

لذلك كان من الطبيعي أن يتوجه تولستوي عاشق الحرية والمدافع العنيد عنها إلى جبال القوقاز حيث يقود المسلمون المقاومة ضد الطاغية نيقولا الأول وجيشه الروسي، وأن يمجد المسلمين ومقاومتهم.. فهم إن انهزموا أمام القوة المادية الغاشمة، فيكفيهم فخرا وعزا ومجدا وشرفا أنهم كافحوا ضد الاستبداد والاحتلال، وقاوموا الطغيان، ودافعوا عن بلادهم حتى الموت.

قلوب تعشق الحرية

كان من الطبيعي أن يتوجه تولستوي إلي القوقاز ليمجد حياة المسلمين القائمة على الاعتزاز بمبادئهم في مواجهة حياة الروس القائمة على الفساد والغرق في الشهوات، وأن تجذب سيرة الحاج مراد-وهي قصة واقعية- قلم تولستوي الحر ليصورها، فهي حياة تستحق قراءتها بعمق، وتجربة إنسانية تستحق أن تُروى.

وفي جبال القوقاز تمكن الشيخ شامل وقائده الحاج مراد من قيادة المسلمين للمقاومة سنوات طويلة، واستطاعوا تحقيق انتصارات على الجيش الروسي.. لكن الأبطال لا يجب الاكتفاء في تسجيل سيرتهم ورسم صورتهم بما حققوه من انتصارات.

لذلك سجل قلم الأديب الحر تولستوي المشاعر الإنسانية النابعة من قلوب تعشق الحرية.. لكن لماذا اختار تولستوي شخصية الحاج مراد ليصورها في رواية اعتبر أنها أهم ما كتب في حياته؟

الإجابة على هذا السؤال تحتاج إلى قراءة نقدية للرواية لنكتشف ما الذي فتح للحاج مراد قلب تولستوي وأثار خياله.

الأزهار تصمد تحت العجلات

استطاع تولستوي أن يقدّم وصفا للبيئة التي عاش فيها الحاج مراد، فبدأ روايته بتصوير زهرة تبدو في المكان اللائق بها، فهذه الزهرة تقاوم الاقتلاع بعزم، وفي المقاومة يكمن سر جمالها، وعجلات المركبات مرت على الأزهار فدعستها، لكن الأزهار نهضت من جديد!

هكذا قدم تولستوي رموزه منذ البداية، فهذه الزهرة قاومت الاقتلاع، والأزهار التي نهضت بعد أن دعستها عجلات المركبات هي التي ذكّرت تولستوي بالحاج مراد الذي قابله عام 1851.

الدرس واضح من البداية: الأزهار ستصمد وتنهض وتقاوم حتى وإن دعستها العجلات.

ولكن ماذا أفعل بالحرية؟!

ويصور تولستوي حياة الجنود الروس في جيش الطاغية نيقولا الأول، وكيف أنها تشبه حياة العبيد، حيث يقول أحد هؤلاء الجنود لزميله: لقد وعدني سيدي أن يعتقني لدى عودتنا من القوقاز، ولكن أين أذهب مع حريتي؟! سأعيش مثل الكلب!!

العبارة صادمة وقاسية، لكنها الحقيقة، فالعبيد يصلون إلى مرحلة يفضلون فيها العبودية خوفا من تحمّل مسؤولية الحرية، ودفع ثمنها.

هذا الجندي في جيش نيقولا يخاف أن يعيش مثل الكلب إذا حصل على حريته، وهو منطق الكارهين للتغيير الذين يحرصون على الاستقرار حتى لو كان على العبودية والخضوع للطغيان!!

وهؤلاء هم العامل الرئيس في إخضاع الشعوب وقهرها، لأنهم يخدمون الطاغية، ويثيرون خوف الشعوب من الحرية.

نابليون آخر

يعترف القائد الروسي ببطولة الحاج مراد وعبقريته العسكرية، فيصفه بأنه رجل عظيم لو ولِد في أوربا لجاز أن يكون نابليون آخر، وكان هذا التشبيه نتيجة لإعجاب هذا القائد الروسي الذي تعلّم في فرنسا بنابليون.

وجاء هذا الاعتراف بعد استسلام الحاج مراد للروس، وكان الاستسلام هو أكبر نصر حققه الروس على المقاومة القوقازية التي استمرت عقودا من الزمن، وحققت انتصارات عظيمة.

في الوقت نفسه، صوّر تولستوي سلوك القيصر نيقولا الأول، وكيف كان يقول “وماذا ستصبح روسيا من دوني، ليست روسيا وحدها، بل أوربا كلها”.

كان نيقولا يحتقر شعبه، ويعجب بنفسه عندما يقوم بسحق معارضيه، وكان مقتنعا بأن الجميع قد سرقوا، وعقوبة السارق أن يرسله للخدمة في الجيش.

يقول القيصر نيقولا “يبدو أن في روسيا رجلا شريفا واحدا”!!

وفهم القائد تشرنيشوف أنه يقصد نفسه، فقال “إن الأمر كذلك يا صاحب الجلالة الإمبراطورية”.

وهكذا أدى النفاق إلى زيادة غرور الإمبراطور واستكباره، وكان مدح قائد الجيش لمواهب نيقولا في رسم الخطط الحربية يسرّه ويملأ قلبه فرحا، رغم أنه كان يعلم أن لا وجود لتلك المواهب في الحقيقة، لذلك يرغب دائما في سماع المزيد من المدح والثناء بعد أن ملأ استسلام الحاج مراد نفسه غرورا.

وقد أدرك قائد الجيش الروسي ذلك، فمضى في نفاقه يقول “خطة القيصر في منع الطعام عن القوقاز هي التي أقنعت الحاج مراد بأنهم لن يستطيعوا الاستمرار في المقاومة”.

ولقد نسي القيصر نيقولا وهو يتمتع بنشوة النصر أن خططه كلها فشلت، وأن جيشه تعرّض من قبل للكثير من الهزائم.

يوضح ذلك أن الطاغية دائما يبحث عن نصر ينسى به الشعب فقره وبؤسه وهزائمه، والمنافقون يشبعون الطاغية بالحديث عن النجاح، ونسبة كل الانجازات إلى عبقريته، فيزداد غروره، ويطمس الشعور بالقوة بصيرته.

ولقد صوّر تولستوي قائد الجيش نموذجا للمنافق الذي يجيد صياغة الكلمات التي يحب الطاغية سماعها، فهو يعرف أنه يكذب، وأن القيصر يعرف أنه يكذب!!

ليجتث الروح الثورية

وكان من المواقف التي توضح قسوة القيصر نيقولا الأول أنه حكم على طالب بالجلد 12 ألف ضربة، وأن يُضرب أمام الطلاب حتى يجتث الروح الثورية منهم، وهذا يوضح أساليب الطغاة في إثارة الصدمة والخوف والرعب في قلوب الناس!!

وبرر نيقولا ذلك بأنه ألغى عقوبة الإعدام، وهو يعلم أنه ليس هناك أحد يمكن أن يتحمل 12 ألف ضربة، وبذلك اخترع وسيلة جديدة للإعدام أشد قسوة.

كما يصور تولستوي العقوبات التي أصدرها القيصر نيقولا ضد الفلاحين الذين رفضوا اعتناق المذهب الكاثوليكي بتحويلهم جميعا إلى عبيد للأسرة الإمبراطورية.، ونفّذ قائد الجيش الأوامر ليبرهن على استعداده لتنفيذ المشيئة العليا للقيصر المجردة من الإنسانية والشرف.

بعد أن أصدر نيقولا تلك الأحكام القاسية خرج للاحتفال بعيد الميلاد حيث كان ينتظره أكثر من ألف رجل بملابسهم الرسمية ونساء بأثواب أنيقة شبه عارية، ولمّا شعر بأن أنظار الجميع تتركز عليه في رعدة ومذلة زاد في اصطناع هيئة المنتصر المظفر.

وإذا كان الحاج مراد قد استسلم للروس، فإن الشيخ شامل استمر يحاربهم ويحقق الانتصارات.

ولقد تمكن الروس من خداع المسلمين في القوقاز، لكن الحاج مراد نجح في الفرار من الأسر وقاتل الروس حتى استشهد.

وهكذا دعست عجلات القيصر نيقولا الأزهار، لكنها ستنهض يوما وستنتفض دفاعا عن الحرية.

والقوة الغاشمة يمكن أن تحقق نصرا خاطفا وسريعا، لكن المقاومة تستطيع الصمود سنوات طويلة، وموازين القوى يمكن أن تتغير.

لقد استشهد الحاج مراد، واستشهد بعده الشيخ شامل، وخضع القوقاز للروس، لكن نفوس القوقازيين تشتاق إلى الحرية والاستقلال، وسيضيء ذلك الشوق الطريق أمام الأحرار، والقوي لا بد يوما أن يعتريه الضعف، والضعيف يمكن أن يبحث عن أسباب القوة، ويفكر ويبدع وينتفض وينتصر.

والأدب يمكن أن يقدّم لنا التجارب الإنسانية لرجال يقاومون حتى ينالوا الشهادة مثل الحاج مراد، ثم يواصل الطريق من بعده رجال حتى تحقيق النصر.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان